ثقافة وفنون

د.عصام حسين يكتب: المفتاح (قصة قصيرة)

4-4-2018 | 12:33

لوحة للفنان الهولندي فان جوخ

نصف ساعة مرت وأنا في حالة فوضى تامة، لم تكن الفوضى وحدها التي تحتل المشهد برمته، وإنما ما أسمعه منها من كلمات، خوف وتردد، ومحاولة يائسة منها للتراجع.


تسمرتُ أمام الشقة، أبحث عن المفتاح، بعد أن تجردت من ملابسي، فيما عدا الداخلية منها. فحصتُ، وبعناية كنت أظنها فائقة، عنه في كل جيوب السترة الستة، وجيوب البنطلون الثلاثة، وجيب القميص الوحيد.

أعدتُ الفحص مرات ومرات، وفي كل مرة كنتُ أُغير من طريقة الفحص. تسمرت هي الأُخري خلفي، لم تشاركنى البحث، اكتفت بإعادة ترديد كلماتها اليائسة: ربنا مش رايد. يالا نرجع.

أحاول رغم ما أنا عليه من فوضوية تجتاح عقلي فتشتتُ أفكاري أن أجعلها تصبر قليلًا، أذكرها بما تعاهدنا عليه.

جمعتنا المصادفة، الوظيفة الواحدة بالمكان نفسه، قد تؤلف القلوب وقد تبعدها، لكن ما جعلنا قريبين هو أننا تقريبًا فقدنا زوجينا في فترة زمنية متقاربة، كنا زميلين فصديقين، فالتقينا خارج العمل نحكي.

توقفتُ طويلًا أمام الجيوب الستة، أُدخل أصابعي لعمق العمق، وأجسُ بأصابع اليد الأخرى الجهة المقابلة، فلا أترك احتمالًا لأن يهرب أو ينزلق، لم يكن صغيرًا أو كبيرًا، وكما كان يعلمني عم شحتة كيف أصطاد أسماك البياض أثناء موسم جفاف الريّاح التوفيقي في إجازة نصف العام، كان مفتاح صيده يبدأ بمعرفة مكانه بالممر الضيق بين الصخور، وسط المياه المتبقية والمحصورة بينهم، يوصيني بالتركيز وحُسن التدبر، ثم الانقضاض وقت السكون التام للحركة.

لا بد أنه محشور بالجيب الأصغر،أحاول التركيز بصعوبة، كلماتها ما زالت تنطلق، تصنع جلبة ومللًا من تكرارها.

لم أخش طليقتي، فلماذا رفضت اللقاء في "جروبي" وسط البلد خشية أن يرانا طليقها؟ وتكرر عليّ هذا الخوف، هل تريد الرجوع؟

أحسن التدبير يا ولدي؟ يا عم شحتة، وهل لم أحسن التدبير؟ لقد خططنا لكل شيء، حرصتُ على المفتاح وأنا الذي لم أُغلق أي شيء إلا باب هذه الشقة بعد الطلاق. لم أحمل مفتاحًا، لأن لا شيء عندي مغلق.

الجيب الأصغر يعلن تبرأه من حمل المفتاح، والجيوب الخمسة كادت أن تتمزق، وهي تثرثر يأسًا وخوفًا، وأنا أُعلن الاستسلام وأبدأ في ارتداء ملابسي، قطعة بعد الأخرى.

نخرج للشارع الرئيس، أنادي على التاكسي، أهم بمصافحتها قبل أن تركب، لا تمد يدها، وترمي بجسدها داخله. أقف مشدودًا بوسط الشارع وعندما أهم بالتحرك أسمع ارتطام المفتاح بالأرض، وفي اللحظة نفسها أرى التاكسي من بعيد يصطدم بالتوكتوك وسط الطريق. أطير مسرعًا نحوه، أنادي بأعلى صوتي: لقيت المفتاح!

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة