بعد أن يحكي خليل صويلح في كتابه "ضدّ المكتبة" عن مكتبته الخشبية من خشب الزان، وتخليه عنها بسبب تنقلاته أيام الشباب من بيت مستأجر إلى آخر، سوف يحكي عن مكتبة بورخيس وإيكو ومكتبة "قوة الكلمات" التي جمعها سائق شاحنة كولومبي من القمامة لتكون مكتبة عامة ومجانية.
موضوعات مقترحة
ورو اية "المكتبة الافتراضية" لزوران جيفكو فيتش التي تتضمن مكتبة الجحيم، حيث تكون عقوبة من لم يقرأ في حياته هي القراءة إلى الأبد، ليدخل مباشرة في مقاصد كتابه المختلفة، كالاحتفاء بالكتب التي تركت أثرًا جيدًا لدى ذائقته القارئة، متحرّرًا شيئًا فشيئًا من فخّ عنوانه، ليشكّل بانوراما مختارة من كتاباته في الصحف وربما من بعض رواياته، ومن شذرات وعبارات وجمل له وللكتاب الآخرين عن الكتب والكتابة، تدور في معظمها حول المكتبة، وحول تقنيات الكتابة وهمومها، ومقارنات بين حال الكتاب في الدول المتحضرة وحاله في الدول العربية، أو بين حال الكتاب الأجانب والكتاب العرب، وما يفضي إليه ذلك من سخرية مريرة.
ربما من المعروف لدينا أنّ مقالات خليل الصحفية تمتاز – عادة- بلغة مشغول عليها أدبيًا، إلا أنها في هذا الكتاب، إضافة إلى ميزتها الأدبية، تمتاز بالدقة والكثافة، ربما لأنه معاد صياغتها لتركّز على ما هو أساسي فيما ينبغي قوله، وربما لأنّ تركيزها قد ورد في مصدرها السابق مقالًا أو رواية، وربما لأنّ معظمها قد كُتب في هذا الكتاب لأوّل مرة، وربما تبدو الشذرات ذات أهمية نسبية بين قارئ وآخرإذا ما أخذت منفردة، إلا أنّ ألقها سوف يزداد في مواضعها من الكتاب لتمنحه إيقاعًا رشيقًا بعد سردٍ قد يكون شاقًّا، لاسيما على القارئ العادي.
ومع أنّ الكتاب مؤلّف "للامتاع والمؤانسة"، كما ينبغي على كلّ الكتب أن تكون، لكنّ متعته تكمن في خبرة مؤلفه الواسعة وكرمه في تقديم ما هو مهم ومفيد من تجارب أبرز الكتاب بمختلف لغاتهم وتعدّد آرائهم حول عناوين الروايات والجملة الأولى في الرواية وضرورة الحذف وعدم الترهل والمرجعيات النصية وإشكاليات الترجمة.
وربما هو يبدي اهتمامًا خاصًا بالرواية والروائيين؛ كونه روائيًا بالدرجة الأولى، إلا أنّ هذا لم يمنع من قراءته لعدد من الشعراء العرب مركّزًا على بلاغة أنسي الحاج وعلى الموسيقى لدى محمود درويش وعلى الشفوية لدى سعدي يوسف.
بينما تحدّث عن كتاب "حيونة الإنسان" لممدوح عدوان بفعل التجهيل والاستبداد، وندم كلاشنكوف على اختراع بندقيته، وعلمانية برتراند راسل وجورج طرابيشي، ومواجع الحبّ في القرون الوسطى الأوروبية ومثيلاتها الحالية لدى العرب، وغير ذلك الكثير الكثير من الكتب والمواضيع، بحيث يشكّل كتاب "ضدّ المكتبة" لوحده مكتبة فريدة ولا عنى عنها.
وربما أطرف ما قرأته في هذا الكتاب – كوني أقرأ هذه الطرافة لأول مرة - كان ما جاء في كتاب سعيد بنكراد "مسالك المعنى" عن لعبة كرة القدم باعتبارها "حالة ثقافية فريدة تنوس بين إستراتيجية الحرب وإحالاتها المتعدّدة على العدوانية والاقتتال والنصر، أو الهزيمة، كما تحيل إلى عوالم الأنوثة والذكورة بدلالاتهما الجنسية.
أما فيما يتعلّق بالارتواء أو حالات الكبت، فالأمر يحدّده الهدف، أي الارتقاء الانفعالي التصاعدي من حالة بدئية تمثل حالات المراودة والتنقل في جغرافيا الملعب تمهيدًا للوصول إلى أقصى حالات الانتشاء من طريق إحراز الهدف".
وربما يكون المحمول المعرفي للإمتاع من خلال الحديث عن كرة القدم على هذا النحو، كافيًا للدلالة على مشاغل الكتاب المعرفية وسبلها بمختلف المجالات الأخرى.
ربما صار من النافل الإشادة بأهمية كتاب "ضدّ المكتبة" للقارئ العادي، وأهميته المرجعية للقارئ الناقد، بل أنصح بوضعه كدليل لا غنى عنه، في مقدمة أية مكتبة خاصة أو عامة، وربما يكون دليلًا للكتاب الجدد حتى يتعرّفوا على عناوين الطرق الوعرة والممتعة في وعورتها كطرق الجبال إلى الينابيع أو الصحاري إلى الواحات للوصول إلى إمكانية كتابة مبدعة ومتحرّرة كهذه التي يكتبها الأديب السوري خليل صويلح.
