محافظات

"قرابين الدم" تلطخ أرض الصعيد.. والبحث عن الآثار يحرر أفكار الشياطين في عقول المواطنين

26-12-2017 | 16:16

جثة طفلة

قنا- محمود الدسوقي

تختلف الأحلام من شخص لآخر، وتتنوع وفقًا لبيئة تحقيق الحلم، وبين طموحات للسفر، وتطلعات لوظيفة، وأخرى لمنصب، تبرز في الصعيد أحلام العثور على الـ"لقية".


البحث عن الكنوز أو "لقية الآثار"، أصبح هاجسا في أذهان كثير من أبناء الصعيد، من الراغبين في الثراء السريع دون عناء، باعتبارها هدايا الأرض، ولا صاحب لها –وفق معتقداتهم- لتصبح خطوات رحلات البحث عن الـ"لقية"، والوصول إليها، محفوفة بأخطار، يراق من أجلها "الدم".   

اختفاء طفلة في الصعيد، واقعة تتحرك لها القلوب حزنًا، وعندما يكون القتل سببًا للاختفاء، يثير ذلك الذعر في النفوس، وإن كان فتح "لقية الآثار" دافعًا للقتل، فعندها سنتيقن كيف خربت الأفكار المشوهة و"الخزعبلات" أفكار طبقة عريضة من البسطاء.

حالات قتل الأطفال لفتح "لقية الآثار" أثارت موجة من الغضب لدى الأثريين أنفسهم، الذين طالبوا بإشاعة الوعي لدى المواطنين، وعدم انسياقهم للدجالين والمشعوذين، الذين يتفنون في سلب أموال المواطنين، بحيل "سخيفة"، إحداها تقديم "قرابين الدم" بإزهاق أرواح الأطفال والفتيات، لفتح الـ"لقية"، أو إقناعهم بتربية ثعبان "كوبرى" بمواصفات خاصة، لفتح الكنز الأثري في الأماكن الجبلية البعيدة.

أحداث القتل لتقديم "قرابين الدم"، ذاع صيتها في تسعينيات القرن الماضي، بعد أن تسبب الفقر في تحول عدد كبير من المواطنين بالصعيد للبحث عن الآثار، التي سيحقق الوصول إليها "الأحلام" – بحسب ما يعتقدون- لتظهر في الصعيد 3 طبقات اجتماعية جديدة.

تضمنت الطبقة الأولى في مجتمع الصعيد، الحفارين والمنقبين في بيوتهم، وهى طبقة ترى الحصول على الآثار وبيعها "حلال"؛ لأنها -بحسب وصفهم- نعمة الأرض التي تجود به لهم.

وأما الطبقة الثانية، فيشغلها في الصعيد، المشعوذين ومدعين الشياخة، الذين يمتصون أقوات المواطنين المغيبين، وإيهامهم بأن فتح "اللقايا" يتم ببخور "الطقش المغربي"؛ ليساعدهم على الاتصال بالقرين "الجني"، الذي سيساعدهم على اكتشاف الكنز.

 طبقة المشايخ والمشعوذين تلعب على وتر معتقد قديم في الصعيد، تحاول إحيائه في عقول الراغبين في الثراء السريع، حيث تشير الأساطير، إلى ذبح الفراعنة عبد "خصي" على "اللقية"؛ ليتحول بعدها ذلك العبد إلى شبح حارس، يمنع أي فرد من الاقتراب من الكنز، ولذا يجب الاستعانة بشيخ "مغربي" أو "سوداني" (متمكن في علم السحر المغربي والسوداني لفتح المقابر)؛ للسيطرة على العبد "القرين"، وإزاحته من مكان "اللقية" للوصول إليها.

 

تلك المعتقدات سمحت بالاستيلاء على أموال المواطنين، أو بالأحرى "شقى عمرهم"، بحجة تلبية رغبات "الجني"، الذى يطلب بخورًا بـ"الملايين"، وهي اللعبة الدنيئة التي أفلست الكثير من مواطني الصعيد .

الطبقة الثالثة، هي طبقة الوسيط أو "السمسار"، والذي ينشر صور آثار عبر أسطوانات مدمجة على راغبي الثراء، أو من خلال رسائل تطبيق الـ"واتس أب"، من أجل بيع القطع الأثرية.

السماسرة طبقة لها قانونها، فأصحابها يريدون الحصول على الأموال بطريقة ملتوية، وبنود التعاقد تجبر المنسحب على دفع مبالغ مالية، إذا انسحب من الشراء، وللسوق الأخير في الصعيد شيوعا.

ألاعيب سماسرة الآثار، تنطوي على تصوير مقبرة أصلية، ونشرها على أنها للبيع، فيجبر ذلك البسطاء لتوقيع إيصالات أمانة على أنفسهم، ليضمن بموجبها السمسار نصيبه من المقبرة، وبعدها يخادعهم الوسيط بالمقولة التي أصبحت مشهورة " اعتبروني نصبت عليكم"، لتحدث بعدها حوادث القتل في الصعيد.

أبرز طرق نصب السماسرة على المواطنين، الراغبين في الوصول للربح السريع من تجارة الآثار، تبدأ باختيار تاجر أنتيكات وتماثيل، وبعد شراء عدد من التحف منه، يتم دفنها لمدة 5 سنوات في المغارات، وتحت أعماق الأرض، ويزداد الأمر ثقة ي السمسار، عندما يطلب من المشتري، فحص مقبرة الكنز بـ"شيوخ" المشتري، ليفاجأ البائع استخراج مقبرة بالكامل من أعماق الأرض، ويكتشف المشتري شرائه أحجار مزيفة.

الأثري حازم الكريتي أكد لــ"بوابة الأهرام"، إن النصابين من الدجالين ومن هم على شاكلتهم يقنعون المواطنون أن في منزله آثار، يبدأ بعدها الحفر على عمق كبير، لتبدأ بعدها مرحلة الطلبات "التعجيزية"، والتي يأتي على رأسها "قربان الدم"، ليختار الباحث عن الكنز ضحية، غالبًا تكون طفل، لافتًا أن علم الآثار لا توجد فيه مثل هذه المعتقدات، التي يروجها الدجالين في الصعيد.

وأوضح "الكريتي" أن الفراعنة لم يستخدموا مثل هذه المعتقدات، لحماية كنوزهم، لافتاً إلى أن الوعي الأثري، وإقامة ندوات في المساجد والساحات والدواوين، هي الكفيلة بالقضاء علي هذه المعتقدات.

وأضاف أن الظاهرة زادت حدتها في الآونة الأخيرة، في ربوع مصر، ومشددًا على دور الشرطة في تعقب الدجالين، الذين يمتصون أقوات المواطنين، ويقنعونهم بأشياء لا ترضي الله، ولا يقبلها شرع و لا عقل.

وأوضح الأثري فرنسيس أمين لــ"بوابة الأهرام"، أن هيردوت "أبو التاريخ"، أكد في زيارته لمصر، أن الفراعنة لا يستخدمون "قرابين الدم"، ورغم ذلك يقنع الدجالون ضحاياهم بسفك الدماء.

ونوه بأن هناك قصة مشهورة حدثت في سوهاج، منذ 15 سنة، حين استطاعت الشرطة بصعوبة تخليص طفل يبلغ من العمر عامين، من أيدي نصابين يريدون سفك دمه لتقديمه كقربان .

وأشار "أمين"، إلى أنه قديمًا لم تكن هذه العادة موجودة في مصر، بل إن الأثريين القدامى في مصلحة الآثار، كانوا ينشرون خريطة للأماكن الأثرية في كافة ربوع مصر، ولافتًا أن حيل الدجالين هي التي أدت لشيوع هذه الظاهرة، التي لابد من تضافر الجهود والتكاتف للقضاء عليها.

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة