آراء

طائر القانون في عنق هؤلاء..!

31-10-2017 | 00:04

ظل طائر القانون يحلق في أجواء الجلسة التي استمرت خمس ساعات.. بسط أجنحته القوية على الحضور، من فقهاء القضاء والقانون والعلماء وأساتذة الجامعات والمفكرين والمبدعين والإعلاميين ورجالات العلم في الكثير والدقيق من التخصصات، وذلك في الصالون الشهري الذي يقيمه الدكتور أحمد جمال الدين موسى، وزير التربية والتعليم ووزير التعليم العالي، ورئيس جامعة المنصورة السابق.

كان المتحدثون ثلة من الرجال الذين يحملون الأمانة القانونية، مثل الدكتور أحمد فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب الأسبق، والدكتور مفيد شهاب، وزير الشئون القانونية والبرلمانية سابقًا، وشارك في الحوار الدكتور سري صيام، رئيس المجلس الأعلى للقضاء السابق، والمستشار يحيى الدكروري، أقدم قاض في مصر.

استقطروا تجاربهم العلمية والعملية، تحاوروًا مع الحضور، تطارحوا الأفكار، تداولوا الرؤى، التي هيمنت عليها عبارة (دولة القانون)، وهي عبارة حمَّالة أوجه، حسب المنظور والنظرة، برغم دقة الأداء في الفكر القانوني الذي تجاذبت أطراف الرداء.

في دائرة عنوان الصالون «دولة القانون الأسس والمتطلبات». انسابت الأطروحات، كل كلمة لها وزنها، وكل جملة بمقدار، وكل فكرة بقدر.. صحيح أن الموضوع المطروح للنقاش والحوار واسع وشاسع، ويستدعي جلسات للإحاطة به، إلا أن محاولة تكثيفه من قبل الدكتور أحمد جمال الدين، الذي أدار الحوارية القانونية.. كانت ماهرة، فهو أيضا رجل قانون.

تتجلى أهمية هذا الطرح، في أن حاجتنا إلى القانون الذي يضبط إيقاع المجتمع، وحراك ما فيه ومن فيه، روحًا وتنفيذًا.. شديدة، وتصبح أشد في ظل غياب الثقافة القانونية التي أشار إليها المتحدثون، وألمحوا إلى أن تغييبها يساهم في انفراط عقد المجتمع، الذي نتمنى ألا ينفرط، ومن ثم، كان تأكيد أهمية إعلاء دولة القانون، وتطبيقه على الجميع، دون تفرقة بسبب الجنس أو الدين أو المركز الاجتماعي، وكان الضغط على فكرة أن سيادة القانون هو أساس تقدم الدول، ورفاهية الشعوب، مع ضرورة تفعيل الدستور، وإصلاح البنية التشريعية، وتنقيتها..

في هذا السياق، استقطبتني أكثر من عبارة من قبيل:

القانون يجب أن يكون كالموت لا يستثنى منه أحد.. إصلاح الدولة يبدأ من إصلاح القضاء.. الاهتمام بتكوين القاضي في جميع مراحل نموه.. اعطني قانونًا ظالمًا وقاضيًا عادلًا، أُعطك قضاءً عادلًا، وأعطني قانونًا عادلًا وقاضيًا ظالمًا أُعطك قضاء ظالمًا.. سيادة القانون ليست في التشريع إنما للقانون، ولا تتحقق إلا بتطبيق مبدأ التناسب بين الظروف والحكم القانوني..

ومن المشكلات العنيدة والعتيدة التي طرحت على بساط البحث والجدل الإيجابي:

كاتب المحكمة لا يزال يكتب الجلسات والأحكام بخط يده.. ولك أن تتخيل نتائج وآثار ذلك على طريقة (سقط سهوًا...) المباني لا تنسجم مع المعاني.. النقض وتداعياته وإرهاق القضاة.. ثقوب غزيرة وثغرات كثيرة في الثوب الدستوري.. الحصانة وسوء استغلالها خارج دوائرها المشروعة.. و..و.. وكلها أمور غاية في الأهمية والخطورة، زادت من حمية الليلة القانونية، فحميت القاعة، حتى إن الدكتور أحمد جمال الدين، قد أشعل أجهزة التكييف، برغم أن طقس «التجمع» الآن بارد ليلا..!.

تكاثرت ثقافة الأسئلة.. كل لديه علامات استفهام قلقة.. كل يريد أن يطرح مداخلته.. فالشوق إلى لغة القانون وتجليات روحه.. كان عنيفًا.. وكان القاسم المشترك في أشواق الحوارية هو: تنفيذ القانون، إذ أجمع الحضور على أن تنفيذ القانون أهم من إصداره، فما أكثر القوانين في مصر، ولكنها لا تطبق على أرض الواقع، وأن الظروف الاقتصادية الصعبة للدول لا تمنع من التزام المواطنين بالقانون.

وتلكم هي المعضلة فعلا.. إن لدينا قوانين تنظم حركة عالم بأكمله، لكن الإشكالية تكمن في الأدوات، وقوة التنفيذ، وبدونها تصبح القوانين حبرًا على ورق، وتتجمد الأحكام الصادرة إلى درجة الصفر، وتفسح المجال للسؤال المجتمعي (الماكر): قوة القانون أم قانون القوة؟

وطوال الحوارية القضائية والقانونية، كان يخيم علىَّ سؤال استنكاي أكثر منه سؤالا استفهاميا، وقد طرحته على الأساتذة:
لدينا كل هؤلاء الأساطين في القضاء والقانون   والفقه الدستوري   وكل مفردات  المنظومة، ويحدث التناقض في القوانين، والتضارب بينها، والتجاذب والتنافر والتقاتل.. والمفارقات كثيرة .. وكلها تجعلنا نتساءل في دهشة مقرونة بالحيرة.. لماذا لا تكون الأمور «مُحكمة»؟ ولماذا لا تبتعد عن أن تكون «متشابهة»؟

هذه واحدة والثانية.. كيف يكون لدينا كل هذه القامات القضائية والمقامات القانونية، ومنهم من صاغ دساتير وأنظمة قانونية لكثير من الدول - وكنت شاهدًا وشهيدًا على هذه العطاءات طوال إقامتي خارج مصر أكثر من عشرين عامًا - ثم نعدم الإحكام في دستورنا مثلا؟ برغم أن كثيرًا من الشعوب، تدفع الدم والدموع من أجل دساتيرها لا من أجل قوانينها؟ والمفترض أن الدستور في أي دولة، لا يتغير إلا بعد نصف قرن، فما بالنا نريد «كل شوية» نغير ونبدل.. وكأن هناك «مآرب أخرى»؟!

إن لدينا «أساتذة» حقًا وحقيقة.. وإن فينا رجالًا بلغوا من العمر القضائي مبلغًا هائلا، وما وهَـن العظم القانوني منهم، ولا اشتعل الفكر لديهم إلا توهجا وعطاء غير محدود.. فلماذا لا نستثمر هؤلاء الرجال بعيدًا عن المناصب الزائلة والكراسي المتحركة؟ وقس على ذلك في جميع المجالات والحقول المجتمعية، لماذا نجمد هذه القدرات والخبرات والإمكانات والطاقات، بل ونزيدها تجميدًا بالتصنيفات المذهبية، ونخنقها بالأيديولوجيا الضيقة؟.

كلهم من المجتمع وإليه أيضًا.. والعمر الحقيقي لا يقاس بآلة الزمن إنما بغزارة العطاء من عدمه..

من يمنع..؟ ومن يمنح..؟

تلكم هي الإشكالية..

فهل من مدكر؟!!

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د.مجدي العفيفي يكتب: ولا تزال البقية تتجلى عليها..!

اغتصبتها الدنيا كثيرا.. فكانت تقاوم بشق النفس.. راودتها الأيام عن نفسها.. فكانت تستجيب إلا قليلا.. تقاذفتها الأيام على أمواجها..

د. مجدي العفيفي يكتب: نفحات من نار .. ولفحات من نور..!

يحكى أن أهل قرية ذهبوا لصلاة الفجر ولم يعثروا على المؤذن، فأذن أحدهم وقاموا وصلوا وبعد بزوغ الشمس أتى المؤذن مهرولًا نحو المسجد وعندما سألوه عن سبب التأخر

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (3 - 3)

و... في هذه المسافة بين نقد الذات وجلد الذات يتحرك دائما فريقان متضادان، لا يجتمعان ولا يتقابلان، لكن لابد منهما معا، كواحدة من الثنائيات المتعارضة في الحياة وطبيعتها التي تحير ذوي الألباب.

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (2 - 3)

مزعجة إلى حد التقزز الفكري.. ومثيرة إلى حد الغثيان النفسي.. تلك البوستات والكتابات المنتشرة على العديد من صفحات ومواقع الميديا من فيس بوك، وتويتر، وواتس

د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة