ثقافة وفنون

د.مصطفى الضبع يكتب: دفتر أحوال الجامعة المصرية (14).. السرقات العلمية (3)

24-3-2018 | 13:59

مصطفى الضبع

يقبل السارق على نفسه أن يوضع في خانة اللصوص، مدركًا أن القوانين في صالحه؛ إما بالسكوت عنها أو بقدرته على اختراقها، أو شعوره بحماية من هم على رأس المؤسسة التي ترعى فساده (ممثلًا فيما يراه حقًا له) قبل أن ترعى ما عليه من واجبات.


لا يسرق السارق وفي نفسه ذرة من يقين يجعله يميل إلى الخوف بدرجة ما، هو يفكر في مكسب قريب (ترقية علمية أو كتاب يجني عائده أو شهرة يطمح إليها ولا يمتلك أي قدر من مقوماتها، أو إرضاء لخسة متأصلة في نفسه).

إن أسبابًا تبدو قوية لدى من يقدم على السرقة العلمية، تبدأ من منطقة التعمد للسطو على أفكار الآخرين وتنتهي بمنطقة الضعف العلمي، فلا يسرق أحدهم وهو يمتلك قدرًا من العلم أو قدرة على أسبابه.

دوافع السارق تختلف عن أسباب السرقة، الدوافع تحيلنا إلى خلل تربوي، شخص لم يأخذ حقه من التربية، فالأمر في النهاية له بعده الأخلاقي؛ أن يسطو شخص على الآخرين وهو في كامل وعيه أو هو من المفترض أنه يحوز وعي المتعلم وبصيرة الأستاذ الجامعي، فهذا مما يؤكد على نقص في التربية بالأساس.

الأسباب تتجذر في الجامعة بوصفها مؤسسة تخلت عن أعرافها وتخلت عن منظومتها الفنية والتربوية، ترجع المنظومة الفنية إلى ما أصاب التعليم من خلل لم يشغل أحد نفسه بعلاجه:

- نظام تكليف المعيدين في زمن الخلل يختلف كلية عن زمن كان فيه التعليم أفضل وأقوى مما هو عليه الآن.

- نظام يقوم على تكليف المعيد بناءً على درجات نعرف كيف حصل عليها (سأعود لموضوع المعيدين بالتفصيل لاحقًا).

- غياب منظومة القيم الجامعية، أن تقبل الجامعة بين أعضائها من يهدمون قيمها وقيم الإنسانية، وأن تترك هؤلاء دون رادع من قانون وقد فاتهم الرادع الأخلاقي.

تفرض ثقافة التبرير على البعض مقولات تكاد تتحول إلى دستور حاكم عند محاولات تسويغ الأخطاء حتى لو كانت أخلاقية، إذ يبرر البعض لأنفسهم، ويجدون من يبرر لهم أفاعيلهم بضيق ذات اليد، وضعف الأجور، وارتفاع الأسعار، وغيرها من مسوغات ليس أسهل من فرضها على المجتمع ليتحول بدوره إلى غابة يفرض كل واحد دستوره الخاص، فإذا تعددت الدساتير تصادمت القوى والمصالح.

وهو ما يعني أن الفساد ليس نبتًا شيطانيًا وإنما هو عملية إنبات كاملة تتوفر لها العوامل والأسباب داخل البيئة الصالحة لنموها وتجذرها وترعرعها، وهو ما يعني أن عوامل مهيأة في بيئة الجامعة لنمو هذه النوعيات من اللصوص.

إن أصابع الاتهام تشير بقوة إلى الجامعات، فهي التي تلتزم الصمت أو تساند أو تحمي أو تشجع أو تغض الطرف، وهو ما يضع جامعاتنا الشاهدة على هذه الوقائع محل اتهام.

تتعدد الوقائع وتنتشر، وهو ما يضع الجامعة، ومن ورائها المجلس الأعلى للجامعات ووزارة التعليم العالي، في موضع لا يليق بالجميع قبوله أو البقاء فيه، فالجميع متورط بدرجة أو بأخرى، والتورط يفضي إلى طرح القضية من زوايا متعددة في مقدمتها: هل هذه الجهات حريصة على التعليم؟ وعن أي تعليم نتحدث؟ عن تعليم يتهم فيه بعض القائمين عليه بالتورط في قضايا تمس الشرف؟

الجميع على علم بما يحدث، والجميع يعلم نصوص القانون، ودور القانون، وإنجاز القانون، كما أن الجميع يعلم أيضًا من يعطل القانون ومن يرتكب جريمة إهدار دمه، ومن يحطم ضلوعه جهارًا نهارًا، ولكنه الصمت المريب الذي لا يعني إلا أن المؤامرة ليست من الخارج كما يروج البعض، المؤامرة من الداخل باقتدار.

والأسوأ أن بعض هؤلاء يسافر للعمل في جامعات عربية يمارس فيها الأفاعيل نفسها دون أن يدرك حق بلاده عليه مما يمس سمعة الوطن والجامعات والمنظومة التعليمية في مصر بالكامل، وتكون النتيجة انهيار سمعة الجامعات المصرية كأننا نتعمد إغلاق الأبواب أمام الأجيال القادمة لتقدم نفسها للعالم.

أنقذوا الجامعات المصرية، والأجيال المصرية، والقيم المصرية، ليس مطلوبًا منكم إلا أن تؤدوا عملكم، فالمطلوب ليس خارقًا للعادة وليس مستحيلًا، القوانين موجودة واللوائح واضحة، والوقائع معروفة، وأكررها للمرة المليون: الجامعات المصرية في خطر، والجميع يعرف الأسباب ويدرك ما تؤول إليه الأمور من نتائج.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة