ثقافة وفنون

"بوابة الأهرام" تنشر فصلا من كتاب "كيرياليسون.. في محبة الأقباط" للكاتب حمدي رزق

8-1-2018 | 15:59

حمدي رزق وكتابه "كيرياليسون"

تنشر "بوابة الأهرام" بتصرف فصلًا منيرًا من فصول الوحدة الوطنية التي تنعم بها المحروسة، من أول كتاب يصدر في السنة الجديدة معبرًا عن محبة خاصة تجمع بين فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وقداسة البابا تواضروس الثاني بطريرك الكرازة المرقسية.

الكاتب الصحفي حمدي رزق يسجل في كتابه "كيرياليسون.. في محبة الأقباط"، صفحات منيرة من العلاقة التي تجمع بين الإمام والبابا، والأزهر والكنيسة، جناحي الوطن في طيرانه محلقًا نحو سماء المحبة.

ثالوث المحروسة المبارك..

يوم الأربعاء الثاني من أغسطس 2017 أرسل البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وفدًا من أساقفة الكنيسة القبطية لتقديم واجب العزاء في والدة زوجة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، حيث قدم الأساقفة التعازي في ساحة الشيخ الطيب بقرية القرنة بالأقصر، وذلك وفقًا لبيان رسمي صادر عن الكنيسة.

تضمن الوفد كلًا من: الأنبا بيمن أسقف نقادة وقوص، والأنبا سلوانس أسقف ورئيس دير القديس الأنبا باخوميوس الشايب بالأقصر، والأنبا يوساب الأسقف العام للاقصر، والأنبا يواقيم الأسقف العام لإسنا وأرمنت، وبعضًا من رهبان دير الشايب وكهنة وأراخنة من إيبارشيتي نقادة وقوص والأقصر.

التعزية الشخصية بوفد كنسي على مستوى رفيع يؤشر على حرص البابا تواضروس على تمتين علاقته الوطيدة بالإمام الاكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، والعالمون بمجريات العلاقة يقطعون بأنها تجاوزت الرسمي بين رأس المشيخة ورأس الكنيسة إلى ما هو شخصي، فالرجلان يجلان بعضهما البعض وبينهما صلة ورحمة، وإذا كان من الواجبات الوطنية المرعية تبادل التهنئة في الأعياد والمناسبات الإسلامية والمسيحية على حد سواء، عن طريق تبادل الزيارات والبرقيات فيما بينهما بمشيخة الأزهر والكاتدرائية، على نحو ماجاء فى برقية البابا تواضروس فى عيد الأضحى المبارك 2017.

وقال البابا في برقية تهنئة لشيخ الأزهر: "يسرني - بالأصالة عن نفسي وباسم الكنيسة القبطية المصرية الأرثوذكسية- أن أتقدم إلى فضيلتكم وإلى جموع إخوتنا المصريين المسلمين بأصدق التهاني بمناسبة عيد الأضحي المبارك، طالبين من الله أن يوفق جهودكم المخلصة في نشر المحبة والتسامح والعيش المشترك في كافة أرجاء العالم".

اللافت للمراقب تجذر العلاقة بين الطيب وتواضروس مع حفظ الألقاب والمقامين، ربما تتجاوز عمق العلاقة التي ربطت البابا شنودة الثالث - نيح الله روحه- وفضيلة المرحوم الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، التي كانت مضرب الأمثال، وتؤشر عليها كلمات المحبة التي يفيض بها كل منهما على رأس الآخر.

استهداف لرموز صورة 3 يوليو

الصمت الذي يتحلى به الإمام الأكبر ومثله الصمت الذي يميز البابا تواضروس يصعب علينا سبر أغوار هذه العلاقة الطيبة التي باتت مستهدفة بشدة منذ أن اجتمع الكبيران جوار الرئيس عبد الفتاح السيسي وقادة القوات المسلحة ورؤساء القضاء ورموز التيارات والأحزاب المدنية يوم 3 يوليو 2013 لإعلان سقوط حكم المرشد، وتولية حكم وطني يرعى مصالح الأمة المصرية.

لم يغب هذا الاستهداف لرموز الصورة التاريخية عن ناظري، نعم مصر هبة النيل، وفي قول آخر مصر هبة المصريين، ومن خبر مصر جيدًا يعلم أن مصر الحديثة في تجليها قامت على مثلث معجون بطين الوطن، مثلث من أضلاع ثلاثة، قاعدته القوات المسلحة المصرية، وضلعاه الأزهر والكنيسة، وفوق القاعدة يعيش شعب عظيم علم العالم أجمع كيف تصمد الدول أمام الأعاصير والأساطيل، على صخرة هذا المثلث العظيم تتكسر لعبة الأمم.

القاعدة جيش وطني، قوامه من قوام هذا الشعب، وسواعده شباب هذا الشعب، جيش مخلص للوطن، لم يعرف يومًا طائفية أو جهوية أو عرقية أو إثنية، جيش يمم وجهه للوطن من بعد وجهه سبحانه وتعالى، يبغون نصرًا أو شهادة، لم تتسلل إليه فتن خبيثة، أو طائفية مقيتة، وارتوت أرضه بدماء المسلم والمسيحي، يجمعهم نداء الوطن، ويسعون إلى الجندية سعي المخلصين، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الوطن، ويذكرون الله كثيرًا في صباحات الحرب والسلم، خير أجناد الأرض، هم الجند الغربي الذي ذكرهم - صلى الله عليه وسلم- في حديثه الشريف، جيش أصدق تعبير عن هذا الشعب، يحاذي في الصف الغني والفقير، ابن القائد وابن الفلاح، ويتقدمهم قادة نذروا أنفسهم فداء للوطن، انظر لقائمة الشهداء، يتسابقون إلى الشهادة قادة وصفًا وجنودًا، وتكتب أسماؤهم شهداء في لوح محفوظ، أحياء عند ربهم يرزقون.

وأزهر وسطي عامل على نشر السلام والمحبة، ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومشيخة هي قبلة للعالمين، وتاريخ تليد وحاضر ينبئ عن مستقبل، الدعوات الصالحات هي ما يمكث في الأرض، حافظ الأزهر على الإسلام السمح، ولم يذهب إلى فرقة أو تشدد، وشباب حمل الأمانة، وشيوخ ينافحون عن صحيح الدين، وأعلام يفخر بها كل مسلم في توادهم وتراحمهم، وتمسكهم بصحيح الدين، متمثلين قوله المعصوم - صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة: "يا أيها الناس إني تركت فيكم من ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي (أهل بيتي)".

وكنيسة وطنية خالصة، شجرة طيبة، ترتوي من نيل طيب، كنيسة ترفع لواء الوطن، لا تعرف غيره وطنًا، ومصر في ضميرها، وطن يعيش فينا، وليست وطنًا نعيش فيه، والعبارة من مأثورات بابا العرب المتنيح، قداسة البابا شنودة الثالث، وزادها ألقًا على ألق قول خليفته في كنيسة الوطن البابا تواضروس الثاني، قال محبًا: وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن، كنيسة لم تخرج على الوطن، بل سكنت القلب منه، وشعبها من بين الصلب والترائب، شعب الكنيسة في قلب الشعب المصري، لايغادره أبدًا وإلى أبد الآبدين.

تجسد هذا المثلث يوم الثالث من يوليو على منصة الوطن، صورة بألف صورة مما تعدون، صورة جمعت القائد العام وزير الدفاع ابن مصر البار الفريق أول عبد الفتاح السيسي، يلقي بيان الأمة إلى الشعب، اختاره الشعب على عينه وحمله الأمانة، فحملها السيسي وألقى بيانه في جمع من قادة القوات المسلحة اصطفوا جميعًا ليبرهنوا للشعب أن قواته المسلحة خير حافظ بعون الله، وتنطق الصورة بحضور فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وقداسة البابا تواضروس بطريرك الكنيسة المصرية، لتجتمع قاعدة المثلث على ضلعيه ليكونوا معًا النواة الصلبة التي قامت عليها ثورة الشعب معبرة عن أمانيه في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

المثلث الصلب لا يزال صلبًا قويًا صقلته الخطوب، يدافع عن الذين آمنوا بالحرية، ويعلي اسم الوطن على ما عداه، ويقف حاميًا على ثغور الوطن، منافحًا عن الحدود، حاميًا للجبهة الداخلية، ويوم تكالبت الأكلة على قصعتها، نفر الرجال في مهمة دفاعية كلفتهم غاليًا، ولكنهم أبدًا لا يضنون على وطنهم بالتضحيات الجسام، وليس هناك أغلى من الدماء الزكية، وقدموا الشهداء فداءً، والشعب شاهد على عظم البذل والعطاء.

منذ أن تجسد هذا الثالوث في أعين الشعب عظيمًا مهابًا، واستهدفه المرجفون، استهدفوا جيشًا عظيمًا، وأنفقوا على مخططاتهم لبذر الفتنة بين صفوف الغر الميامين إنفاق من لا يخشى الفقر، وتآمروا بليل على منعته، وعمدوا إلى شق صفه، وتكالبوا كالكلاب العقورة على تحين الفرص، وتربصوا بالجيش الدوائر، ومولوا وسلحوا عصابات الإرهاب غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا وداخل البلاد، تثير الفزع، وتوقع الفتن، وتغتال الأبطال، ولكنهم لم يظفروا بقلامة ظفر، ولم يفوزوا بنصر ولو فضائي، ورد الله كيدهم في نحورهم وكتب لخير أجناد الأرض النصر، وتخضبت الرمال بدماء الشهداء.

الجيش المصري يواجه سلاح الشائعات

الجيش المصري، القاعدة الصلبة، استهدفت بسلاح الشائعات مرارًا وتكرارًا، وسلاح الإفك والكذب والبهتان على طول الخط، وسلاح الفضائيات الخارجية، وحوائط الفيس بوك القذرة، وتغريدات البوم على شجر الزقوم، لم يتركوا نقيصة إلا وألصقوها بمن وهبوا حياتهم لحماية الحدود، وأطلقوا شعارتهم المخاتلة، وتنادوا على إسقاط جيش الظافرين، وقالوا في جيش مصر العظيم قولًا كريهًا، وكرهوا انتصاراته، ومناوراته، وأسلحته الحديثة. وكلما تحصل جيش مصر العظيم على سلاح شبت نار في قلوبهم، وطفقوا يفسفسون إنهم يتسلحون، وجاراهم في غيهم المركوبون إخوانيًا، والتابعون لأعداء الوطن، وصار الطابور الخامس يمشي بين الناس مشاءً بنميم، ولكن خابوا وخاب مسعاهم.

الحرب على الجيش المصرى ليست من قبيل التويتات والتغريدات، هي حملة كراهية على تصدره مشهد 30 يونيو، حملة كراهية في جيش حرر البلاد من ربقة الاحتلال الإخواني، وبلغت الحملة العاتية مبلغها مع اضطلاع الجيش بمهمته في إقامة دعائم مصر الجديدة، وصار الشعار "يد تبني ويد تحمل السلاح"، هالهم مشروعات يقف على رأسها الجيش الذي يقود قافلة التعمير والبناء، فطفقوا يبلبلون الأفكار، ويطعنون في الشرفاء، ويلومون الجيش على جهوده في التنمية. وقال قائل منهم خبيث ماللجيش بالبنية التحتية، وحفر القنال، وإقامة المشروعات، ومد الطرق، وإنشاء المدن والحواضر، والجيش في حالة استنفار وطني بكامل عتاده ومعداته يقود قافلة قوامها 1100 شركة و400 مكتب استشاري، ومليوني مصري يشق الصحراء ويزرع الرمال، ويحفر الإنفاق ويبني ويعلي البناء، هدفهم فصل الجيش عن الشعب، والجيش من ضلع الشعب، والجيش والشعب الكل في واحد.

عقاب الكنيسة لحضورها في ثورة الشعب

الاستهداف بلغ مذبح الكنيسة الوطنية، وذبحوا المصريين المسيحيين في كنائسهم المرة تلو المرة؛ عقابًا لهم على حضورهم في الصورة، صورة 3 يوليو الشهيرة، على حضورهم في المشهد المهيب لـ30 يونيو الرهيب، استهدفوهم شبابًا وشيوخًا وأطفالًا، نزف المصريون المسيحيون كثيرًا، عصر الشهداء يتجسد داميًا، والكنيسة صامدة محتسبة قائمة تدق أجراسها صريرًا في آذانهم، وكلما استراح المسيحيون هنيهة عاجلوهم بالقتل، ولا يتوارون من سوء صنيعهم، ويفجرون بالقول إنه العقاب على وقفة 30 يونيو، وصورة 3 يوليو، وفي مذبحة يزعق البابا الوطني في شعبه: إنها ضريبة الوطن. لم يجزع البابا، ولم يهن المسيحيون، ولا يزالون على العهد صامدين، ترتوي أرضي به من كل قطرة، وتبقى مصر حرة.

لم يعد هناك شك في خطورة الاستهداف الذي تحركه دوائر استخباراتية عاتية، استهدفوا الرئيس ممثلًا لشعبه وقواته المسلحة، بلغ الاستهداف مبلغًا رهيبًا، وحلقاته متوالية، ودرجاته متصاعدة، وكأنهم قدور تغلي على نار ثأرهم من رجل قال ربي الله ثم استقام في خدمة الشعب الطيب، استهداف الرئيس لا ينفصل عن استهداف الجيش، واستهدافهما استهداف لمتعة هذا الوطن، والمنصفون يقولون قولًا حكيمًا: لولا هذا الجيش لكانت حربًا أهلية لن تبقي ولن تذر، ولولا قيض لهذا البلد هذا الرجل الذي حمل قدره على كفيه قربانا لشعبه، لكانت البلاد ذهبت إلى مستقبل آخر لا يعلمه إلا الله، قسوة الاستهداف تؤشر على عظم التضحية، ولولا نفر مضحون لكتب علينا ما كتب على بلدان من حولنا، ولكن لطف الله بالمصريين عظيم يستأهل الشكر والحمد على نعمائه.

استهداف البابا لا ينفصل عن استهداف الرئيس، استهداف لمكونات 3 يوليو، واستهداف الإمام الأكبر لا ينفصل عن استهداف المثلث الصلب، والإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب مثله مثل البابا الطيب، محل استهداف ضار تتحدث به المقالات والتتويتات والتغريدات والصفحات التي خصصت للنيل من العمامة الكبري في مخطط مجرم من خارج المشيخة يقوم عليه من هم محسوبون على الأزهر ظلمًا وعدوانًا ويعتمرون عمامته البيضاء، وتابعون من الإخوان المجرمين الذين تفرغوا للتهجم على الإمامة الكبرى بعد أن خاب مسعاهم في تولية كبيرهم الذي علمهم الإفك، يوسف القرضاوى المطلوب مصريًا، وكادوا أن يمكنوه من المشيخة بعد أن أركبوه منبر الأزهر الشريف وأدخلوه عنوة هيئة كبار العلماء خطوة متقدمة نحو المشيخة، فلما فشلوا جيشوا غلمانهم والمؤتفكة قلوبهم ومرضى القلوب ليلقوا بسخائم أنفسهم على العمامة التي لم تنحن لريحهم بل وقف طودًا شامخًا معبرًا عن أشواق المصريين، وكان حضوره في الصورة عظيمًا.


لفتنى بشدة حجم التشابه الشخصي، ولو جرى تطبيق اختبارات السمات بين الرئاسات الثلاث لكانت ملامحهم جد متشابهة تشابها ربما يصل إلى حد التطابق، ثالوث "الرئيس، الإمام، البابا" في تجلياتهم الوطنية يتشابهون، التشابه متكرر تاريخيًا، وبرز جليًا بين خالد الذكر جمال عبد الناصر والبابا كيرلس وثالثهم الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر، نفس التماثل الذي ثبت بين الرئيس السادات والبابا شنودة والدكتور عبد الحليم محمود، وتشابه واضح بين الرئيس مبارك والبابا شنودة (في مرحلة ما بعد الدير) والدكتور محمد سيد طنطاوي، وتشابه بين الرئيس السيسي والبابا تواضروس والدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر واضح جلي للعيان، يتنفسون مصر اسمًا ووطنًا وعلمًا ونشيد.

تجلى الاستهداف الإخواني في هجوم عقور ومستمر على مدار الساعة للرئيس وللإمام وللبابا، ويعمد إخوان الشيطان إلى فصل عرى الصداقة المبنية على تراث مصري أصيل وضارب في جذور التربة المصرية، يجمع البابا والإمام في الملمات والمسرات الوطنية، وكان دومًا الصليب في قلب الهلال، والشعار الذي يبلغ قرنًا منذ انطلاقه وطنيًا في قلب ثورة 19: كان "عاش الهلال مع الصليب".

ومع تنامي التطرف الديني ملتحقًا بالسياسي متمثلًا في جماعة الإخوان، وخروج الإخوان والتابعين على الشعب شاهرين سيوفهم، باتت هذه العلاقة بين الإمام والبابا هدفًا توجه إليه السهام. وكما استهدفوا الإمام الأكبر بضراوة عقابًا على صورته في منصة 3 يوليو، استهدفوا بابا الاقباط، وقبلهما استهدفوا رئيس المصريين، وبعامة استهدفوا الشعب المصري بمخططاتهم داخليًا وخارجيًا، وكما سقط شهداء من الجيش والشرطة، سقط إخوتهم من الأقباط، فالارهاب يستهدف الوطن بكل مفرداته.

معركة مع الأزهر بدلًا من الإخوان

من ذا الذي يفصم عرى المحبة بين الأزهر والمسيحيين بالحديث عن مناهج أزهرية تناصب المسيحيين العداء بتفسيرات مغلوطة، وأحاديث مدسوسة، ما أنزل الله بها من سلطان، من ذا الذي يشحن البغضاء في نفوس المسيحيين ضد أزهرهم، الأزهر يعرفه المسيحيون جيدًا، يحبونه، ويخشون عليه خشيتهم على الكنيسة، من له مصلحة في التفريق بين البابا والإمام الأكبر، من يحوّل مؤشر الكراهية بعيدًا عن مستحقيها من الإخوان المجرمين؟

من ذا الذي يصم الأزهر برعاية التطرف وتخريج الإرهابيين، من ذا الذي يرفع الإثم عن كاهل الإخوان الموتورين ويعلقه في رقبة المشيخة، يقينًا لهم فيها مآرب أخرى، الحملة المحمومة المسمومة على أزهرنا الشريف، التي تهدد بنيانه السامق، وتلطخ صورته المشرقة، وتحرض على مشيخته الطيبة خلاصتها ومنتهاها عقاب للمشيخة أن وقفت سدًا منيعًا أمام فكر الإخوان والسلفيين، واختارت موقعها الطبيعي على منصة 3 يوليو تعلن خلع الإخوان المجرمين.

معركة لا وقتها ولا زمانها، بدلًا من العكوف على تفكيك فكر الإخوان والسلفيين، وبيان عوراتهم الفكرية والفقهية، يبحثون في أضابير الأزهر الشريف عن نقيصة أو حديث مدسوس، عوضًا عن بحثهم الواجب في فقه التكفير في رسائل إمام الإخوان والتابعين حسن البنا، للأسف رائحة نفاذة تنبعث من الحملة تزكم الأنوف، رائحة إخوانية نتنة. حذار أيها المحترمون.

الأزهر وروح الوحدة الوطنية

ما يجمع البابا بالإمام الأكبر أكثر مما يفرق يجمع بينهما الوطن، يجمع بينهما احترام الأديان جميعًا، وما صدر عن الإمام الأكبر تجاه إخوتنا في الوطن خليق بالتدبر، والتمعن، ويعبر ببساطة اللفظ عن الاحترام الكامل من الإمام الأكبر للدين المسيحي والمسيحيين، فعندما اشتدت موجة تكفير الأقباط على ألسنة محسوبين ومنتسبين للأزهر الشريف، خرج الإمام الأكبر على التليفزيون المصري في حديثه الأسبوعي، الذي أذيع على الفضائية المصرية، ناصحًا العامة: "أنصح الناس من الجانبين بألا يلعبوا على كلمة الكفر، وبأنه لا يصح الحوار في العقائد. وإن مصطلح الأقليات لا يعبر عن روح الإسلام ولا عن فلسفة الإسلام، ومصطلح المواطنة هو التعبير الأنسب والعاصم الأكبر والوحيد لاستقرار المجتمعات، نظرًا لأن المواطنة معناها المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين جميعًا، بخلاف مصطلح الأقليات الذي يحمل انطباعات كلها سلبية تبعث على الشعور بالإقصاء وتضع حواجز نفسية تتداعى وتتراكم في نفس المواطن الذي يطلق عليه أنه مواطن من الأقليات".

وأضاف الإمام الطيب: إن دولة الإسلام قامت في المدينة المنورة، وكان يرأسها النبي - صلى الله عليه وسلم- على مبدأ المواطنة، وكان فيها يهود ومشركون بجانب أكثرية مسلمة. وإن النبي - صلى الله عليه وسلم- حين ذهب إلى المدينة وتكونت الدولة، وضع دستور المدينة، أو وثيقة المدينة "هامش"، وهو أول دستور نفاخر به العالم كله بل والتاريخ، ونص فيه على أن سكان المدينة أمة واحدة، كما جاء فيه: "وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ"، وهذه مواطنة كاملة في الحقوق والواجبات، تقوم على أساس الأرض، وعلى أساس الدولة والبقعة التي يعيش عليها الناس، سواء أكانوا مسلمين أم غير المسلمين.

وتابع الطيب قائلًا إن الحضارة الإسلامية تعرضت لحروب صليبية وتتارية ولقهر وظلم وسفك دماء وتشريد، ومن الطبيعي أن تصدر في مثل هذه الفترات فتاوى تتعلق بالغير من الأمم التي هجمت على المسلمين وأذاقتهم الويل والعذاب صنوفًا وألوانًا، وأن تتلون بلون الفترة التي يعيشها المسلمون ضد الغزاة أو المستعمرين، مؤكدًا أن فتاوى هذه الفترات كانت في فترة المدِّ الصليبي والمد التتاري على الأمة الإسلامية.

وأكد الطيب أنه لا محل ولا مجال لأن يطلق على المسيحيين أنهم أهل ذمة بل هم مواطنون، ولا مجال لأن يكون هناك كلام فيما يسمى بالجزية، أو فيما يسمى بهذه المصطلحات التي كان لها سياق تاريخي معين انتهى الآن، وتبدل نظام الدولة وتبدلت فلسفات الحكم، منوهًا بأن الإسلام الآن يتبنى مفهوم المواطنة الذي تبناه النبي - صلى الله عليه وسلم- حينما كان رئيسًا لأول دولة إسلامية ظهرت في التاريخ .

حديث الإمام الأكبر يتسق تمامًا في تجلياته وأفكاره ومبادئه مع إعلان الأزهر الشهير عقب مؤتمر الأزهر المعنون "المواطنة والحرية والتنوع والعيش المشترك" الذي لقي استقبالًا حسنًا من أخوة الوطن. ولأهمية هذا الإعلان نصل إلى هذه المحطة في علاقة البطريرك والإمام رمزية لعلاقة البطريريكية بالمشيخة، وصولًا إلى رسم صورة لرؤية الأزهر الشريف لعلاقة المسلمين بالأقباط.

قبيل زيارة البابا فرانسيس بابا الفاتيكان التاريخية إلى القاهرة 29/28 أبريل 2017، استبق الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين الزيارة واحتفى بقدوم البابا بإقامة مؤتمرٍ عالمي موضوعه: "الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل" حضرته أكثر من مئتي شخصية من ستين دولة من النخب الدينية والمدنية والثقافية والسياسية، الإسلامية والمسيحية في الوطن العربي والعالم، وشارك فيه كثيرٌ من رجال السياسة والفكر والثقافة والإعلام في مصر. وعلى مدى يومين (28/2 - 1/3/2017) من المحاضرات والمداولات في قضايا ومسائل المواطنة، والحرية والتنوع، والتجارب والتحديات، والمشاركات والمبادرات.

و أراد الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر أن يكون المؤتمر فرصةً لتفكيرٍ جديدٍ في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي.البارز في المؤتمر الحضور المصري الكثيف من المسلمين والأقباط، والأبرز صدور "إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك". وقد تحددت معالم الإعلان الكبرى في الحقيقة في كلمتي شيخ الأزهر وبابا الأقباط في الجلسة الافتتاحية.

إعلان الأزهر في توصيفه الأمين هو إعلان نوايا طيبة وإعلان تصميم على إنفاذ مقتضيات العيش المشترك بإحقاق المواطنة، والتضامن والتعاون والأخوة الوطنية والإنسانية. الآخرون يزعمون أنّ الأديان تفرّق، والأزهر والذين استجابوا دعوته يريدون أن تكون الأديان جامعة غير مفرِّقة. إنها لحظة تاريخية خطيرة تستدعي مسؤوليات على الدين والدول. وها هو ذا الإسلام بشخص مؤسسته الكبرى يستجيب، ولا بد أن تنهض الدولة الوطنية لتستلم الركن الآخر من ركني الحرية والعيش المشترك، وهو ركن المواطنة والدولة القائمة عليها.

أعلاه ليس وليد لحظة أزمة يمر بها المصريون في تجليهم الوطنى، ولكنه بناء على أساسات قوية صلبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فمراجعة العلاقة الوطيدة والممتدة بين المسلمين والاقباط تقول بأن العلاقة دومًا دافئة، ووشائجها متينة.

ويكمل الكاتب الصفحي حمدي رزق دراسته في كتابه "كيرياليسون.. في محبة الأقباط" ما يستحق أن يوصف بأنه "سنكسارية"وطنية مصرية غارقة في المحبة.


غلاف الكتاب


شيخ الأزهر الأمام الأكبر و البابا تواضروس


كتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الادارية الجديدة

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة