آراء

المرأة العربية في سجون غير مرئية

11-12-2017 | 18:29

بلقيس، كليوبترا، زنوبيا: ملكات كن فاعلات في تغيير مسار التاريخ، لكن حفيداتهن من النساء العربيات، في العصر الحالي، يشهدن مصيرًا مختلفًا، يشبه العصور الجاهلية، حيث يتعرضن لأشكال متعددة من العنف، والاغتصاب، والاتجار على أيدي جماعات متطرفة، في ظاهرة لم تعرفها مجتمعاتنا من قبل.


التمييز، والقيود على المرأة، وسط النزاعات في القرن الواحد والعشرين، تزداد شيئًا فشيئًا، فتزداد نسب الفتيات اللاتي يتم تزويجهن قسرًا أو في عمر مبكر بحجة حمايتهن، وتعمل المرأة بشكل مضاعف في تلك الفترات العصيبة، داخل المنزل وفي القطاع غير الرسمي، لسد احتياجات الأسرة.

هذا التمييز مرده اختلافات مرتبطة بواقع المرأة ومكان ولادتها، ونشأتها؛ لذلك يتبين أن المرأة العربية التي ولدت في الريف، تملك خيارات حياتية قليلة: فرصها في التعليم أقل من فرص مثيلتها في المدن، نصيبها من استهلاك الأسرة يكاد لا يُذكر، إذ إن الأولوية تكون للرجل والأولاد الذكور، لأنهم يحملون اسم الأسرة، بالإضافة إلى الاعتقاد السائد بأنهم عصب العائلة، علمًا بأن المرأة الريفية تعمل في المنزل والحقل أكثر من ستة عشر ساعة في اليوم الواحد.

أما في حال ولدت المرأة وعاشت في مناطق نائية أو في البادية، فإنها ستواجه مشكلات أكثر تعقيدًا من حيث حصولها على الخدمات الصحية والتعليمية، وعدم إتاحة الفرصة لها للخروج من منطقتها، مثل أقرانها من الرجال، فتقبع هناك كما لو أنها في سجن من دون أسوار أو حراس.

السجن، غير المرئي، يلاحق المرأة العربية التي تسكن في المدن أيضًا، حتى لو كانت تنتمي إلى أسرة غنية، ونالت قدرًا أكبر من التعليم، إذ يطاردها التمييز لسبب واحد: إنها امرأة، وهذه قناعة ترسخت بسبب العادات والتقاليد التي تعيقها عن ممارسة حقوقها، والتمتع بالمواطنة الكاملة.

وفي حال تمكنت المرأة المتعلمة من الإفلات من القيود التي تعيشها المرأة الريفية، فإنها تعاني من عدم قدرتها على التمتع بالمواطنة الكاملة، ومن غياب قوانين تحميها من العنف الزوجي، وتواجه قوانين تمييزية تمنعها من منح جنسيتها لأبنائها من زوج أجنبي.

التمييز ضد المرأة العربية يمنعها من استثمار تعليمها، وفي بعض الدول العربية ثمة مصارف تمنعها من فتح حسابات مصرفية لأبنائها، بالإضافة إلى أنها غير مخولة لإبرام أي عقد ولا يُسمح لها أن تسافر من دون إذن زوجها، أو وليّ أمرها.

أما المرأة الفلسطينية، التي تعيش تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود من الزمن، فهي تعاني انتهاكات يومية لأبسط حقوقها، من جانب المحتل، بما في ذلك العنف الممنهج ضدها.

فالعدوان الذي تشنه إسرائيل يخلف دمارًا واسعًا، يعاني من آثاره جميع أفراد المجتمع الفلسطيني، لكن معاناة النساء تكون مزدوجة؛ حيث يؤثر عنف الاحتلال على زيادة العنف المنزلي، وانخراط النساء بشكل أكبر في أعمال الرعاية المقدمة لأفراد الأسرة، وارتفاع معدلات البطالة بين النساء.


إذن فمن الضروري الاعتراف بأنه على الرغم من التقدم المشهود في حصول المرأة على حقوقها الآونة الأخيرة، فإنه لا تزال المرأة العربية أقل حظًا من مثيلاتها في مناطق أخرى من العالم، ومشكلاتها متشابهة ما بين البلدان العربية المختلفة، تزداد حدتها وفقًا للواقع الاجتماعي والاقتصادي للفتاة وأسرتها.

وسط ذلك التأرجح، يُطرح سؤال أساسي: متى تدرك الحكومات العربية أن واقع المرأة في منطقتنا ما عاد يُحتمل، اجتماعيًا واقتصاديًا، وأنه ينبغي التعامل معه بشكل منطقي يضمن الاعتراف باحتياجاتها وأولوياتها؟


كاتبة المقال:
مديرة مركز المرأة التابع للإسكوا

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة