آراء

في نور 12 ربيع الأول.. نعم.. أنت فينا يا رسول الله (2- 3)

28-11-2017 | 00:23

(4)

سيدي.. يا أيها المدثر.. دثرنا بصلاتك أو بعض صلاتك.. فإن في صلاتك ما يمنحنا العفو والعافية والمعافاة.. ويعزز فينا الحياة.. صل علينا يا سيدي، ربما تنشرح صدورنا التي تجثم فوقها كوابيس اللامبالاة.. صل علينا لنتدثر، ونخبئ سوءات تقصيرنا وعورات قصورنا، فلربما نستحي، وأنت مبعوث السماحة والصراحة والهداية والعناية والرعاية والإنزال والتنزيل والبلاغ والتبليغ.

(5)
نعم.. أنت فينا يا رسول الله.. مهما يزعمون أنهم أخرجونا من التاريخ.. وصيرونا جزءًا من الجغرافيا.. وجعلونا رقعة مكدسة مزينة ببعض المال والنفط.. لكن: أي تاريخ هذا؟ وأي جغرافيا هذه؟ وأي حضارة تلك التي تسكر على دماء الدول وأحشائها.. إنه لشرف - لو نعلم - عظيم، أن أخرج كإنسان مسلم من هذا التاريخ الذي لابد وأن يسقط من حساب البشرية وحساباتها حين يتحدث التاريخ الحقيقي.. وينطق التاريخ الحق.. بالحق.. وصولا إلى الحقيقة!

لقد تشكلت مؤخرًا جبهات لا حصر لها هنا وهناك وفي أوروبا وأمريكا؛ للوقوف في وجه المد الديني في مختلف أنحاء العالم، ونشرت الصحف الأوروبية أن محفل الشرق الكبير الماسوني سينظم اجتماعات ومؤتمرات ومسيرات لحماية العلمانية، أمام تطور الحركات الإسلامية، واختزلت الإشكالية في السؤال: دين أو لا دين!

وصرح بيير راغاشي «الأستاذ الأعظم» للمحفل الماسوني بأن العلمانية والليبرالية تتعرضان لهجوم مكثف من قبل الأديان، وأنه تقرر تشكيل الجبهة العلمانية ضد الجبهة الدينية، وهذه الجبهة العلمانية تتشكل من بعض الاشتراكيين واللادينيين ومؤيدي الفكر الإلحادي والماسونيين وقادة نوادي الروتاري والليونز وما شابهها (!!)..

وها هو مستشار الرئيس الأمريكي، يلقي القفاز القبيح في وجوهنا، قبل أيام، ويقول بالحرف الواحد: (الإسلام سرطان خبيث في جسد مليار و700 مليون إنسان على كوكب الأرض، ويجب استئصاله، كما فعلنا مع الشيوعية والنازية...)!!! هكذا بلا حياء أو خجل.. يثرثر هذا المستشار الأعجوبة!! مع أنهم هم السرطان الخبيث الذي يزحف في شرايين العالم، بل في جنبات الكون كله.

(6)
هذه واحدة من التحديات الكبرى التي تواجهني كإنسان مسلم لا يعادي أحدًا، لكنه يتخذ من السماحة نورًا وسراجًا للسير في شارع العصر الحديث بانفعالاته وتفاعلاته وتكتلاته، إنهم هم الذين يشعلون الصراع معي، فأنا المسالم لا الاستسلامي، هكذا علمتني يا سيدي.. فالثأر الحضاري لا يزال موجودًا.. وعلى سبيل المثال في أوروبا في العصور الوسطى كانت تعيش مقطوعة الأنفاس من الهلع - كما يصفها المحللون - لأنهم ظنوا أن القيامة ستقوم في ذلك اليوم (سنة ألف) بينما كان (ابن سينا) قد فرغ من العلوم كلها، وأعلن أنه لم يتجدد له بعدها شيء.. وفي وقت أصدرت فيه الدومينيكان بأوروبا قرارًا بتحريم دراسة الفلسفة وتعاطي الفنون والعلوم كان (البيروني) يعلن نظرية أن الأرض تدور حول الشمس، والتي قال بها بعده (كوبرنيك)، وكان (الحسن بن الهيثم) يكتب للناس قوانين الضوء ويجرب التجارب على المرايا والعدسات المخروطية وعلى آلة التصوير، بينما كان نبلاء أوروبا يتهربون من الفن العسير الذي هو: القراءة والكتابة!! مثل هذه التحديات وما أكثرها هي التي يجب أن تشغلنا فننشغل بها بدلا من الانشغال والمشاغلة في أمور تستهلكنا، وبأمور تدمينا، وتلقينا تحت سنابك العصر، الذي لا يعترف إلا بالقوة.. والقوة لم تعد قوة عضلات ولا قوة رصاص.. القوة قوة العقل والفكر والانتماء لا قوة الديناميت.

أنا يا سيدي لا أقف على الأطلال وأبكي على الآباء والأجداد، ولكني اتكئ على جداري الحضاري الذي لا ينقض ولا ينبغي له.. وهذا من حقي الآن إلا قليلا..
(7)
نعم.. أنت فينا يا رسول الله.
إن فينا من يهرب إلى القرن الأول الهجري، ويحاول أن يعيش قرنه الحالي بمقاييس الماضي ومعايير الموروث، لكن فينا أيضًا من يواجه تحديات العصر، ولا يهمل الزمان ولا المكان، ولا يغتال التاريخ ولا يسقط العقل، هذا موجود وذاك أيضًا، إنه فعل وتفاعل وانفعال، المهم أنه داخل الذات الواحدة! وأما الفقهاء والمفسرون، فكلهم، إلا قليلا، لا يريدون لـ"الكتاب الإلهي العظيم"، أن يتفاعل مع العصر الذي نعيشه، مع أن كل الاكتشافات العلمية والكونية لها أصولها وجذورها في في "القرآن الكريم"، وكلما ظهر كشف جديد، يقولون هذا موجود عندنا.. كيف؟! ولماذا لم تعلنوه؟.. وغاية قولهم ـ القول فقط إن "القرآن الكريم" صالح لكل زمان ومكان! والبعض حين يفسر ينثر الآيات نثرًا إنشائيًا، مجرد شروحات لغوية، والبعض الآخر يتوارى خلف أستار القدماء قال فلان، وقال فلان، عن فلان، أما ماذا يقول هو.. فلا جواب!! والبعض لايزال يقرأ علينا تفسير أن المطر هو دموع المظلومين حين يشكون إلى السماء!! وأن احتجاب المطر وندرته إنما هو غضب من الله علينا لسوء أخلاقنا!

ولكن برغم كل ذلك، يا سيدي، لدينا من أهل العلم أجيال جديدة تمثل الضفة الأخرى، وتجعل أمورنا أكثر استواء، تتواصل مع الأصيل من القديم، وتتفاعل مع العصر الحديث، حين تمزج العلم بالإيمان، تخرج "القرآن العظيم" من دفتي "المصحف" وتنظر به إلى الكون وتناظر به من يتحاورون مع الأسرار الكونية أو يحاولون.

وفينا من يطلب يغتال الحاضر ويطلب اللجوء إلى الماضي، فيمكث فيه كسلانًا فكريًا، لكن أيضًا فينا من يقدم قراءة معاصرة ل"القرآن الكريم" وفهمًا معاصرًا للسنة، ويكفي أن الخيط القوي الواصل بين السلف والخلف هو التوحيد.

وفينا من يستسلم لمحاولات فك العقل الإسلامي وإعادة تركيبه، ومحاولة صياغته من جديد لصالح الخصوم، لكن فينا أيضًا من يتحدى ويتصدى ولهذه الألاعيب التي تبرق فجأة لتحترق فجأة، وفينا من جمد فكره فتجمد! وفينا أيضًا الذي ينهض ويركض بمرجعيته العرفية والمعرفية، ولكل مرحلة مصابيحها، ولكل حلبة فرسانها.
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
ولا نزال مع وهج ربيع الأول

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د.مجدي العفيفي يكتب: ولا تزال البقية تتجلى عليها..!

اغتصبتها الدنيا كثيرا.. فكانت تقاوم بشق النفس.. راودتها الأيام عن نفسها.. فكانت تستجيب إلا قليلا.. تقاذفتها الأيام على أمواجها..

د. مجدي العفيفي يكتب: نفحات من نار .. ولفحات من نور..!

يحكى أن أهل قرية ذهبوا لصلاة الفجر ولم يعثروا على المؤذن، فأذن أحدهم وقاموا وصلوا وبعد بزوغ الشمس أتى المؤذن مهرولًا نحو المسجد وعندما سألوه عن سبب التأخر

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (3 - 3)

و... في هذه المسافة بين نقد الذات وجلد الذات يتحرك دائما فريقان متضادان، لا يجتمعان ولا يتقابلان، لكن لابد منهما معا، كواحدة من الثنائيات المتعارضة في الحياة وطبيعتها التي تحير ذوي الألباب.

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (2 - 3)

مزعجة إلى حد التقزز الفكري.. ومثيرة إلى حد الغثيان النفسي.. تلك البوستات والكتابات المنتشرة على العديد من صفحات ومواقع الميديا من فيس بوك، وتويتر، وواتس

د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة