ثقافة وفنون

د.مصطفى الضبع يكتب: دفتر أحوال الجامعة المصرية (12).. السرقات العلمية (1)

29-1-2018 | 17:19

د.مصطفى الضبع

في ظاهرة تتفاقم مع الوقت لم يعد خافيا تحول أخبار الجامعة من صفحات الأخبار والبحث العلمي وخدمة المجتمع إلى صفحات الحوادث، وأصبح من الطبيعي تداول الدوريات والندوات ووكالات الأنباء وقاعات المحاكم وقائع مؤسفة مسيئة إلى الجامعة وإلى كل المنتسبين إليها، وهو ما يدعو إلى وقفة صارمة لتدارك ما لا يليق بالجامعة ولا بالأطراف المشاركة في أي واقعة من وقائع السرقة، وتحقيقًا للموضوعية، يمكننا الوقوف على مجموعة الأطراف المشاركة تبيانًا لجوانب القضية، وتوضيحًا لمسئولية كل طرف:


- الباحث السارق: ربما كان وصف "المريض" تسويغًا أو قبولًا لفعله، ولكنه شخص لم يتورع عن ارتكاب مجموعة جرائم: الاعتداء على حقوق الغير، انتهاك القانون، الإخلال بالأمانة والشرف، الإساءة إلى الجامعة ومنتسبيها، وليس مسوغًا له الضعف العلمي أو افتقاده القدوة الاجتماعية أو غيرها من الأعذار المصطنعة التي يسوقها هو أو غيره ممن يقبلون جريمته.

- الناشر: دار النشر(حال نشر الكتاب)، المجلة العلمية (حال نشر بحث علمي). تبدو الأولى ليست مسؤولة ظاهريًا، إذ تتجه الأعراف إلى تحميل المسئولية كاملة للمؤلف السارق ولكنها شريكة بالتغاضي عن التدقيق أو أخذ الاحتياطات الكافية لتبرئة ساحتها (يمكنها إدراج بند في التعاقد مع المؤلف بأحقيتها في مقاضاته إذا اتضح لاحقًا ارتكابه جرم السطو أو إخلاله بشروط الأمانة العلمية، فيما تتحمل الثانية (المجلة العلمية المحكمة) المسئولية الكبرى، فمن غير المفهوم أن السرقات لا تكتشف إلا بنشر البحث المسروق، والنشر يعني مروره بمرحلة تكون بمثابة المصفاة، أعني مرحلة التحكيم وفيها يمر على لجنة علمية (أساتذة أصحاب خبرات هم هيئة تحرير المجلة) تختار اثنين أو ثلاثة من الأساتذة (أيضًا من أصحاب الخبرات ومن المتخصصين في مجال موضوع البحث)، وهيئة تحرير المجلة إذا برئت من التدليس (نشرها لبحث مسروق كليًا أو جزئيا مع معرفتها بالسرقة) فإنها لا تبرأ من الإهمال أو التهاون في التدقيق أو من إغفالها الأخذ بأسباب العلم حيث توفر التكنولوجيا الكثير من البرامج القادرة على كشف الانتحال.

- اللجنة العلمية: من المنطقي أن تكون اللجنة العلمية السد المنيع و"الفلتر" المنقي لاكتشاف السرقة، فهي الخطوة الثانية التي يُقرأ فيها النص، وما يحدث أن يكتشف أحد المحكمين (من لجنة القراءة الثلاثية) السرقة ويرفع تقريرًا للجنة. في الأحوال الطبيعية ترفع اللجنة الأمر للجهة الأعلى (التي ينتمي إليها السارق)، وفي الأحوال غير الطبيعية تلتزم اللجنة الصمت دون معرفة الأسباب.

- الجامعة: سواء كانت جامعة ينتمي إليها المؤلف الأصلي (معظم الحالات لم تتحرك الجامعة لحماية حقوق أبنائها) أو الجامعة التي ينتمي إليها السارق، فهي ترتكب الجرم الأكبر بالتزامها الصمت أو التستر أو التدليس (قليلة هي الجامعات – حد الندرة – التي اتخذت موقفًا قانونيًا أو أخلاقيًا تجاه باحثين أخلوا بقوانين الأمانة العلمية، فالقوانين واضحة، تنص المادة 110 من قانون تنظيم الجامعات: "وكل فعل يزرى بشرف عضو هيئة التدريس أو من شأنه أن يمس نزاهته أو فيه مخالفة لنص المادة (103) يكون جزاؤه العزل".

تنص المادة 103 على: "لا يجوز لأعضاء هيئة التدريس إعطاء دروس خصوصية بمقابل أو بغير مقابل"، وعلى الرغم من أن نص القانون واضح في عزل من يعطي دروسًا خصوصية، فإن الجامعات لا تطبق ذلك في مثل ما تنص عليه المادة أولًا، ولا تطبق على السارقين ثانيًا (ومن يعرف واقعة فصلت الجامعة فيها أحد الذين أدانهم القضاء بالسرقة فليخبرنا وله الأجر والثواب؟!

وهو ما يعني صراحة كون الجامعة مقبرة القانون، فكثير من وقائع السرقة تموت بالسكتة القلبية في أدراج الجامعة (يمكنكم مراجعة ما نشر في أخبار الأدب تحت عنوان "سطو مع مرتبة الشرف" بتاريخ السابع من أغسطس 2015 حول سرقة كتاب الدكتور صابر عبد الدايم وتوجهه بشكوى لجامعتين لم تعيرا الأمر اهتمامًا!

- القضاء: الوصول للقضاء معناه أن الطرف السادس قد تحرك للحفاظ على حقوقه، وهو ما يعني غالبًا أنه لم يجد من ينصفه من الجهات السابقة لذا يتعلق بأمل القضاء، ويظل القضاء هو الطرف الأقوى إذ يحكم في كل القضايا المحالة إليه تطبيقا لقوانين ربما كنا في حاجة إلى تعديلها لتشديد العقوبات في مثل هذه القضايا.

- الباحث أو المؤلف المسطو عليه: في ظل تخلي الجامعة عن مسئوليتها في الحفاظ على الأعراف والتقاليد الجامعية، وفي ظل سريان ثقافة التبرير، في ظل ذلك كله يكون الباحث المسروق هو المتضرر الوحيد، وهو ممثل لمجتمع ارتكب السارق ضده جريمة لها شقها المدني، فإذا كان المجتمع يقتص من القاتل (والقاتل لا يبلغ بنفسه عن قاتله) فمن باب أولى أن يقتص المجتمع من السارق وإن لم يلجأ المسروق منه للقضاء، وهو ما يمثل حافزًا للجميع للوقوف في وجه هؤلاء.

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة