ثقافة وفنون

د. محمود الضبع يكتب: المعيار والقيمة في حياتنا اليومية

24-3-2018 | 11:43

د. محمود الضبع

في بلادنا العربية يعاد تقييم كل شيء من منظور يستعصي على التصنيف أحيانا، فمثلا:

تتأخر مرتبة العلم، وتتقدم مرتبة الهابط من الفكر والفن.
تتدنى قيمة المعلم والعالم، وترتقي قيمة الدجالين ومدعي التدين.
يستهان بأصحاب الفكر، ويتم الاحتفاء بفاقدي الأهلية.
يتوارى الاهتمام بالوعي والتثقيف، وتتزايد العناية بالاستهلاكي واليومي.
يتضاءل الاحتفاء بالقيمة والعمق، وتتزايد العناية بالشكلي واللحظي والمنتهي بعد قليل.
تتجاهل الثروات الحقيقية للوطن، ويحتفى بثروات الغرباء.
في بلادنا إما أن تكون كما قال المتنبي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم، أو أن تبحث لك عن وضع بديل، قد يتمثل في العزلة الاختيارية، أو العيش بصيغة ازدواجية بين التعامل مع المجتمع على مضض داخلي وقبول خارجي، أو محاولة التوفيق والتعايش، التي يقضي فيها العربي حياته، ليتوافق مع المجتمع والدين والسياسة، ويوفق بين ذلك جميعه وبين تصوره هو الشخصي لحياته.

والعجيب أن الجميع يعلم ما سبق، بل قد ينتفي وجود من لم يفكر في هذه الأمور، ويقلبها على وجوهها، غير أنه لا أحد يمتلك البحث عن حلول جذرية لهذا الوضع، وإن كان، فإنه لا يمتلك القدرة على تطبيقها أو توعية المجتمع بها، ذلك أن التغيير لم يكن يوما ما فعلا فرديا، وإنما هو توجه عام، يشمل على الأقل شرائح عديدة من المجتمع، تكون بينها اتفاقات ضمنية، وقضايا واحدة تسعى في سياقها، وإن تعددت طرق السعى ووجهات النظر فيه.

ولعل المجتمعات العربية مرت بمراحل تاريخية قريبة العهد وليست بعيدة منا، حدث فيها مثل هذا التوجه العام، وتغيرت مسارات كثير من الشعوب العربية، ومنها مراحل النضال ضد المستعمر بدءا من مطالع القرن العشرين، حيث اجتمعت اتفاقات في كل أمة من الأمم العربية على التحرر من الاستعمار، وهو ما أسفر عن استعادة الأراضي العربية منه، لكن الإرادة السياسية لم تكمل المسيرة، ليتحرر العقل العربي من الفكر الاستعماري، الذي ظل ينمو ويعمل في الخفاء، دون أن تتم مواجهته بالتعليم والتثقيف والوعي العربي الهوية، ولم تكمل المسيرة في سياق استكمال مشروعات الإحياء والتحديث الديني والفكري والاجتماعي والعلمي، الذي كانت الفرصة مهيأة له، ولا تزال هناك فرص حاضرة، والانتقال بها فعليا من الاستشهاد بها والعيش فيها إلى توفيق أوضاعها مع تطور الحياة من حولنا.

وحدث هذا أيضا على مستوى المجتمع الواحد (المصري، والعراقي، والمغربي..إلخ)، من اتفاقات شبه عامة بين الشعب الواحد على قضايا واحدة مهما يختلفوا في طريقة سعيهم نحوها، مثل اتفاق المصريين على قضية التعليم، وأهميته، كما لخصها طه حسين في مشروعه « التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن»، وهو ما كان له نتاج حقق الازدهار في أواسط القرن، أو اتفاقهم على مشروع السد العالي، أو اتفاقهم على الفكر الاشتراكي في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وغيرها من القضايا والمشروعات الكبرى، وهو ما حقق قفزات اجتماعية واقتصادية، وتطويرا للحياة قياسا إلى ما كان عليه الأمر، غير أنه كانت هناك أيضا غيبة للوعي بأهمية استمرار المسيرة وبناء العقول، لتستطيع مسايرة الحياة التي تتزايد سرعة إيقاعها وتطورها، ومن ثم تراجعت كل هذه المنجزات مرة ثانية.

العقل العربي متعدد الفهم والتطبيق للقيمة الواحدة والمعيار الواحد بتعدد المواقف والحالات التي يكون فيها: في العمل، وفي الأسرة، وفي المجتمع، ومع الأصدقاء، وكذلك بتعدد الوضعيات التي يكون عليها: هو الحاكم، أو هو المتحكم فيه، هو صاحب الحق، أو هو الراغب في الحصول على هذا الحق، هو المستفيد أم هو غير المستفيد شخصيا.

ويكفي تأمل مفهوم وقيمة العمل بالنسبة للعربي، واختلاف الطرق والمعايير التي تحكم مسار هذا العمل، أو تأمل مفهوم التدين أو الالتزام الأخلاقي أو الأمانة، وغيرها وغيرها، علما بأن العربي أكثر الشعوب ترديدا لشعارات المبادئ والحكمة العربية والأمثال الشعبية وقصص التراث، التى كثير منها متناقض وينفي بعضه بعضا، إلا أن هناك تبريرا لرفع هذا التناقض بمراعاة الكلام لمقتضى الحال على طريقة المفهوم الأساسي للبلاغة، كما ترسخ في الفكر العربي والوعي العربي والثقافة العربية، ومن ثم العقل العربي.

إذا قرأنا ذلك، وربطنا عناصره أدركنا لماذا نحن نفقد المعيار والقيمة في حياتنا اليومية، ومن ثم في حياتنا العملية والفكرية والفنية والإنتاجية عموما، وكيف أن هذا الفقد سيودي بنا للهلاك لا محالة، ما لم تكن هناك رؤية مدركة لضرورة بناء الوعي وبناء الإنسان.

العلم والتعليم، والثقافة والوعي فقط يمكنهم بناء الشعوب وإنقاذها، والخروج بها من واقع كونها تابعا يلهث وراء إنتاج الشعوب المتقدمة، ويقلدها في طريقة عيشها، إلى شعوب ترى وضعها عالميا من منظور صحيح، وتؤمن بأن عليها أن تعمل ليس لكسب الرزق فقط، ولكن للإسهام في معدلات التنمية أيضا، إلى جانب كسب الرزق.

ألم نفكر مرة مثلا بأن كل ما يتم استيراده من أدوات هو نتاج أبحاث علمية تمت رعايتها في بلدانها، وتبنيها، والإيمان بها، ويمكن مقارنة حجم ما أنفق عليها وعلى الحياة العلمية كلها بما توصل فيها لنتائج، وما كان أبحاثا تجريبية لم تتوصل لنتائج، وقياس ما تدره من أموال وقوة لبلدها الذي آمن بالعلم والبحث العلمي والعقل المتحرر، واستثمر منتجه لبناء قوة وطنه المادية والسيادية بين شعوب العالم.

كم جامعة، وكم مؤسسة حكومية أو خاصة، وكم حجم رجال الأعمال الذين تبنوا أو يمكن لهم أن يتبنوا أبحاثا علمية عربية إنسانية كانت أم عملية؟.

أين المعايير التي يتم رفع شعاراتها، من تشجيع للبحث العلمي، ودعم التطوير، وتأكيد معايير الجودة، التي صار تداولها قولا لا فعلا في كل أرجاء الوطن العربي، وفي كل بلدانه الفقيرة والغنية؟.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة