ثقافة وفنون

د.عادل بدر يكتب: مفهوم النص وتجاوز الأنواع الشعرية والفنية

18-1-2018 | 20:32

عادل بدر

شهد الأدب العربي عدة تحولات مهمة منذ نهاية النصف الأول من القرن العشرين، على صعيد بنية أشكاله وأجناسه ومحدداتها الجمالية والفنية والموضوعية. فإلى جانب استزراع أنواع أدبية جديدة، شهدت نهاية الأربعينيات ظهور الشكل الجديد للشعر العربي الذي سمي بالشعر الحر أو شعر التفعيلة على أيدي الملائكة والسياب في العراق.


وهي الجهود التي تعمقت وتجذرت بفضل إسهامات صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي في مصر في نهاية الأربعينيات، وهو ما مثل صدمة غير هينة التأثير لدى المتذوق والناقد التقليديين على السواء، وكذلك الكثير من المتلقين.

ثم ظهر التطور الأخطر، وهو قصيدة النثر، أثناء الخمسينيات من القرن الماضي، لكن لم يظهر في مصر إلا على يد جيل السبعينيات، ومن الممكن أن نطلق على قصيدة النثر (النص عابر النوع)، وقد يعني هذا اندماج أنواع، أو أشكال من عدة أنواع، أو تحوّرها بما ينتج أنواعًا جديدة، وهذا منطقي وطبيعي، فالاتجاهات الجديدة تثير قضية النوع أو التجنيس، وهذا ليس مقصورًا على الشعر، بل يظهر في الرواية، وأكثر في فن القصة القصيرة، مما يصعب معها التعامل بالمعايير التقليدية.

والمتابع للأدب يجد أن الأنواع الأدبية ليست ثابتة الأركان، ولا مطلقة الوجود. بل كيانات متحركة متحولة، أبدًا، بما يجعل من انقراض أنواع وتولد أخرى جديدة وتحولها أمرًا طبيعيًا، كما سبق القول، بل يكاد يمثل قانون وجود هذه الأنواع ذاتها، من حيث أن الفن بطبيعته تجاوز دائم بصفته إبداعًا وخلقا متجددًا، والحدود بين هذه الأنواع في حالة حركة دائمة، وهو ما يمنع نظرية الأنواع الأدبية من أن تحتل مكانا مهما في الدراسات الأدبية المعاصرة، كما ناقشنا في بداية الفصل أراء "رينيه ويليك"، ووصولنا إلى نتيجة مفاداها استعصاء النوع على الاستقرار تحت مصطلح محدد. فالجنس ليس إلا وجهًا خاصًا للشكل. وتستدعي كلمة الشكل عناصر تعريف خاصة: هي السمات الجنسية، وتثير امتدادات: سنتحدث عن (طبقات جنسية) لا يمكنها أن تندمج مع مفهوم الجنس أخيرًا، لايمكن التفكير بالجنس خارج السلسلة أو المجموعة التي نسميها (منظومة) الأجناس، في أدب وعصر معينين.

يمكننا أن نتمرد ضد المقاربات الأولى هذه، ونقرر أن الشكل يحيل إلى إجراءات تنظم الكتابة وتحددها، وتكون مُقنّنة، وثابتة مثل تقاليد النظم، والمجموعات المقطعية الشعرية والعروضية، والتقسيم إلى فصول
ينزع البعد الشعري لنص ما إذن إلى إزالة الجنسانية ونفيها، هذه الجنسانية التي يبدو أن النص يحييها. على العكس من ذلك، يستطيع نص أن يستعير من نص آخر عناصر جنسية، وبالتأكيد، موضوعاتية.

وبعد، فإن مفهوم النص في القصيدة الجديدة يتجاوز حدود الأجناس الشعرية والأدبية والفنية، حيث تتضام أجناسها تحت عباءة القصيدة، فهي ليست منغلقة على ذاتها، أي ليست مشكّلة من جنس واحد صافٍ مغلق على نفسه، بل هي نص مفتوح على فضاءات أجناسية مختلفة، فهو نص مفتوح على الشعر الدرامي والملحمي، وهو مفتوح على النثر يستفيد ويتلاقح مع التراث بأشكاله جميعها، ويتوالد النص من بنيات نصوص أخرى في جدلية تتراوح بين هدم وبناء وتعارض وتداخل، وتوافق وتخالف، إلى أن يتم تشكيل بنية القصيدة.

ويذهب ألبيريس إلى أن الفرق بين الشعر والنثر كان شكليًا في البداية من خلال الوزن واللغة ذاتها بحيث أن الشعر يعبر عما يستطيعه النثر ويختلف عنه في الطريقة، ثم أصبح الفرق أكثر من استخدام خاص للغة والتزام بالوزن، ذلك أن الشعر الحديث يهدف إلى التعبير عما يعجز النثر عنه. "إنه يتطلع في الواقع إلى ما لا يمكن تحديده لا إلى الأفكار والمفاهيم والعواطف الاعتيادية التي حددها منطقنا". من هنا فالشعر هو "المخاطرة بالتعبير بواسطة اللغة البشرية عن انفعال أو حقيقة لم تخلق اللغة النثرية للتعبير عنهما".

إنَّ الأنواع الأدبية تتوالد، وتتحول، تولد، وتموت، مادامت المضامين الاجتماعية ليست أزلية، وما دامت سنتها التحول، والتطور، بل لأنَّها كذلك، فإنَّ تعيينات النوع الأدبي تظلُّ محكومة لقوانين النوع التي تمثِّل علاقة هذه التعيينات بوصفها عناصر جمالية بضرورتها التاريخية.‏

إنَّ تعيين النوع الأدبي هو عملية بشقين: جمالي وتاريخي، والشق الجمالي يخضع للشرط التاريخي، وتاريخية الشيء والنوع هي وجوده المؤقت في أبعاده في إيقاع التأثير على جماليات النوع الأدبي والذائقة الإنسانية والذات المبدعة، التي ترثه.‏ فالمبدأ في تطور الأنواع الأدبية، من حيث نشأة النوع الأدبي وتطوره أو تلاشيه في نوع أدبي آخر، أو انقراضه، هو أن كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع تجسد علاقتها الجمالية بالعالم في أنواع أدبية بعينها، تلائم فهم البشر لطبيعة عالمهم الطبيعي والاجتماعي.

ولا تخفى أهمية الأجناس والأنواع لأن المبدع ينطلق من تصور عام للنص يكتب بصورة أو بأخرى تحت جنس أو نوع محدد. و"على الدرس الأدبي أن يسعى إلى تحديد جنسية النص أونوعيته، مهما حاول الكاتب اعتماد مبدأ النص المفتوح قاعدة لإبداعه، ولذا فإن أي نص، كيفما كان جنسه، هو نص مفتوح، لكن انفتاح أي نص لا يعني عدم انغلاقه على جنس أو نوع أو نمط محدد. فالطوابع المهيمنة في النص تمكننا من تلمس انتمائه الجنسي أو النوعي مهما بدا لنا ذلك مستحيلًا أو شبه مستحيل، إلا في حالات نادرة جدًا".

والاكتفاء بإعلان (انفتاح النص) وهو سمة جوهرية في أي نص، فقد يعوق انتباهنا إلى أهمية وضرورة الكشف عن النوع في النص، ويحول دون تطور الدراسة السردية وهي ترمي إلى متابعة كل ما يتصل بالسرد من مختلف جوانبه وفي كافة قضاياه ومكوناته.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة