آراء

ولا تزال اللعنة السياسية.. مستمرة !!

5-3-2018 | 23:49

أما هذه اللعنة فهي ( المكارثية) السياسية والمجتمعية التي دمرت، ليس فقط المجتمع الأمريكي في منتصف القرن الماضي، بل في كثير من دول العالم، ولاتزال..! إذ تحولت الى مصطلح بغيض في شئون الحكم والسياسة؛ يعني السلوك الذي يقوم بتوجيه الاتهامات بالتآمر والخيانة دون الاهتمام بالأدلة، وهي لا تنتج في النظم التي تستخدمها سوى صناعة الخوف والخطر.. ماكينات من الشائعات.. التزوير والتخفي.. التلفيق والشك.. غياب التسامح.. التشهير والغوغائية.. وجعل المواطنين في الدرك الأسفل من الحياة.

هل يتعظ من يمارسون هذه المكارثية في عالم اليوم...؟

أم على قلوب أقفالها..؟!. إنها بصائر لمصائر .. !!

تجاوزت المكارثية إطارها القُطري الأمريكي، وتحولت إلى ( فكرة) راحت تجوب العالم؛ فأصبح هناك اشخاص ومؤسسات تلقي بالاتهامات جزافًا لكل من يخالفها الرأي، في المكارثية لا يُرفض حق المخالف في التعبير عن رأيه تجاه الأحداث والمواقف فحسب، بل إن رأيه يُقمع، ويُسفه، وفقاً لواحدة من أشد آليات القهر والتسلط الاجتماعي، وذلك حينما تتولى فئة أو تيار معين (شيطنة) مخالفيها ، لمجرد أنه عبر عن رؤية أو موقف نظري بحت، لا يروق لها، أو لا يتفق مع ما تؤمن به «وتؤدي في النهاية إلى وضع يتجاوز المختلفون فيه اللسان إلى السنان» كما يجمع المحللون في هذا الشأن!

أتذكر حديثًا لي مع الكاتب الأمريكي المعروف آرثر ميللر، في شتاء عام 1982 أثناء زيارته القاهرة، ومما قاله لي آنذاك بمرارة، أنه كان ضحية المكارثية اللعينة التي انتشرت كالسرطان في المجتمع الأمريكي عام 1950، ونكلوا به وهددوه باغتصاب زوجته النجمة مارلين مونرو، وكان ضمن رموز معروفة في العلوم والفنون والآداب، ومنهم مارتن لوثر كينج، وألبرت أينشتاين وتشارلي تشابلن، وغيرهم.

وامتدت «المكارثية» لجميع قطاعات المجتمع الأمريكي، وراح ضحيتها أكثر من 2000 شخص تم الزج بهم في السجون، فضلا عما يزيد على 10 آلاف تم طردهم من وظائفهم والتنكيل بهم وفق تهم ملفقة، ولعبت هيئة التحقيقات الفيدرالية دورًا مخيفًا، فكانت تسرب «وثائق» تبدو كأنها تحمل أدلة تجسس ضد المئات من المهنيين كالمدرسين والأطباء والمحامين والأكاديميين، وراحت تبعث للإعلام برسائل مجهولة تحمل «وثائق» مزورة تفيد بأن فلانا أو علانا منهم يعمل مخبرًا لديها للوشاية بغيره لإثارة الذعر.

لذا تتجلى المكارثية - طبقا لكثير من الأدبيات السياسية - بوصف يكاد ينطبق على كل سياق أو مشهد اجتماعي أو سياسي لا يراد فيه للوسط العادل، فكرًا وممارسة أن يسود، إنها ذلك المنهج ذو القيمة الثنائية الحدية: (إما .. وإما) إما معنا وإما ضدنا، إنها أحد الأنواء الاجتماعية التي تتعلق برفض حرية المخالف في التعبير عن موقفه تجاه الآراء والأحداث والتطورات، السياسية منها والاجتماعية، وإقصاؤه بأشد ما تكون حالات الإقصاء شدة.

ويشعر المرء منا بغصة حضارية حين يقرأ الكتاب الرهيب والمرعب، الذي ترجمه وقدمه الدكتور رمسيس عوض بعنوان (محاكمات فنية وأدبية وفكرية) في حوالي 2000 صفحة أصدره عن المجلس القومي للترجمة، وهو مشحون بالحقد الاجتماعي والضغينة الفكرية والبغضاء السياسية بما يحمله من وثائق ومحاضر تحقيقات أمريكية مع عدد كبير من التحقيقات التي أجريت في الفترة من عام 1938 حتى عام 1951 مع مجموعات غفيرة من أبرز رجال العلم والفكر والأدب والمسرح الأمريكي؛ بسبب الاشتباه في انتمائهم إلى الحزب الشيوعي، ويمثل صفحة سوداء مشينة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وحتى ندرك مدى ما وصل إليه القمع الفكري الأمريكي يكفي أن نعرف أن الرئيسين السابقين ريتشارد نيكسون ورونالد ريجان اشتركا في القيام بجانب من مجريات هذه التحقيقات، وأن المخابرات الأمريكية ساورتها الشكوك بشأن ولاء قرينة الرئيس روزفلت، وأبي القنبلة الذرية عالم الفيزياء أوينهايمر لأمريكا!!

ويقول الشهود إنه طوال عشر سنوات أمريكية وعملية ممارسات التفتيش في الضمائر وتلفيق الاتهامات والفضائح لإسكات الآراء المخالفة للحكومة اعتمادًا على تقارير مجهولة المصدر، وأخبار ملفقة ومزيفة كطريقة ناجعة في اغتيال الخصوم السياسيين معنويًا عبر اتهامات بالجملة تطعن في شرفهم ووطنيتهم، ثم التنكيل بهم وإقصائهم..

وبعد أن بكت الألوف المؤلفة من الأمهات وتشرّد عشرات آلاف العائلات، تكتشف السلطات أن السيناتور جوزيف مكارثي كان كذابًا كبيرًا هو وحليفه، وأنه فشل فشلا ذريعًا في تقديم دليل حول وجود جيش الجواسيس المزعوم، وفي نهايتها بعد افتضاح أمره.. أدمن «جوزيف مكارثي» المخدرات.. ليموت وبسرعة شر موتة في 2 مايو 1957 متأثرًا بإصابته بالتهاب الكبد الفيروسي العنيف.

وقد لعبت هيئة التحقيقات الفيدرالية دورًا مخيفًا، - طبقًا لمحاضر التحقيقات وما بعدها، فكانت تسرب «وثائق» تبدو كأنها تحمل أدلة تجسس ضد المئات من المهنيين كالمدرسين والأطباء والمحامين والأكاديميين، وراحت تبعث للإعلام برسائل مجهولة تحمل «وثائق» مزورة تفيد بأن فلانًا أو علانًا منهم يعمل مخبرًا لديها للوشاية بغيره لإثارة الذعر.

وأرسل «مكارثي» وفدًا إلى الدول الأوروبية لوضع الكتاب اليساريين في «قائمة سوداء أوروبية» بل أجبر وزارة الخارجية الأمريكية على منع دخول كتب أكثر من 400 كاتب وصحفي وأستاذ جامعي أوروبي.

كثيرون هم ضحايا هذه اللعبة السياسية القذرة إذ تغضب السلطة - أية سلطة سياسية كانت أم دينية أم اجتماعية أم ثقافية أم اتخذت أي شكل آخر - على سين من الناس فإذا بكمية من حجارة من سجيل عصري تنهال عليه من كل صوب وهات يا سب.. يا قذف.. يا رجم.. يا اغتيال معنوي، وهو أخطر من القتل المادي.. تلفيق اتهامات.. هتك أعراض.. تمزيق علاقات.. تدمير أجيال حاضرة.. بث الكراهية في نفوس القادمة.. هدم عائلات.. هد كيانات.. و..و..!!!

أكرر سؤالي الذي طرحته في بداية هذا المقال:

هل يتعظ من يمارسون هذه المكارثية في عالم اليوم...؟

أم على قلوب أقفالها..؟! إنها بصائر لمصائر.. !!.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د مجدي العفيفي يكتب: الذي هو أنت ومنك وإليك

عبارة رائعة ومروعة في بلاغتها الصحفية، وفي كثافتها الفكرية، وفي سعتها المجتمعية، تجذرت في نفسي وقد زرعها في تكويني أستاذنا مصطفى أمين، وأنا في مقتبل العمر

د.مجدي العفيفي يكتب: ولا تزال البقية تتجلى عليها..!

اغتصبتها الدنيا كثيرا.. فكانت تقاوم بشق النفس.. راودتها الأيام عن نفسها.. فكانت تستجيب إلا قليلا.. تقاذفتها الأيام على أمواجها..

د. مجدي العفيفي يكتب: نفحات من نار .. ولفحات من نور..!

يحكى أن أهل قرية ذهبوا لصلاة الفجر ولم يعثروا على المؤذن، فأذن أحدهم وقاموا وصلوا وبعد بزوغ الشمس أتى المؤذن مهرولًا نحو المسجد وعندما سألوه عن سبب التأخر

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (3 - 3)

و... في هذه المسافة بين نقد الذات وجلد الذات يتحرك دائما فريقان متضادان، لا يجتمعان ولا يتقابلان، لكن لابد منهما معا، كواحدة من الثنائيات المتعارضة في الحياة وطبيعتها التي تحير ذوي الألباب.

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (2 - 3)

مزعجة إلى حد التقزز الفكري.. ومثيرة إلى حد الغثيان النفسي.. تلك البوستات والكتابات المنتشرة على العديد من صفحات ومواقع الميديا من فيس بوك، وتويتر، وواتس

د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة