ثقافة وفنون

أحمد الشهاوي يكتب: الرقابة.. وحماية حرية الكتاب العربي

7-1-2018 | 13:46

أحمد الشهاوي

إنَّ كلَّ حدٍّ من حرية النشر والتعبير هو انتقاصٌ من شخصيةِ الأمَّةِ، وفرضُ حظرٍ على العقل الذي يُفكِّرُ ويبدعُ، رغم أنَّ المُسلَّم به أن يُدافعَ المرءُ حتى الموت عن كتابٍ ما يرفضُهُ أو ضد عقيدته وفكرهِ، فالدفاع عن حقِّ التعبيرِ فريضةٌ واجبةٌ، وليستْ من السُّننِ، أو الأعرافِ الغائبة.


ولا يحتاجُ المرءُ أن يُذكِّر بالمادةِ التاسعةِ عشرة من الإعلانِ العالميِّ لحُقوقِ الإنسان، الذي أصدرته الأممُ المتحدةُ عام 1948، والتي تقُولُ: "لكلِّ إنسانٍ الحق في حرية الرأي والتعبيرِ، ويشملُ هذا الحق حرية اعتناقِ الآراء دُون أيِّ تدخلٍ، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقِّيها وإذاعتها بأيةِ وسيلةٍ كانت دُون تقيُّدٍ بالحدودِ الجغرافية ".
لكنَّ الوهَنَ والضَّعفَ الباديين ظاهريًّا في جسدِ الأمَّة، هما اللذان يجعلان الرقيبَ يخرُجُ شاهرًا سيفَ المنعِ، في صلفٍ معهُودٍ فقط في خُطب الديكتاتور وسلوكه في التاريخيْن القديم والمعاصر.

كأنَّ علينا أن نتفرغَ طُوال الوقت لحماية حريةِ الكلامِ، وهُو حقٌّ طبيعيٌّ، وليس منحةً أو اكتسابًا، بل الدين وكتاب الله يقُولان بحرية التعبير والاعتقاد " ((وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)) سورة هود آية {118}، و(قال عمر بن الخطاب: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟)).

ولا ينبغي أن يكونَ هُناك مكانٌ لجهازِ الرقابةِ على الكتب والمطبوعات.

وجود جهاز يُراقبُ الكُتبَ والمطبُوعاتِ الأجنبيةَ، يعني أن البلدَ ما زال قاصرًا، وفي حاجةٍ إلى التربية والتعلُّم والرعاية والوصاية، وأنه ما زال في سنِّ الرُشدِ، ويحتاجُ إلى معاملةٍ خاصةٍ، كي لا يتأثرَ بالأفكارِ المسمُومة الواردة، التي من شأنها أن تُزعزعَ عقيدته، أو تُلوثَ عقله، أو تجعله يعتنقُ أفكارًا شاذةً.

إنَّها رقابةٌ غيرُ مرغُوبٍ فيها، وعلى من يعملُ بها أن يخجلَ من وظيفةٍ كهذه لا أن يتباهى، ويتعالى على من هُم أعلى منه وأعمقُ فكرًا وثقافةً وإنتاجًا.

إنَّ المنعَ اليوميَّ أو الأسبُوعيَّ للكُتبِ والمطبُوعاتِ لهو نحْرٌ تدريجيٌّ في سواحلَ الحُريةِ الجديدةِ التي نحاولُ بناءَها، أو إعادة الحياة إليها بعد موتٍ زادَ على نصفِ القرْن.

لا أريدُ لأي بلد عربي أن يكُونَ ضِمْنَ القائمةِ الشهرية أو رُبع أو نصف السنوية أو السنوية التي تنشرُ أسماء البلدان التي تُجرِّمُ وتُحرِّمُ الكُتبَ، وتضعُ القيُودَ والحُدُودَ أمام ضفافِ الكتابةِ التي هي أساسًا بلا أسقُفٍ أو ضِفافٍ لها، وأنَّ الخيالَ وحده هو متنُها وعمادُها الرئيسيُّ.

وليعلم الرقيبُ أن المَحظُورَ محمُودٌ، وأنَّ الصَّوتَ الممنُوعَ أو المقمُوعَ مسمُوعٌ، وهو الأكثرُ شُهرةً وانتشارًا، وما مُنع صوتٌ إلا وَوَصَلَ إلى قطاعاتٍ عريضةٍ في أنحاء مُتفرقةٍ من البلاد،والأدلةُ أكثرُ من أن تُحصى.

ولو استعرضتُ تاريخَ حرية الكلام في مصر، لوجدتُ أمثلةً عديدةً تشيرُ إلى المُمارسات المُضادة لحرية الكاتبِ وفكرِه وإبداعِه، وأنَّه كلما عمَّ الجهلُ وانتشر زاد الحجبُ والمنعُ، وكلما وقعت سُلطة البلاد في يد جماعةٍ أو تيارٍ ضاعت الحريةُ وغُيِّبتْ وتُرِكَتْ عمدًا، بل لم يعُد لهذه الكلمةِ مكانٌ في الكُتبِ والقواميسِ ومناهجِ التعليمِ، وكذا قد تُلغَى من التداولِ بقانونٍ، وقد يُعَاقَبُ كُلُّ من ينطقُ هذه الكلمة، أو حتَّى يتذكَّرَها، أو تجُولَ بخاطرِهِ.

عندما أسمعُ من رقيبٍ ما مُفرداتٍ كهذه : الضوابط، الاحتجاز، المُصادرة، الاشتباه، تقليل فُرص دُخُول الخطر إلى مصر، ضرُورة وجُود ضوابط على الكتابِ والإبداعِ، عليَّ أن أتحسَّسَ رأسِي، وأسألَ نفسي: هل أنا طفلٌ صغيرٌ، أم مواطنٌ ناضجٌ يقرأ ويُدركُ ويعرفُ ويفهمُ ويفقهُ ويعي ويغربلُ وينخُل، ويستطيعُ الفرزَ وتقويم الأمُور، ولا يحتاجُ إلى وصايةٍ من أحدٍ، خُصُوصًا من جهاز للرقابة الذي تأسَّس سنة 1936 ميلادية.

فالرقابة لا أخلاقَ لها في أيِّ زمانٍ ومكانٍ، إذْ هُناك من هُو على استعدادٍ ليشهدَ على أنَّكَ ضالٌّ ومُهرْطِقٌ وزنديقٌ ومُلحدٌ وعلمانيٌّ وشيوعيٌّ ولا دينَ لكَ، وخارجٌ على النواميسِ والدينِ والأعرافِ، وضد التقاليدِ.

وكم من أسماء كانت قرابينَ مُقدَّسةً لأجلِ أن تترسَّخَ حُريةُ التعبيرِ والكلامِ في العالمِ، والقائمة طويلة في تاريخِ الشُّعوبِ، وفي المقدمة منه التاريخ الإسلامي عبر عُصورِه المُختلفةِ، حيثُ صفحاته ملأى بآلافِ القَصصِ المُفجعةِ التي تشيرُ إلى قمع الكِتَاب والكاتِبِ، إذْ تفنَّنَ العربُ في التخلُّصِ من الكُتبِ التي لا يريدُها السلاطينُ وفُقهاءُ الحُكامِ، بدفنِها في الأرضِ، أو غسلِها بالماءِ، أو حرقِها، أو تركِها لتكونَ وقُودًا للطهو في البوادي والحَضَر على السَّواء.

إنَّ ما يحدثُ في مصرَ – مثلا - من قِبَل جهازِ الرَّقَابةِ على الكُتبِ والمطبُوعاتِ الأجنبيةِ، كان يماثلهُ في فرنسا، ولكن كان ذلك في عام 1610 ميلادية، أي أننا نتقهقرُ أربعةَ قرُونٍ كاملة غير منقُوصةٍ من التخلُّفِ، ومُحاربةِ الحُريَّةِ، من خلالِ ترسانةٍ من القوانينِ والأنظمةِ التي تملكُها الرقابةُ، وكلها تُؤدِّي إلى الفحصِ والحجْزِ و الرفضِ، والمُصادرةِ،، والإدانةِ، والخنقِ، والقهرِ، والقتلِ والوأدِ، والحرْقِ، والإبادَةِ، والدَّفنِ، لأنَّهُ عندما يعُمُّ الفسادُ، تزدهر الرقابةُ.

وعندما تغيبُ المبادئ والمُثلُ، ينشط المُراقبون ويتبجَّحونَ، إذ المُراقبُ عبدٌ مأمُورٌ، قاسٍ، مُتبلدٌ، ناقصُ ثقافةٍ، ويشعرُ طوال الوقتِ أنه دُون الكاتبِ المُبدع الذي يبني عملا شعريًّا أو روائيًّا، أو يُهندسُ كتابًا نظريًّا في الفكرِ أو الفلسفةِ أو الدين.

المُراقبُ يقمعُ ويردعُ ويُعوقُ ويُعرقلُ، ويُعطِّلُ، ويُمثِّلُ عقلَ سيِّدِهِ الفارغ، لأنَّ الرقابةَ سلاحُ الحكومات المُتذبذبة، غير الواثقةِ، ذوات الأيدي المُرتعشة، غير العارفةِ، المُدَّعيةِ للمعرفةِ والحُريةِ، المُستعبطة، المُضْطَّهِدة، التي لا تملكُ قرارَها، والتي أيضا تخشى الفضْحَ والهتْكَ .

فالرقيب يُعاملُ الكتابَ على أنه مُنتَجٌ مُهرَّبٌ، أو مُخدِّرٌ مَحظُورٌ، أو سلعةٌ ممنوعةٌ من التداولِ لسُوءِ سُمعتِها، فلم أسمع عن كاتبٍ أو شَاعرٍ أو أكاديميٍّ أو واحدٍ من أهلِ الكتابةِ والفكرِ والأدبِ قد عمل مُوظفًا في جهازِ الرقابةِ على الكُتُبِ والمطبُوعاتِ الأجنبيةِ، وإن كانت هُناك استثناءاتٌ محدُودةٌ، وكان ذلك في زمنٍ مضى، حيث تولَّى نجيب محفوظ " 1911 – 2006 ميلادية " هيئةَ الرقابةِ على المُصنفات الفنية عام 1959 ميلادية، حيث كان مُديرًا لها، بحكم كونِهِ مُوظفًا كبيرًا في وزارة الثقافةِ، وهي غير جهاز الرقابة على الكتبِ والمطبوعاتِ الأجنبيةِ .

والثابت عندي أنَّ أيَّ مُثقفٍ لا ينبغي لهُ أن يتولَّى مسؤوليةَ الرَّقابةِ سواء أكانت فنيةً أم على الكُتبِ والمطبُوعاتِ العربيةِ أو الأجنبية، لأنَّ الكاتبَ أو الشَّاعرَ أو المُبدعَ بشكلٍ عام خُلِقَ ليعترضَ على الرَّقابةِ لا أن يتولاها أو يُؤيدها، ورُبَّما لا يعرفُ كثيرُون أنَّ عباس محمود العقاد " 1889 – 1964 ميلادية " تولَّى هو الآخر أمرَ الرقابة على المطبُوعات خلال الحربِ العالميةِ الثانيةِ " 1939 – 1945 ميلادية "، ومهما يكُن من مكانةٍ لمحفوظ أو العقَّاد، فأمر توليهما منصب الرقيب، هُو من المآخذِ، ولا أريدُ أن أقول " السقطات " التي لا تُغتفر ولا يُمكنُ للتاريخ الأدبيِّ لهما أن ينسى لهُما هذا العمل، مهما تكُن الحِججُ والدفُوع، لأنَّهما قارئانِ وكاتبانِ في المقام الأول، قبل أن يكُونا مُوظفيْن في وزارةٍ ما، ويُدركان كيف تعاملتِ السلطاتُ عبر التاريخِ مع الكاتبِ والكِتَاب من تمزيقٍ وإحراقٍ، أو على الأقل تخريب النُصوص بالحذْفِ والشَّطبِ والمحوِ والطَّمْسِ والفسْخِ " وليس الفَسْح "، في مُحاولةٍ لإظهارِ قوة سُلطة الرقابةِ التي عادةً ما تُمثِّلُ الحكومةُ أو البرلمانَ أو الهيئةَ الدينيةَ أو البوليسيةَ أو وزارةَ الإرشاد سابقًا أو الإعلام تاليا، لأنَّ وزارة الإرشاد " من اسمها " كانت منُوطةً بإرشادِ الشَّعبِ على طريقتها، تُقرِّرُ له ماذا يقرأ، وماذا يترُكُ، كيْ لا يفسدَ عقلُهُ، وتتلف رُوحُهُ .

إنَّ جهازًا للرقابةِ في مصرَ، أو في أيِّ بلدٍ آخر، هُو عندي ليس له سوى تسميةٍ واحدةٍ : شُرطة الكِتَاب، أو شُرطة الكُتٌّاب، التي لن تغلبَ في أن تدبِّجَ إطارًا حقوقيًّا لقمعِ الكِتَاب وكاتبِه، مثلما كان مُتبعًا في القرنِ الثامنِ عشر الميلادي في فرنسا، حيث كان مصِيرُ الكاتِبِ النفيَ، أو الأشغالَ الشَّاقةَ، أو الإعدامَ لمن كتبَ، ومن طبَعَ ومن رَوَّجَ من أصحابِ المكتبات .

ففي عام 1761 ميلادية، رأينا في فرنسا أنَّ الطابعَ الذي كتب كتابًا عنوانه " الرُّوح " أقِيلَ وبِيعتْ مطبعتُه، وآخر الذي طبعَ كتابًا عنوانه " الرسائل الفلسفية لفولتير" 21 من نوفمبر 1694- 30 من مايو 1778 ميلادية، أقيل وفقدَ أملاكَهُ .

هذان الكتابان وغيرهما، يتم تداولُهُما الآنَ في فرنسا والعالم، حيثُ تُرجما إلى لغاتٍ كثيرةٍ، وعندما يتذكَّرُ القارئ أنَّ كتبًا كهذه أدينَ طابعوها، وفقدوا مُمتلكاتهم، وأقيلوا من أعمالهم، يسْخرُون من أنظمةِ بلدانهم، ولا يُمكنُ لأحدٍ أن يكتبَ عن تاريخِ الرقابةِ على المطبُوعاتِ، دُونما أن يذكرَ، ويتذكَّرَ قرُونًا وحقبًا من المَهازلِ والمساوئ، التي مُورستْ ضد الكاتبِ وكتابه، ومنها مصر، التي فاقت فيها نسبةُ المُصادرة والرقابةِ على الكُتبِ خلال العشرين عامًا الأخيرة، ورُّبَّما عادَلتْ كُلَّ ما تعرَّضتْ لهُ الكتبُ المطبُوعةُ في مصر، منذ عرف المصريون الطباعةَ الحكومية الرسمية سنة 1815ميلادية في عهد محمد علي .

ورُّبما لا يعرِفُ الرَّقيبُ – لفرطِ جَهلِه - أنَّ الكِتابَ الممنُوعَ يجْتازُ الحُدودَ، ويُسافرُ، ويحيا، ويتنفَّسُ، وإنْ توقفَ قليلا، فإنهُ لا يمُوتُ أبدًا مادام يحملُ أفكارًا ورُؤى.

ولا أحبُّ أن يقُولَ عنَّا التاريخُ – وهو يرصدُ ويُغربلُ وينخُل ويُسجِّلُ - إنَّنا شُعُوبٌ كان أداؤها سلبيًّا إزاء قضايا ومشكلاتِ الرقابةِ على الكُتُبِ والمطبُوعات، ولم ينتصروا للحريةِ العامةِ .

ولا أريدُ لناشرٍ أو كاتبٍ أن يقفَ في ميدانٍ عام مُقيد القدميْن واليديْن، وفي عنقه طوقٌ حديديٌّ، حاملا لافتةً مكتُوبًا عليها " ناشرٌ أو شاعرٌ أو روائيٌّ مُعَادٍ للدِّينِ والأخلاقِ وربما الوطن والشَّعْب ".

 أعرفُ أنَّ المكتبةَ لم تفلت من التسلُّطِ، ولم يهرب الكاتبُ من بطش السلطانِ، ولم ينج الكِتابُ من مشنقةِ الرقابة .
لأنَّ أهلَ السُّلطةِ دائمًا يروْنَ أنَّ الكِتَابَ حاملُ أفكارٍ ورؤى، ومن ثم سيُغذِّي قلقَ أرواحِ البشرِ، ممَّا يُؤدِّي إلى الإرشادِ والإنارةِ، ومن ثم الثورة على الظلمِ والاستبدادِ والفسادِ .
فالكتابُ أداةُ تفكيرٍ، من يحمله هو مشروعُ إنسانٍ حُرٍّ، إنْ لم يَكُنْ هو حُرًّا منذ البدايةِ، لكنَّ الكتابَ يملأ فضاءَ المكانِ حريةً، إذ يُحرِّضُ، ويُقْلِقُ، ويبعثُ على التفكيرِ، ويُرسِّخُ المعرفةَ، ويدعو إليها، وهذا ما تكرهُهُ السلطةُ – أي سلطة – ولا تطيقه .
الكتاب عصيانٌ، وخطيئةٌ وخطأ، في عرف القامعين، وأيضًا خطرٌ على الأمة وأمنها، ففي عهد الملك الفرنسي لويس الرابع عشر كتب مفوضه نقولا دولامار: " المكتبة والمطبعة تهمان الدين والدولة والأخلاق، وأغلب الأحيان راحة العائلات "، هكذا إذن ينظرُ الساسةُ المرتعشون إلى الحرفِ، الذي يُقوِّضُ عرُوشَهُم، ويهُزُّ ممالكهم الفاسدةَ، ويخرق قوانينهم الجائرةَ، ويزلزلُ الأرضَ من تحت مقاعدهم التي نخرها سوسُ الفسادِ والتسلُّط والرشوةِ  .
لم أسمع عن كتَابٍ يُفسِدُ الأخلاقَ، أو يدفعُ لصًّا لأنْ يسرقَ، أو قاتلا لأن يرتكبَ جريمةَ قتلٍ، ولا يوجد كتابٌ يحرِّضُ على الحقدِ والحسدِ وفعلِ الشرِّ، لأنَّ للقارئ ذوقًا، وعقلا يُفرِزُ به ويُصفِّي، ويُفرِّقُ ما بين الخبيث والمُفيد .
الكتابُ لا يُؤذِي، ولا يضُرُّ، ولا يُنقِصُ العقلَ، بل يفتحُ نوافذَهُ على آفاقٍ أخرى، ولا يضربُ الرُّوحَ بل يُطلقُها نحو إشراقاتها ؛ لأنْ ترى وتعرفَ وتُحلِّلَ وتزنَ وتُفاضِلَ، ولكن الذي يُؤذِي هو المجازرُ التي تُرتكبُ باسم الدينِ .
ولأنَّنا هنا في مصر "على مستوى الدستُور والقانون" نتأسَّى بفرنسا، فقد قرأتُ كثيرًا حول تاريخِ الرقابةِ على المطبوعاتِ في فرنسا، وهو تاريخٌ حافلٌ بالجرائمِ والقتلِ والإقصاءِ والنفي خلال خمسمائة عامٍ من الإتلافِ والمُصادرة بحجةِ حمايةِ المُجتمعِ، غير أنه في الأصلِ حمايةٌ للإمبراطورِ وسلطاته وحاشيته.
حيث إنَّ الرقابةَ هي إحدى الخطواتِ التي تُؤسِّسُ بنعومةٍ وتحدٍّ صارخٍ في الوقتِ نفسه للديكتاتورية .
فمنذ قرُونٍ مضتْ، والكلمة تُواجهُ القمعَ في العالم، وحرية التعبير " الكلام " تتعرَّضُ إلى مُضايقاتٍ تصلُ إلى حدِّ قطعِ الرقابِ، فكم من مرَّاتٍ عديدةٍ أدَّت الرقابةُ إلى قصِّ أو جزِّ الرقبةِ، فمنذ بدء تاريخِ دورانِ المطبعةِ وحتَّى يومنا هذا، وحرية التعبير مُعلَّقةٌ على حبلٍ يتأرجحُ بين الرقابةِ والرقبةِ .
ولم يستطع أحدٌ خصُوصًا في بلداننا أن يفكَّ الرقبةَ من مشنقةِ الرقابةِ .
فبين المُراقِبِ والمُرَاقَبِ مُنِعتْ وصُودرتْ عشراتُ الآلاف من الكُتبِ، واتُهم أصحابُها بالكُفرِ والزندقةِ والهرطقةِ والخُرُوجِ على الدينِ، وفي أبسطِ الأحوالِ الخُرُوجِ على أعرافِ وتقاليدِ المُجتمع .
لقد عاش الكِتابُ الذي له طَابَعٌ خاصٌ في التفكيرِ والرؤيةِ والاختلافِ عن السَّائدِ والشَّائعِ والمُتداولِ في الأغلبِ بين رقاباتٍ دينيةٍ وأخرى سياسيةٍ، كأنَّ الأسيادَ المُرَاقبينَ لا يُريدُون أن يكونَ هناك أحدٌ خارج المنظُومةِ التي يُحدِّدُها النظامُ سواء أكان دينيًّا أم سياسيًّا .
إنَّ قمعَ الحرياتِ الفكريةِ آتٍ من عدم الإيمانِ بقيمةِ الثقافةِ والأدبِ والفكرِ في حياةِ تطورِ الشُّعُوبِ وتقدمها، إذْ فرْض الرقابةِ المُشدَّدةِ ينتُجُ عن خوفِ المُرَاقِبِ من كشفِ أمرِهِ، وهتك سترِهِ، وتعريفِ الرأي العامِ بما يفعلُه في السرِّ أو في الجهْرِ، تحت غطاءٍ غامضٍ فَضْفَاضٍ يُؤثِّرُ سلبًا على حياةِ الناسِ .
فقد رأينا في شوارعِ القاهرةِ حرْقَ الكُتبِ المُقدَّسةِ وغير المُقدَّسةِ من أناسٍ أعرفُ بعضهم شخصيًّا، وهم بعيدونَ كل البُعدِ عن الدينِ، وعن الثقافةِ، ينعمُونَ طَوالِ أعمارهم في الجهلِ، لكنَّهُم استغلوا التيارَ الدينيَّ، وركبُوا موجتَهُ العاليةَ، وغرقوا بالطبع معه، لمَّا اعتدل الميزانُ، ولو استمر الأمرُ قليلا، كنا سنرى إقامة حدِّ الحرْقِ ؛ بتهمةِ الزندقةِ في ميادين مصر المحرُوثة والمحرُوقة، والتي لم تعُد محرُوسةً على أيدي تيارٍ أراد أن يسُودَ، فجمَعَ المُتناقضينَ والمُتنافرينَ من المُتشدِّدين والخوارجِ تحت لوائِهِ .
والذي يُراقبُ ويقمعُ الحريات، يتحجَّجُ طَوال الوقتِ بضرورة " الحفاظِ على الأخلاقِ والآدابِ العامَّةِ وحمايةِ الأطفالِ والشبابِ من الكُتبِ الفاسدةِ " والمُضلِّلةِ والمُخرِّفةِ والخارجةِ على صحيحِ الدين .
وليس لأحدٍ أن " يكُونَ وصيًّا على عقُولِ الناسِ وأفكارِهم وآرائِهم واختياراتِهم وتوجهاتِهم .
إنَّ مُحارَبَةَ الكُتبِ وقمعَها كان ولا يزالُ يُؤدِّي إلى السَّجنِ بالأشغالِ المُؤبدةِ، أو الإعدامِ بقصِّ وجزِّ أو نحْرِ الرقبة، فلا أحدَ ينسى أن القُضاةَ في فرنسا خلال القرن الثامن عشر الميلادي كانوا يحرقُون كُتبًا مُزيَّفةً، ويحتفظونَ لأنفسهم بالنسخِ الأصليَّةِ غير المرضِي عنها، والتي أدينتْ بالحرقِ، وربما معها أصحابها، مثلما كان مُتبعًا ومازال الأمر موجُودًا، ولكن في بلداننا، وليس في أوروبا كما السابق .
فالكتاب يُدانُ من وجهة نظر أعدائه ؛ لأنه يُضرُّ بالدينِ أو الدولةِ أو المُجتمعِ، والهدف من منعه ليس فقط بسبب الاختلافِ حوله، ولكنْ لحمايةِ الأخلاقِ والأعرافِ، فأعداء الكُتبِ عندما يختلفُونَ معك، يصفُونَ الكتابَ بأوصافٍ عدَّة منها أنَّها كتبٌ شريرةٌ أو سيئةٌ .
نعم الرقابة شبيهةٌ بالشيطانِ منذ عرفَ العالمُ تعبيرَ " رقابة الكتب " بدءًا من سنة 1623 ميلادية، والضعيفُ أو عديمُ الثقةِ في نفسِهِ، وفي مشرُوعِه، هو من يُمارسُ رقابةً ما سواء أكانت جزئيةً أم كليةً .
والرقابة شرٌّ، لا أحدَ يستفيدُ منه، ولا حتى الذي يمارسُها، ففرنسا – مثلا - وقفتْ ضد ديوان " أزهار الشر " للشاعر شارل بودلير، ومع ذلك لم تستطعْ أن تمنعَ أن يكونَ هذا الكتابُ الشعريَّ هو الأولُ لديها، وفي العالمِ، من حيث النشرِ والترجمةِ إلى اللغاتِ الأخرى، لكنَّهُ جلبَ العارَ لقضاةِ فرنسا، وحُمَاة الفضيلة فيها .
والرقابةُ سُلطةٌ أخرى، تُضافُ إلى السلطاتِ الموجُودةِ في البلادِ، تشاركُ فيها جهاتٌ عديدةٌ دينيةٌ وسياسيةٌ ومجتمعيةٌ في الأغلب، وتُمارسُ وصايتَها على الشَّعْب .
إنَّ الرقابةَ ليستْ قتلا رحيمًا، ولكن حقًّا هل يُوجد قتلٌ باسم الرَّحمةِ ؟ أم أننا عندما يُعيينا الشيءُ، نبحثُ في البلاغةِ والمجازِ عن اسمٍ لهُ .
مرَّةً سمعتُ شيخًا مُتحدِّثًا باسم الدينِ يقُولُ : إنَّ المطبعةَ تُهدِّدُ النظامَ الاجتماعيَّ والأخلاقَ والدينَ، ويراها سلفيٌّ آخر إنَّها أسوأ من الدعارةِ، مع أنني أعرفُ أنه يطمحُ لأن ينْشُرَ " مقالاته " في الصُّحفِ .
وفي نهاية المطافِ من يقرأ تاريخَ العالم يعرفُ أنَّ الرقابةَ قد فشلتْ أن تطفىءَ نُورَ الحُريةِ ؛ لأنَّها بنتُ الظلامِ والخوفِ.
_______________________________
= من نص ورقة بحثية للشاعر أحمد الشهاوي حول "الرقابة على الكتاب العربي والحد من الحرية وإعاقة النشر"، يلقيها خلال مؤتمر الناشرين العرب الرابع الذي ينعقد في تونس أيام 9 و10 و11 من يناير الجاري.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة