آراء

فم الجماهير.. فك في الأرض.. وفك في السماء!!

9-1-2018 | 00:04

«لماذا يقشعر الملوك والحكام من الهتافات والمظاهرات؛ من هذا الصوت العريض المكتسح الذي يتصاعد من حنجرة خرافية مكونة من آلاف الحناجر، الصوت الذي يهدر به فم واسع؟ وأوسع فم، فم الجماهير حين تفتحه ويصبح لها فك في السماء، وفك في الأرض، وتهدد بابتلاع كل ما بين الأرض والسماء.


هم يقشعرون؛ لأن هتاف الجماهير ليس مجرد تعبير عن سخط، ولا عن ضيق من حاكم أو شخص، إنه حكم، حكم باتر ساحق لا راد له، يصل إلى الملوك حتى في مخادعها، وإلى الحكام ولو كانوا في أبراج محصنة؛ فيرتعد له الملك ويقشعر له الحاكم، إذ لحظتها يتبدد على الفور ظلام المداهنين والمتملقين ويدرك كل منهم أن حكمًا قد صدر عليه، وإنه قد أدين، وأنه لأول مرة يسمع الحقيقة، يسمعها من فم هادر عريض لا يعرف سوى قول الحقيقة، لحظتها يدرك - مهما اعتقد بينه وبين نفسه أنه بريء - أن حكمًا أبديًا قد صدر عليه، حكم لفرط قوته وصلابته وصراحته يجعله يشك حتى في براءة نفسه.....»

كلما أرى مظاهرة من المظاهرات يظهر لي قلم الكاتب العظيم يوسف إدريس.. وتتراءى لي هذه الصورة التي رسمها بلغة الأعماق البعيدة.. لتأثير الصوت الجماعي الهادر من الكتل الجماهيرية الثائرة؛ وهي تطالب بحقوقها الحياتية المشروعة، بعد أن عجزت الوسائل الإعلامية التقليدية عن إيصال صوتها للسلطات الحاكمة هنا وهناك.. لسبب قهري أو لآخر، وما أكثر الأسباب، ومعظمها أوهن من خيوط العنكبوت.. الأمر الذي يفسح الطريق للفعل الثوري والصوت الجماهيري..

ويصف يوسف إدريس في رائعته (البيضاء) صوت الكتل البشرية بثورتها الجماهيرية وتأثيرها الجماعي، مسترجعًا من ذاكرة بطل الرواية الدكتور يحيى ما كان يفعله وهو طالب ثائر «لست في نظرهم سوى جزء لا يتجزأ من الإدارة، ومن الخصم والقرارات التعسفية، أنا رمز كالأتوبيسات التي كنا نحرقها حين نتظاهر ونحن طلبة، ما كان هناك عداء بيننا وبين شركة الأتوبيسات، ولكن كنا نحرق فيها الظلم والحكومات الخائنة وأعداء الشعب، وليس بيني وبين هؤلاء العمال عداء، ولكنهم قد يقتلونني ويقتلون في شخصي الظلم والظالمين».

ويسرد الحركة العمالية المتظلمة لحظة أن سمع بغتة دوي الهتافات ضده، تطالب بسقوط طبيب الورش، ويشبهها برعد هائل «أعنف وأبشع وأقوى رعد يردد ويقول: يسقط طبيب الورش، وتكهرب شيء في نفسي، وكأنما صعقته الشحنة الهائلة التي ولدها الرعد».. وتجيبه هذه الصاعقة عن سؤاله الذي كان يؤرقه..

المفارقة التي تثير ألف علامة تعجب واستنكار أن أصحاب القرار السياسي لا يلتفتون إلى نبض أصحاب الأقلام والمبدعين الكبار، وهم يشعلون مصابيح التنوير ويوقدون مشاعل التثوير، ويطرحون مسببات التطوير أمام من يهمهم حيوات الناس.. أو يفترض ذلك..

لو يقرأون لهم..
لو يستمعون إليهم..
لو يدركون عمق أفكارهم..
لو يأخذون أعمالهم مأخذ الجدية..
لو.. لو.. لو..

يا رجال السياسة انتبهوا.. الثقافة أسبق من السياسة....!!!

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د.مجدي العفيفي يكتب: ولا تزال البقية تتجلى عليها..!

اغتصبتها الدنيا كثيرا.. فكانت تقاوم بشق النفس.. راودتها الأيام عن نفسها.. فكانت تستجيب إلا قليلا.. تقاذفتها الأيام على أمواجها..

د. مجدي العفيفي يكتب: نفحات من نار .. ولفحات من نور..!

يحكى أن أهل قرية ذهبوا لصلاة الفجر ولم يعثروا على المؤذن، فأذن أحدهم وقاموا وصلوا وبعد بزوغ الشمس أتى المؤذن مهرولًا نحو المسجد وعندما سألوه عن سبب التأخر

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (3 - 3)

و... في هذه المسافة بين نقد الذات وجلد الذات يتحرك دائما فريقان متضادان، لا يجتمعان ولا يتقابلان، لكن لابد منهما معا، كواحدة من الثنائيات المتعارضة في الحياة وطبيعتها التي تحير ذوي الألباب.

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (2 - 3)

مزعجة إلى حد التقزز الفكري.. ومثيرة إلى حد الغثيان النفسي.. تلك البوستات والكتابات المنتشرة على العديد من صفحات ومواقع الميديا من فيس بوك، وتويتر، وواتس

د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة