ثقافة وفنون

أحمد فضل شبلول يكتب: "ذكريات شباب" عبد القادر القط

16-2-2018 | 14:58

أحمد فضل شبلول

بعد أن فرغت من قراءة الطبعة الثانية لديوان الدكتور عبد القادر القط "ذكريات شباب"، الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1987، تساءلت بيني وبين نفسي: لماذا يتوقف الشاعر عن الإبداع؟ هل لظروف اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو علمية؟ أم لأسباب نفسية وإبداعية وفنية؟


ولم أعثر على سبب واحد من كل هذه العوامل السابقة تدعو شاعرًا مثل د.عبد القادر القط لأن يتوقف عن حركة الإبداع الشعري بعد عودته من لندن عام 1950، حاملًا لقب دكتور في الأدب عن أطروحته "تصور العرب لمفهوم الشعر في كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري". إذن لماذا توقف هذا الشاعر عن عطائه الشعري، وهو في أوج نضارته وشبابه وعطائه الفني الذي تشي به قصائد هذا الديوان التي بلغت اثنتين وعشرين قصيدة؟

يقول في قصيدة "مثَّال":

قالت: اصنعْ ليَ تمثالا يَردُّ الصخرَ سحرًا

ألقِ فيه من معانيكَ.. وخذْ ما شئتَ أجرًا


قُبلةً من شفتي الحرَّى تُريك الليلَ فجرًا

أو عناقًا أرتمي فيه على صدرك سَكرَى

أنتَ كلُّ الناسِ إن هيَّأتَ لي في الناسِ ذكرًا


على أننا عندما نقرأ قصائد "ذكريات شباب" ينبغي لنا أن نضعها في سياقها التاريخي وظرفها الإبداعي الرومانسي الذي كانت تمر به القصيدة العربية في بداية الأربعينيات من القرن السابق، وعلى وجه الدقة 1941 - 1943 وهي فترة كتابة هذه المجموعة من القصائد، كما تشير بذلك مقدمة الشاعر، وهذا لا يتعارض مطلقًا مع موقف د.عبدالقادر القط من الشعر الجديد وترحيبه به في بداية حركته، ومن هنا تأتي أهمية مقدمة الديوان التي كتبها الشاعر عبد القادر القط بحس الناقد الأكاديمي وذوق الفنان، وسعة العالم، وأفق وإطلاع المثقف الأديب.

ولا أكون مبالغًا إذا قلت إن مقدمة الديوان لا تقل أهمية عن قصائد الديوان نفسه. وأعتقد أنها من المقدمات النادرة لدواوين شعرنا العربي قديمه وحديثه، ففيها ينسلخ الناقد عن الشاعر، فيكتب الناقد القط بقلمه الواعي الدقيق المؤرخ المحلِّل عن الشاعر القط المحلِّق المجنِّح المهوِّم في سماء الشعر. ومن هنا جاءت صعوبة دور الشاعر الراحل سعد درويش الذي كتب تقديمًا للطبعة الثانية من هذا الديوان.

وقد تساءل سعد درويش التساؤل نفسه الذي رددته بيني وبين نفسي: لماذا ترك عبد القادر القط الشعر بعد أن أعلنت بداياته ميلاد شاعر كبير موهوب؟ ويجيب درويش قائلًا: لقد سئل د.القط في برنامج إذاعي عما كان يفعل لو فرض أن حياته الأدبية بدأت من جديد، فقال: كنت أعطي الشعر اهتمامًا أكبر، ثم يضيف درويش: نفهم من هذا أن عبد القادر القط الأكاديمي الباحث الناقد، يدرك أنه لم ينصف عبدالقادر الشاعر الفنان.

يقول في قصيدة "حلم يقظة":

ذهب النهرُ .. فكوني أنتِ نهري

إن حبي لم يزل غضًا جديدًا

كحياةِ العُود في الأعماق تسري

والشتاءُ الجهم لم يتركه عودًا

***

نحن نبعان حبيسا صخرةٍ

من تقاليد السنين الغابرات

فلنذُدْها ولنفِضُ في ربوةٍ

رحبة الآفاق من ماض وآتْ

***

تطلع الشمسُ علينا في عناقْ

وتغيب الشمس عنا في سِرار

ليلُنا نحو أمانينا سباق

ولمأوانا ومغفانا النهار.. إلخ


تُرى أي قمة من قمم الشعر كان سيرتقيها الشاعر عبد القادر القط لو استمر في مسيرة الإبداع الشعري؟ وأيُّ خسارة خسرتها الساحة الشعرية العربية بتوقف عبد القادر القط عن المسيرة الإبداعية؟

إن هناك من حاول أن يجمع بين الاثنتين: المهمة النقدية الأكاديمية، والمهمة الإبداعية، مثل: د.عز الدين إسماعيل، د.محمد زكي العشماوي، د.محمد أحمد العزب، د.فوزي عيسى، وغيرهم، فلماذا لم يحاول د.القط الجمع بينهما، واكتفى فقط بالمهمة النقدية الأكاديمية، ورئاسة تحرير بعض المجلات الثقافية والأدبية مثل الشعر والمسرح والمجلة وإبداع.

هذه بعض الخواطر التي يثيرها توقف شاعر مثل د.عبدالقادر القط عن كتابة الشعر، والذي لجأ في السنوات الأخيرة قبل رحيله إلى الكتابة عن الدراما التلفزيونية، أو المسلسلات التلفزيونية التي يعرضها التلفزيون المصري، والتي رأى أنها ديوان العرب الجديد.
د. عبدالقادر القط في سطور: عبدالقادر حسن القط، من مواليد الدقهلية عام 1916، تخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1938، نال درجة الدكتوراه من جامعة لندن عام 1950.

عمل أمينًا بمكتبة جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) 1939 - 1945، ثم عضوًا بهيئة التدريس بكلية الآداب جامعة إبراهيم (عين شمس حاليًا) من عام 1950 وتدرج في الوظائف الجامعية حتى رئيس قسم اللغة العربية 1961 - 1972 وعين عميدًا لكلية الآداب 1972 – 1973.


عمل مدرسا في جامعة بني غازي بليبيا، ثم أعير إلى جامعة بيروت العربية 1974 - 1979 وظل يعمل أستاذًا متفرغًا بكلية الآداب جامعة عين شمس وحتى وفاته. أشرف على مئات الرسائل الجامعية بين مناقشة واستشارة وإشراف علمي.

رأس تحرير مجلات: "الشعر" 1964 - 1965 والمسرح 1967 - 1968 والمجلة 1970 - 1973 وإبداع 1983 – 1991. وكان عضوًا في مجلس إدارة جمعية الأدباء، والجمعية الأدبية المصرية، واتحاد كتاب مصر، والمجلس الأعلى للثقافة.

حصل على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، وجائزة الملك فيصل العالمية 1980 وجائزة الدولة التقديرية في الآداب 1984 وجائزة مبارك في الآداب هذا العام 2002.
دعاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للعمل في مكتبه، فاعتذر له. ومن مؤلفاته: "تصور العرب لمفهوم الشعر في كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري" (وهو موضوع رسالة الدكتوراه)، "قضايا ومواقف"، "في الأدب المصري المعاصر"، "في الأدب العربي الحديث"، "في الشعر الإسلامي والأموي"، "الاتجاه الوجداني في الشعر المعاصر"، "الكلمة والصورة"، و"أربعون ربيعًا".

ترجم عددا من الأعمال المسرحية والقصصية والروائية لشكسبير، وتنيسي وليامز وريتشارد سون، وثورنتون، وبوشكين، وغيرهم. له ديوان شعر مطبوع بعنوان "ذكريات شباب"، صدرت طبعته الأولى عام 1958 وطبعته الثانية عام 1987 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.


ذكريات شباب عبدالقادر القط

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة