أخبار

كتاب يرصد تاريخ الإنشاد الديني ويكشف حقيقة "طلع البدر علينا"

28-2-2018 | 13:01

غلاف الكتاب

شيماء عبد الهادي

تحت عنوان "فن الإنشاد الدينى" تقدم مروة البشير الصحفية بمؤسسة الأهرام، كتابها الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، تأريخًا لفن الإنشاد الديني وترجع به إلى العصر الفرعوني وصولا إلى العصر الحاضر موثقة كل ما وصلت إليه من نتائج بحثية بالدليل والمراجع المتخصصة في هذا الصدد، راصدة أهم المنشدين والمنشدات على اختلاف العصور مثبتة دور المنشدات السيدات. 


ولا ينحصر الكتاب برصد لون الإنشاد الديني على الدين الإسلامي فقط وإنما هو وثيق الصلة بالدين المسيحي أيضًا.

وبحسب مؤلفة الكتاب، مروة البشير، لم يكن الأمر سهلا – كما هو متوقع - فالمتاح إما مراجع قديمة تتحدث عن فترات تاريخية سابقة، أو دراسات أكاديمية تهتم بالعنصر الموسيقى فى الإنشاد، لكن لا توجد كتب حديثة موجهة للقارئ العادى ـ وليس المتخصص ـ توثق تاريخ وحاضر الإنشاد الدينى فى مصر، والدور الذى يلعبه فى نفوس المصريين.

وتلفت إلى أن مصر هى أول دولة فى العالم عرفت الإنشاد الدينى، وهو الإنشاد المصاحب للطقوس والعبادات، وإقامة الشعائر والصلوات داخل المعابد عبر مجموعة من الترانيم ذات نصوص دينية عادة ما تكون غامضة المعنى، وجاءت أشهر هذه الأناشيد على الإطلاق للملك الفرعون إخناتون، ذلك الزاهد المتعبد والفيلسوف المتأمل.

​ومع انتشار الديانة المسيحية، ظهرت فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الموسيقى الكنسيّة القبطية وهى من أقدم الموسيقى الكنسية الموجودة، وقد وصفها عالم الموسيقى الإنجليزى، ايرنست نيولاند سمث، بأنها إحدى عجائب العالم السبع، ​والترانيم هى جزء مهم من العبادة المسيحية فهى كلمات تسبيح للرب، وهناك ترانيم كثيرة فى الكتاب المقدس منها السارة والحزينة، ومنها ترانيم النصرة والتوبة، وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورا كبيرا فى الترانيم والألحان القبطية، وظهرت فرق عديدة تؤدى هذا اللون، لكن الأبرزكان ظهور جيل جديد من المرنمين، الذين يؤدون ترانيم أقرب إلى الغناء الدينى باللهجة العامية.

​وعندما جاء الإسلام، كانت قصائد المديح النبوى ـ التىتعد العمود الفقرى للإنشاد ـ أحد أدوات الحرب ضد المشركين وأهم وسيلة إعلام للدفاع عن الإسلام، وكان أشهرها لشاعر الرسول (عليه الصلاة والسلام) حسان بن ثابت، وبعد عصر النبى صلى الله عليه وسلم تطور فن المديح والإنشاد الدينى حتى أصبح فى عهد الأمويين فنًّا له أصوله، وضوابطه، وقوالبه، وإيقاعاته.

​وفى مصر ازدهر فن الإنشاد الدينى فى عهد الفاطميين بسبب اهتمام الدولة بالاحتفالات الدينية والدنيوية المختلفة، ومع انتشار الطرق الصوفية دخل الإنشاد الدينى مرحلة جديدة من خلال «الحضرة» ثم ارتبط بالموالد الخاصة بأولياء الله الصالحين، ومع ظهورالإذاعة ثم التليفزيون انتشر فن الإنشاد الدينى وذاع صيته، حتى أصبح لدينا الآن فضائيات خاصة بالإنشاد وفرق مختلفة للغناء الدينى.

ويظهر الجهد البحثي من أولى صفحات الكتاب والرجوع إلى العصر الفرعوني حيث تقول الكاتبة: "ويمكن تعريف الإنشاد الدينى عند الفراعنة بأنه: الإنشاد المصاحب للطقوس والعبادات، وإقامة الشعائر والصلوات داخل المعابد، وهى مجموعة من الترانيم ذات نصوص دينية عادةماتكون غامضة المعنى، ويكون الإنشاد إما بمصاحبة آلية أو يؤدى بطريقة الترتيل أو التلاوة أو الإلقاء (ريستاتيفو) ويكون عادة مصاحبا بآلة السيستروم".

​كما وجدت النصوص والتراتيل الجنائزية منقوشة على جدران بعض أهرامات الدولة القديمة، وعلى جدران توابيت الموتى فى الدولة الوسطى، وفى العصور اللاحقة وجدت النصوص الجنائزية منقوشة فى كتاب الموتى.

​ولم يهتد الباحثون بعد إلى الطريقة التى كانت تؤدى بها تلك التراتيل، وإن كانت غالبا تؤدى بطريقة الإلقاء أوالتلاوة، وأحيانا بمصاحبة الدفوف.

​وهكذا رأينا الإنشاد عند الفراعنة فى احتفالات الإله آمون وإيزيس ورع، وقد صورتها لنا جدران المعابد، حيث يرى حاملو الأعلام والعازفون والمنشدون الذين يرددون الأناشيد الدينية بمصاحبة مجموعات موسيقية.


​وقد ربط بعض الباحثين بين أناشيد إخناتون والمزمور 104 من مزامير النبى داود من حيث المضمون وتماثل بعض الجمل.

وتصور البعض أن المزمور قد تأثر إلى حدكبير بالنشيد رغم الفترة الزمنية الطويلة التى تباعد بين الاثنين (إخناتون فى القرن الـ14 قبل الميلاد، وجاء بعده بنحو 400 سنة سيدنا داود عليه السلام فى القرن العاشر قبل الميلاد)، بينما يرى البعض الآخر أن الأمر لا يعد مجرد توارد خواطر، فكلاهما يناجى ربه، ومن ثم يتفقان فى تعداد نعمه وأفضاله.

ويلقي كتاب فن الإنشاد الديني،  بإطلالة واسعة على فن الإنشاد الديني القبطي موثقا إياه من بدايته إلى يومنا هذا، فتقول الكاتبة: "مع ظهور وانتشار الديانة المسيحية ومع مر السنين ظهرت الموسيقى المسيحية التى استخدمت فى طقوس العبادة والصلوات، وأخذ الغناء شكلا فرديا وجماعيا، وفى القرن الرابع بعد انتهاء عصر اضطهاد المسيحيين قام آباء الكنيسة بتأسيس نظام للطقوس الدينية المؤلفة من الأناشيد التى يُتَرنَّمُ فى المناسبات المختلفة طوال السنة، وقاموا بكتابة كلمات وموسيقى الأناشيد الدينية وتأثروا بالشعرالغنائى فى العهد القديم أو المزامير، ثم أخذت كل كنيسة تضع موسيقى وأناشيد خاصة بها، وقد هذب البابا غريغرزى الأول الموسيقى اللاتينية الكنسية فأحدث الترانيم الغريغورية وهى ألحان فى الكتاب المقدس للموسيقى الكنسية اللاتينية، ويعتبر فنا موسيقيا غنائيا جادا، ذا سير لحنى غير مرافق بآلات موسيقية.

ويمكن القول، إن تاريخ الألحان القبطية نشأ مع الكنيسة نفسها، فقد بدأ اللحن الكنسى مع القديس مارمرقس الرسول فى الإسكندرية التى كانت فى ذلك الوقت مركزا مهما للثقافة، وكان القديس مارمرقس نفسه مثقفا باللغات العبرية واللاتينية واليونانية، لذلك قام بإنشاء مدرسة اللاهوت التى كانت تدرس فيها الموسيقى والفلسفة والمنطق والطب والهندسة إلى جوار العلوم الدينية، وقد اشتهرت هذه المدرسة جدا فى القرن الأول الميلادي.

وتراث الألحان القبطية حفظتها الكنيسة على مدى واحد وعشرين قرنا من الزمان، وسلمته جيلا بعد جيل بـطريقة التسليم أو التقليد الشفاهي، واستطاعت أن تعبر به عصورالاضطهاد الرهيب عبر القرون الطويلة، ويعتبر حفاظ الكنيسة المصرية على الألحان القبطية التى تسلمتها من القرون الأولى للمسيحية معجزة حقيقية يشهد بها التاريخ، فقد استطاعت الحفاظ على نغمات تتحرك فى الهواء وتنتقلبين المشاعر والأحاسيس لمدة ألفى عام لم يوجد أثناءها أجهزة لتسجيل الأصوات.

ولا يقف الكتاب موقف السارد للأحداث، الناقل للنصوص، وإنما يتناول بعض المسائل الشائكة بل الصادمة أيضا بالبحث والدراسة لتخلص إلى نتيجة علمية مقنعة، على سبيل المثال تبين  الكاتبة أن نشيد طلع البدر علينا لم يكن النشيد الإنشادي الأول كما هو شائع، فتقول: " ​رغم اتفاق معظم المصادر، التى تناولت بالبحث موضوع الإنشاد الدينى، على أن نشيد "طلع البدر علينا" يعد أول إنشاد فى الإسلام، فإننا لا نؤمن بهذا الطرح رغم شيوعه؛ لأن هناك خلافا بين العلماء على صحة هذه الواقعة فى السيرة النبوية العطرة.

​ففى دراسة لحديث ( طلع البدر علينا ) ـ دراسة حديثية للخبر والنشيد ـ أعدها الدكتور أنيس بن أحمد بن طاهر الأندونيسى عضو هيئة التدريس بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، أوضح أن رواية (طلع البدر علينا) رواية ضعيفة لأن السند الوحيد لها هو عبد الله بن محمد بنعائشة المتوفى عام ٢٢٨ هجرية، فلم يكن من الصحابة أوالتابعين، كما يقول المحقق ابن القيم  فى "الزاد" (3/13): أن منطقة "ثنيات الوداع" إنما هى ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام.


​وإذا كان هذا الحديث غير صحيح من ناحية السند، فإن هناك ملاحظات أيضا على المتـن، ذكرهـا محمـد محمـد حسن شراب فى كتابه (المعالـم الأثيـرة)، وخلاصة ما ذكره ما يلى:

1- فى النشيد رقة وليونة لا تناسب أساليب القول فى الزمن المنسوب النشيد إليه، وربما يكون من أشعار القرن الثالث الهجرى.

2- جاء النشيد على وزن بحر الرمل، وكان يغلب على الأناشيد المرتجلة وقتئذ بحر الرجز.

3- كيف يقول النشيد (جئت شرفت المدينة)، وهى سميت المدينة بعد مقدم رسول الله إليها، واسمها الذى كان معروفا وقتئذ هو (يثرب).

​وأبرز من حقّق قصة هذا النشيد محمد الصادق عرجون (1321 - 1400) فى كتابه القيم (محمد رسول الله) حيث يقول: وهذا النشيد لم نعثر على اسم قائله، ولا وجدناه منسوبا لشاعر صغير أو كبير، بيد أنه شعر مشهور مُذاع على الألسنة وفى بطون الكتب والدواوين.

​ومن غريب أمره أن سيرة ابن إسحاق التى بين أيدي الناس - باختصار وتهذيب عبدالملك بن هشام - وهى العمدة فى أحداث السيرة النبوية، وما يتصل بها من أشعار صحيحة أو منحولة مما بينه الباحثون، وفى طليعتهم ابن هشام - لم تورد هذه الأبيات، لا فى استقبال النبى صلى الله عليه وسلم فى الهجرة، ولا فى استقباله حين عودته من غزوة تبوك.

ولا يغفل الكتاب واحدة من أهم مدارس الإنشاد الديني وهي المدرسة الصوفية، ففيها بحر واسع لهذا الفن العظيم: " مع انتشار الطرق الصوفية فى مصر ازدهر فن المديح والإنشاد الدينى وارتبط بهذه الطرق ارتباطا وثيقا، وقد تعددت الأقوال حول نشأة التصوف، لكنَّ أهل التحقيق مُتفقون على أنَّ التصوُّف نشَأ وترعْرَع فى العراق بالبصرة؛ حيث برَزت أسماء كبرى أسهمَت فى تأسيسه؛ منها: إبراهيم بن أدهم، وداود بن نصير الطائي، ورابعة العدويَّة،ومعروف الكرخي، والسرى السقطي، والجنيد البغدادي،وبشر بن الحارث الحافي، وأبو الحسين أحمد بن محمد بن عبدالصمد النوري، وأبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز، وابن عطاء البغدادي، وابن عثمان المكي، وغيرهم.

وأوَّل من نقَل التكلُّم بلفظ "التصوُّف" فى أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجرى - فقد تكلَّم به غيرُ واحدٍ من الأئمَّة والشيوخ - كأحمد (ت241هـ)، وأبى سليمان الدارانى ت215هـ)، وسفيان الثوري، والحسن البصري، وأوَّلُ مَن عُرِف باسم صوفى فى المجتمع الإسلامي: أبو هاشم الصوفى (150هـ)، وأمَّا صيغة الجمع (الصُّوفية)، فقيلَ: ظَهَرت عام 199هـ.

 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فى أواخر عصر التابعين حدَث ثلاثة أشياء: (الرأي، والكلام، والتصوُّف)، فكان جمهورُ الرأى فى الكوفة، وكان جمهورُ الكلام والتصوُّف فى البصرة، فإنه بعد موت الحسن وابن سيرين، ظهرَ عمرو بنعبيد وواصل بن عطاء، وظهَر أحمد بن على الهجيمى (200هـ)، تلميذ عبدالواحد بن زيد، تلميذ الحسن البصري، وكان له كلامٌ فى القدر، وبنى دويرةً للصُّوفية، وهى أول ما بُنى فى الإسلامِ غير المساجد؛ للالتقاء على الذِّكروالسماع، وصار لهم حالٌ من السَّماع والصوت، وكان أهلا لمدينة أقربَ من هؤلاء فى القولِ والعمل، وأمَّا الشاميون فكان غالبهم مُجاهدين.

ثم يتناول الكتاب الموالد الشعبية باعتبارها منفذا رئيسا للإنشاد الديني: تعد الموالد الشعبية من أكثر العادات حضوراً وبهاءً فى الثقافة الشعبية المصرية، ففيها تتجسد أبرز التقاليد وتكشف الكثير عن ملامح هذا الشعب ذى النزعة الصوفية.

ولا تخلو محافظة أو مدينة أو قرية مصرية من الموالدالشعبية، ووصل عدد الموالد فى مصر، وفقاً لإحصاء حديث صادر عن الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية إلى 2850 مولداً للمسلمين والأقباط، ومن أشهر هذه الموالد حالياً موالد الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والسيدة عائشة فى القاهرة، ومولد أحمد البدوى فى طنطا، وإبراهيم الدسوقى فى مدينة دسوق، ومحمد بن أبى بكر فى ميت دمسيس قرب مدينة أجا (دلتا مصر)، وعبدالرحيم القنائى فى قنا،وأبو الحجاج الأقصرى فى الأقصر (صعيد مصر)، فضلاًعن الاحتفالات ببعض أولياء الإسكندرية وأشهرهم أبوالعباس المرسى وسيدى جابر.

أما الأقباط فيحتفلون بموالد كثيرة للسيدة مريم العذراء والشهيد مارى (القديس) جرجس فى القاهرة وكفر الدّوار، وميت دمسيس، والقديسة دميانة بمحافظة الدقهلية، ومار مينا بالصحراء الغربية.

ويستمر الكتاب في رحلته الممتعة في فن الإنشاد الديني وأشهر رجاله وسيداته ملقيا الضوء على حياة كل منهم وإسهاماته في هذا الفن العميق استحضارا للمعاني السامية التي تتعلق بها الأرواح والناس على اختلاف معتقداتهم ومذاهبهم، وانتماءاتهم. 

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة