ثقافة وفنون

د.عايدي علي جمعة يكتب: رواية الخيميائي والإنصات لروح الكون

14-2-2018 | 11:35

عايدي علي جمعة

تعد رواية "الخيميائي" لباولو كويلو رواية ذات حضور لافت في الأدب الحديث، وقد حققت نجاحات ليس من السهل تحقيقها بسهولة، سواء على مستوى مبيعاتها أم على مستوى كثرة الترجمات عبر اللغات، كما أن النقاد يرون فيها عملًا لافتًا، والقراء أيضًا.


ويرجع سر أهمية هذه الرواية إلى قدرتها الفائقة على الإنصات لروح الكون، ومحاولة الإنسان الدءوب لتحقيق أسطورته الشخصية.

ومن هنا، فقد كان لروح المغامرة والحب والنجاح والفشل والصعود والهبوط قدرة فائقة على جذب المتلقي لمتابعة القراءة، وكأن هذه الرواية عمل الروح الخلاق.

ومما يلفت النظر بقوة في هذه الرواية لغتها المحملة بكنوز الحكمة، التي تملك قدرة التغيير في حياة الإنسان ومسيرته، وتعد أهم جملة محملة بكنز الحكمة ذي البريق الفذ هي "إذا أردت شيئًا بصدق فإن كل الكون يقف إلى جانبك من أجل تحقيقه".

وهذا يعني أن كل إنسان مخلوق وفق غاية محددة لهذا الكون، وإذا أراد هذا الإنسان أن يحقق أسطورته الشخصية فإنه بذلك يتواءم مع روح الكون، وهنا يقف الكون كله معه من أجل تحقيق غايته.

ومن هنا، فإن هذه الرواية تمتلك قدرة فائقة على كشف مناطق الحماس من أجل تحقيق الهدف داخل كل إنسان، والقارئ لها يلمس هذه الحالة بوضوح، ويرى نفسه كائنًا مليئًا بالكفاح والطموح، ويرى الكون كله مليئًا بالروح الكلية المبثوثة فيه، وكل إشارة وكل حركة وكل كائن كل ذلك ما هو إلا تجل من تجليات قدرة هذه الروح الكلية.

ومن بديع هذه الرواية اكتشافها للغة العالم، حيث يستطيع الإنسان - إذا أجاد الإصغاء- أن يكتشف أن لكائنات هذا العالم المختلفة لغة واحدة لا يفهمها إلا من يجيد الإصغاء بصدق إلى همساتها.

كما أن تيمة الرحلة من أجل الكنز تتجاوب مع التراث العربي ذي الحضور اللافت في "ألف ليلة وليلة"، وقد امتدت الرحلة عبر مسافات طويلة وتضحيات مؤلمة وسرقت نقود الشخصية المحورية في الرواية وهي شخصية سانتياجو أكثر من مرة، ولكنه لم يعدم في النهاية إرادته من أجل تحقيق أسطورته الشخصية.

كما أن لقاءه بالخيميائي الذي يعرف الكثير من أسرار الكون الخالدة يحمل حضورًا لافتًا في هذه الرواية، ووقوعه في يد محاربي الصحراء، وحديثه مع الريح والشمس ثم حديثه إلى صاحب اليد التي كتبت أقدار العالم يجعل الكون مليئًا بالروح ويحرر الإنسان من محدودية قدراته.

ومن هنا، فقد كان للأمور الخفية دورها الواضح في هذه الرواية، وتجاوبت مع الجانب الخفي في الإنسان الذي يشعر به شعورًا قويًا، ولكنه لا يعرفه معرفة يقينية حقيقية، مثل جانب النبوءة.

كما نجد فيها الفضاء المكاني ذا اتساع باهر من إسبانيا إلى مصر، وكان للصحراء وجود متسع جدًا في الرواية، والشخصيات كانت لها جاذبيتها الفاتنة، وقد حظيت الشخصية العربية المسلمة باحترام بالغ في هذه الرواية، كما بدا الدين الإسلامي ذا إشراق منير على الرغم من أن كاتب هذه الرواية لم يكن مسلمًا.

تتحدث الرواية عن حلم متكرر تراه الشخصية المحورية، وهي سانتياجو الراعي عن وجود كنز في منطقة أهرامات الجيزة بمصر، فيبيع قطيعه وينطلق عبر المضيق من إسبانيا إلى إفريقيا، ولكن نقوده تسرق منه في طنجة، فيضطر إلى العمل لمدة عام كامل في محل كاسد ومنعزل، ولكنه بجهده وذكائه يكسب الكثير من المال مما يعينه على تكملة الرحلة إلى الأهرامات في مصر، فيسافر عبر الصحراء ويلقى مغامرات رهيبة، حتى يصل إلى الفيوم، ويلتقي فاطمة ذات العينين الواسعتين ويقع في حبها وتبادله حبًا بحب، كما يلتقي الخيميائي، وهي الشخصية المحورية الثانية في الرواية، بل لا تقل أهمية عن الشخصية المحورية الأولى، وهي شخصية تعرف الكثير من أسرار الكون، وتجيد الإصغاء لإشاراته وحديث روحه، وقد افتن الراوي في رسم ملامحها فبدت مليئة بالحياة والحركة نابضة بروح الحياة الدافق، وقد تجاوز المائتي عام، ولديه القدرة على تحويل المعادن إلى ذهب، لأنه يملك حجر الفلاسفة، ومن ثم فإن الراعي سانتياجو يصبح تلميذًا له.

وقد بدت الرواية سابحة في جو من الزمن الماضي، وكان انتماؤها إلى ما يسمى بالأدب الطبيعي ذا إسهام واضح في تكريس ملامح هذا الجو. حيث بدت سمات الطبيعة في الكثير من ملامح الرواية مثل قطيع الأغنام والرحلة على ظهور الجمال، والريح التي يتردد صداها في جنبات الكون، وجلب المياه من الآبار، والقتال بالسيوف وغير ذلك.

ومن هنا، فإن هذه الرواية تعد من ملامح الأدب العالمي الحديث بما تملكه من قدرة فائقة على جعل قارئها يكتشف الكثير من الطاقة الخلاقة بداخله، وقدرتها الفائقة على لفت نظره إلى حسن الإصغاء لهمسات هذا الكون والتهيؤ الكامل لالتقاط إشاراته.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة