ثقافة وفنون

واقع الشرق المكابر

4-11-2017 | 16:53

لوحة للفنان الإسباني إستيبان فرانسيس

عبد المجيد محمد خلف

في المجموعة القصصية "حـ R ب" للشاعر والقاص العراقي أحمد جار الله ياسين الصادرة عن مؤسسة "البارون" للنشر الإلكتروني نرى وجوه هذه القصص متعبة كتعب القضية التي تحملها، وتعب الأجساد من عدم القدرة على التباهي بالصبر أمام مشاق الحياة، وصعوباتها، التي رسمت ملامح التشوه، وآثاره في كل الوجوه، فاستحالت أخاديد عميقة، يعجز صاحبها عن إخفائها أمام مرآة، تصدعت هي الأخرى، من مواقف سحلت بريقها، وحولتها مع الوجوه التي تنظر إلى نفسها فيها كل صباح،لترى كتلاً هلامية متصدعة، لا وجود لها، ولا حياة، إنما هي مسخ، وبقية باقية من دفاتر لاكتها الألسن، وتناولتها الشفاه، لتترك المِزق منها فقط، على قارعة طريق تذروها الرياح في كل مكان.


هي إذن واقع الشرق المكابر، وجع ذاكرة باتت عاجزة عن حمل المزيد من مشاهد وصور الألم، ذاكرة أصيبت بالتخمة، وانتفخت، مثل ذلك الانتفاخ، والتورم الذي أصاب صاحبه في قصة "كرات الحزن"، ذاكرة أصابتها الشيخوخة، والهرم، بما حملته في داخلها من هموم وآلام تستعصي على الحل، حتى الصبر ما عاد ينفعها، فحوّلتها إلى عجوز ضائعة، وهي في رونق شبابها، ولكن ماذا تفعل قصة "عادات".

الضياع، والاغتراب بكل أشكاله: (النفسي- الاجتماعي- الجسدي)، يسكن قاع هذه القصص، ويدفع بالشخصيات إلى السقوط في فخ كبير، فخ الوطن المنهار، والمتهدم، فخ الوطن الذي فتح أبوابه للقتل والنهب والجلد والسطو على تلك الأرواح البريئة، التي بقيت عارية من كل شيء يستر ربما به عريها، في ذلك الفضاء المفتوح نحو سماء لا نهاية لها.

تتنوع المواقف، وتتعدد في كل قصة، وهي مبطّنة بمرارة ممزوجة بسخرية مُرّة، تبعث على الألم والشقاء؛ ففي قصة "عادات"، ينقل لنا صورة للوطن الذي أمعن في ممارسة الظلم على أبنائه، حتى أوصلهم إلى حافة الموت والانتحار، والرغبة في الخلاص - من دون ذنب- والقلق الوجودي المرافق للإنسان أينما ذهب وحل ليحكم عليه بالخيبة والانتكاس والتعب، يحوله إلى تمثال هو الآخر، يضاف إلى قائمة الناس الذين تحولوا مع قبورهم إلى تماثيل جامدة، والفرق هنا واضح، فالذين ماتوا ارتاحوا بصعوبة من الحياة، وهذا يذكرنا بقول للشاعر محمود درويش "الذين ماتوا تخلصوا بأعجوبة من الحياة".

أما البطل هنا، فهو ما زال يكافح ليموت ويلحق بهم؛ من أجل الخلاص من قلقه الوجودي، وموته اليومي في كل حادثة وموقف.

وقصة "كرات الحزن" هي تلك النفس البريئة التي امتلأت بالأحزان التي جعلتها تنتفخ دون توقف، حتى باتت الغرفة عاجزة عن الصمود أمام انتفاخ صاحبها، وعاجزة عن احتوائه، هذا الرجل الذي انفجر في لحظة ما، فأغرق الغرفة، والجميع في الحزن، ليطال الانفجار الحي والبلد بأكمله، ويحولهما إلى لون يطغى هو عليه، فالكل مريض، عاجز، متألم، لكن ما من أحد يستطيع إخراجهم مما هم فيه؛ لأن الوطن نفسه تحول إلى مقبرة كبيرة لا متناهية.

وبشكل عفوي غير متوقع، يروي لنا صورة إنسان، يتحول بسلوكه المعتاد إلى صورة، ولوحة غير مرئية، لوحة عفوية، انسيابية، دمية تتحرك في كافة الاتجاهات، وهي تمثل كل البشر الذين يركضون صباح مساء خلف لقمة العيش، ويخرج إلى جميع الأماكن ضائعًا، دون أن ينتبه إليه أحد، حتى في موته، ويطلب منا أن نراقب بعضنا بعضًا، وأنفسنا لندرك مدى الضياع الذي يلفنا، ويحيط بنا من كل جانب، ونعيشه، والفوضى المتجذرة فينا، حتى آخر لحظة في حياتنا.

وفي "سيرة ذاتية لرجل قرن العشرين" يدأب على نفس المنوال، في نقل صورة لشخص هلامي، كتلة جسدية فقط، له وجود جسدي في كل مكان، أما الروح فهي طائرة في عالم غير عالمنا، حتى لحظة الرحيل عنه، ليستقر ربما في فضاء آخر، فيشعر بوجوده.

أما قصة "أخطاء" فتروي لنا أشياء بسيطة، تجري معنا في الحياة اليومية، لكنها جد مهمة، وتتسب بكوارث حقيقية، إلا أننا لا نعيرها انتباهًا، واهتمامًا، وننسبها في النهاية إلى الخطأ، الذي يصفه بالخطأ الفوضوي، "العابث"، القاتل، ورغم ذلك، ما من أحد يصحح سلوكه، ولو أدى ذلك إلى قتل الناس كلهم، تحت مسمى الأمر، الطاعة، والتقليد الأعمى، ويبقى التنفيذ هو الأهم؛ لإرضاء غرور الكبار، والمسؤولين.

قصص تدور كلها حول فكرة واحدة: هي الكشف عن عالم يمعن في استلاب الذات، ويدفعها إلى الهلاك، التيه، والدوران في حلقة مفرغة، لنصبح كبش فداء في هذه الحلقة، من دون بارقة أمل، توحي بإيجاد حل لكل هذه المحن، والمصائب التي يعانيها البشر في حياتهم.
------
عبد المجيد محمد خلف
(كاتب من سوريا)

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة