آراء

زبيدة والاختفاء القسري

27-2-2018 | 16:36

ومن نكد الدنيا على الفرد أن تكون مصائر البلاد وحال العباد ومصالح الأولاد وملفات الحريات مواد قابلة للقيل والقال و"الهات والخد"، وكل ما قابل للأهواء والأهوال بحسب التوجهات.


ثماني سنوات من الهبد المتصل والرزع المتواصل دفعت بكثيرين إلى التلاعب بالرأي العام، وتوجيه العباد لما فيه مصلحة هؤلاء أو أولئك، كل بحسب "سبوبته" وأجندته ومصالحه ما خفي منها وما ظهر.

وقد ظهر قبل أيام "تحقيق" صحفي في الـ"بي بي سي" تحت عنوان "الظل المخيم على مصر" عن "الكثيرين الذين اعتقلوا وعذبوا أو اختفوا في مصر" منذ انتهى حكم "أول رئيس منتخب أتت به الصناديق" (الرئيس الأسبق محمد مرسي)، وبدأ حكم الرئيس السيسي!

"التحقيق" سرد قصة "زبيدة المختفية قسريًا" والتي قالت والدتها لـ"بي بي سي" إن ابنتها تعرضت للتعذيب والانتهاك الجسدي، وقائمة طويلة من صنوف القهر، وإنها اختفت "قسريًا" منذ ما يزيد على عام.

وقد حذرت الـ"بي بي سي" القراء من أن تحقيقها يحوي تفاصيل تعذيب وعنف جنسي قد يجدها البعض صادمة!

الصدمة الكبرى كانت في ظهور زبيدة مع الإعلامي عمرو أديب لتدحض ما جاء في "تحقيق" الـ"بي بي سي"، مؤكدة أنها ليست مختفية قسريًا؛ بل متزوجة في "قعدة عرب"، وأنها لم تر أمها طيلة الفترة الماضية، وأن والدتها لا تعرف بأمر زواجها أو أنها رزقت بطفل قبل أسبوعين، وأن أحدًا لم يبلغها أنها مختفية قسريًا!

وقالت زبيدة إنها أقامت عشرة أيام هي ووالدتها في اعتصام النهضة الإخواني، لأنها كانت متعاطفة مع الإخوان من أجل إصلاح حال البلد - يشار إلى أن "تحقيق" الـ"بي بي سي" ذكر أن لا زبيدة أو والدتها على علاقة بالجماعة من قريب أو بعيد!

وبعيدًا عن "تحقيق" الـ"بي بي سي" والتحركات التي تتخذها مصر، فإن زبيدة والاختفاء القسري، وغيرها مما يكتب ويبث في الإعلام الغربي، وجانب من الإعلام العربي والإقليمي التابع لدول تناصب مصر العداء بنوعيه العلني المباشر والمبطن المتخفي، يصلح أن يكون دراسة حالة لما لنا وما علينا، وما ينبغي علينا عمله.

العمل الإعلامي والأداء المهني الذي تربينا عليهما في حاجة إلى بعض من الدراسة والتحليل من أجل سن طريقة وخطة للتعامل.

وليس خفيًا على أحد أن مصر تتعرض لحرب إعلامية شرسة على مدى السنوات الأربع الماضية، وسر شراستها أن جانبًا منها يأتي من وسائل إعلامية طالما مثلت لكثيرين قدوة في المهنية ومثالاً في الحياد وتقصي الدقة.

دقة التقارير ومهنية التحقيقات وشفافية الموضوعات الإعلامية لم تعد من الأمور المسلم بها، وما كنا نعتقد إنه عنوان الموضوعية ورمز الشفافية لم يعد كذلك، وبرغم ذلك، فإننا لم نقدم على خطوات استباقية كافية لتوضيح الصورة ومقاومة تشويه السمعة بالدواء المناسب، ومقولة "داويها بالتي كانت هي الداء" ليست من فراغ، وجزء لا يستهان به من الداء سببه إعلامنا ورؤيتنا للمهنية ومنظورنا عن الموضوعية.

موضوع الوطنية التي ينبغي أن يعكسها الإعلام عبر "فرد الملاية" للإعلام المضاد مضى زمنها منذ عهد طويل، وترجمة المقالات التي تدق على أوتار المشاعر وتضرب بقلم من حديد على رؤوس الأحاسيس لا تعني شيئًا للمتلقي في ثقافات مغايرة لثقافتنا.

الحروب الإعلامية الشرسة تحتاج إلى أذرع وأرجل وعقول قادرة على اتخاذ خطوات استباقية واتباع سبل مهنية تتواءم والقرن الـ21 وليس القرن الـ12.

مصر عامرة بالقدرات الإعلامية المواكبة للعصر، والفاهمة لمتطلبات "الشرق الأوسط الكبير" الجاري تحميله في المنطقة ومصر في القلب منه، الوقاية خير من العلاج، والمعلومة الموثقة والتحليل العلمي والتقييم الموضوعي خير من ألف خبير إستراتيجي قدم لتوه من على "القهوة" أو محلل سياسي صنعه مجد "فايسبوكي" افتراضي.

افتراض حسن النية لا يكفي في العمل الإعلامي، على الأقل إن أردنا أن نخاطب العالم، ومؤسساتنا الإعلامية القومية أظهرت أمارات واتخذت خطوات واضحة على طريق إعادة صياغة دور الإعلام المملوك للشعب، ولم يتبق أمامنا إذن سوى دعم هذه المؤسسات بمزيد من الثقة والصقل لتصبح ذراع مصر الإعلامية وعين المصريين "المفتحة والمفنجلة دون تطبيل" أو مزايدة أو استقطاب.

زبيدة واختفاؤها "القسري" وزواجها الميمون ومعلومات والدتها المغلوطة ويقظة الزميل عمرو أديب، وتحرك هيئة الاستعلامات تذكرة مرور نحو المرحلة الأعلى في لعبة الإعلام العاتية، ألا وهي لعبة الإعلام الاستباقي المسلح بالمعلومات والمعضد بالحقائق، والقائم على مصالح البلاد والعباد دون "هري" أو حتى "الهري" الآخر.

"تحقيق" الـ"بي بي سي" ليس إلا نموذجًا لما يحدث في الكثير من وسائل الإعلام الغربية.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

البشر وطريق السويس

أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد

قليل من التدقيق لا يضر

في هذا المكان قبل سبعة أسابيع بالتمام والكمال، كتبت مقالاً عنوانه "إشاعات شائعة"، وبرغم أن الأجواء العنكبوتية والأحاديث الشارعية حينئذ لم تكن قد بلغت ما

سكان يسيرون على أربع

سكان يسيرون على أربع إنهم الكلاب والقطط والدواب

كثرة غثاء السيل

إنجاب الأبناء والبنات سمة من سمات البشرية، وتحديد العدد صفة من صفات العقلاء.

تعدية الشارع

"تعدية الشارع"! عبارة تبدو قصيرة وتقدم نفسها باعتبارها تحصيل حاصل، ليس هذا فقط، بل إن البعض يتعامل معها وكأنها سمة طبيعية من سمات الحياة اليومية، لكن كلا

عن الكرة والشارع والرمز

الغضب والحزن والهري ستستمر أيامًا، ثم ما تلبث أن تذهب إلى حال سبيلها، ولن تعود إلا بحدوث موقف أو موقعة أو حادث مشابه لتعاود عملها بكامل عدتها.

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة