ثقافة وفنون

الاستثمار في الثقافة والتعليم

24-10-2017 | 08:14
الاستثمار في الثقافة والتعليمجامعة - أرشيفية
د.محمود الضبع

لماذا لا نستثمر في الثقافة والتعليم؟


هل لأننا لا نعرف أن حجم ما يحققه هذا الاستثمار يفوق بمرات حجم الاستثمارات في مجالات أخرى، وهو ما تؤكده التقارير والإحصاءات والدراسات ذات الصلة؟

هل لأننا لا نستطيع استيعاب مفاهيم التنمية البشرية المرتبط بالتعليم ، وما تؤدي إليه من رفع معدلات الإنتاج والتخفيف على كاهل الحكومات والدول ، وبالتالي خفض معدلات الإنفاق، وبخاصة في الأمراض والكوارث الناتجة عن الجهل وتدني مستويات المعيشة؟

هل لأننا نتصور خطأ أن مفهوم الاستثمار يقتصر على الصناعات المادية والأعمال التجارية وما يتعلق بالمال واستثماره فقط؟

وماذا لو عرفنا أننا نحيا العصر الذي يسمى "عصر المعلوماتية"، حيث المعرفة قوة ، والمعلومات قوة ، والفكر قوة ، وجميعها يباع ويشترى، وتقوم عليه صناعات ومنتجات مادية وغير مادية، وأن ذلك جميعه مصدر دخل أساسي من اقتصاديات الدول المتقدمة؟

ثقافتنا ثرية، متعددة العناصر، فيها المادي وغير المادي، وفيها التنوع والتعدد، وعليها تقوم حركة اقتصاد جزئية موسمية أو مستمرة في غياب تام لدور الدولة.

ثقافتنا فيها الصناعات والحرف اليدوية ، والتي يقدرها العالم الآن ويهتم بها ، ويتداولها في شغف وسعادة ، ربما رغبة في الارتباط بالماضي ، أو حبا في صناعة متقنة ، أو غيرها من أسباب لا يعنينا فيها سوى التدليل على أن صناعاتنا اليدوية وفنوننا وحرفنا لها أسواق عالمية لو استطعنا إدارتها وإنتاجها ثقافيا.

ثقافتنا فيها الصناعات الصغيرة المنتجة، والتي استثمرت مثيلاتها الدول المتقدمة ، ليس في زيادة معدلات الإنتاج فقط من خلال تطوير هذه الصناعات لديها ، وإنما أيضا من خلال الاستثمار في إنتاجها ثقافيا ، ليفتح لها أسواقا عالمية وفضاءات أوسع.

ثقافتنا فيها الفنون الشعبية ومظاهر الاحتفالات الدينية والاجتماعية ، وطقوس الزواج والموت والولادة ، وغيرها مما يستثمر العالم مثيلاته ثقافيا ويحقق من خلاله الأرباح الوفيرة.

ثقافتنا فيها ملايين الأبحاث العلمية حبيسة الأدراج، وملايين براءات الاختراع المسجلة على الورق فقط ، غير أنها لا يتم استثمارها ، في حين يستثمر العالم في مثل هذه الأبحاث والبراءات ، وتعمل الحكومات بنفسها على إحداث هذا التواصل بين البحث العلمي والسوق (المصانع والشركات وكل عناصر الإنتاج).

ولا تنفصل الثقافة عن التعليم، فدورهما متكامل ومتقاطع ومتواصل، وكل منهما لا يمكن أن تتحقق أهدافه ما لم يكن هناك تنسيق بين ملفيهما.

فلكي يكون التعليم استثمارا ، لابد من دراسة تجارب دول عديدة من حولنا نهضت حركاتها التعليمية ووصلت بها إلى أن يكون التعليم استثمارا منتجا ، وبخاصة الدول التي بدأت تجربتها قبل خمسين عام فقط (الصين ، ماليزيا ، سنغافورة ... إلخ).

هذه التجارب ستشير لنا إلى عوائد الاستثمار في التعليم على الفرد ، والمجتمع ، والدولة ، والاقتصاد ، ومفاهيم التنمية ، والتقدم العالمي .

فعلى مستوى الفرد ، من المعروف أن التصنيف الطبقي للمجتمع يكون على أساس الوظيفة أو الثروة ، وإن كان العامل الاقتصادي يظل هو الأساس ( طبقة فقيرة ، طبقة متوسطة ، طبقة غنية) ، ومعروف أن الانتقال الطبقي بينها لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تكوين ثروة ، أو رفع المستوى التعليمي ، والأخير هو الأهم ، لأن المال بلا علم نقمة ، والعلم بلا مال كفيل بأن يحقق التنمية لصاحبه ، ليس فقط في اعتماده على الدولة لتوفير وظيفه ، ولكن لقدرته على استخدام عقله العلمي في خلق أعمال تكفل له ولمن حوله حياة كريمة ، وتحقق لهم مفاهيم التنمية.

ولننظر حولنا إلى الدول التي يحصل مواطنوها على تعليم جيد ، ونتأمل مدى التحضر الإنساني ، وكيف يتحول هؤلاء المواطنين لعناصر إنتاج ، وكيف يندمجون في مفهوم الدولة ، ويعتزون بانتمائهم لها ، على الرغم من وجود معدلات لارتكاب الجرائم في هذه الدول ، ولكن أيضا هناك التزام قانوني يحكم الجميع.

وعلى مستوى المجتمع يمكن ملاحظة الفرق بين التجمعات السكنية المتعلمة ، والتجمعات التي لم يحصل أفرادها على تعليم ، ومقارنة معدلات الجريمة بينهما ، ومعدل انتشار الأمراض ، وحجم فرص العمل ، وغيرها من ملامح تكشف عن مدى الخسائر التي تتكبدها الدولة بسبب غياب التعليم أو الرضا بالتعليم الرديء.

وهكذا الأمر في معدلات الاقتصاد والتنمية ، إذ يعمل الحاصلون على تعليم جيد في مهن ووظائف تحقق دخولا للدولة من خلال دفعهم لحركة الإنتاج ، أو من خلال الضرائب والتأمينات التي يسددوها للدولة ، أو من خلال تشغيلهم لدوائر عديدة من حولهم عبر حركة التداول اليومية للحصول على احتياجاتهم أو تسيير أعمالهم ، وبالتالي فإن ارتفاع المستوى العام لأفراد شريحة من المجتمع ، يصب في نهاية الأمر في اقتصاد الدولة ، ويحقق لها التقدم.

وأما البحث العلمي فمن المعروف أن العالم الآن تحول إلى ما يسمى "اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي" ، حيث البحث العلمي منطلقا أساسيا لتحول الاقتصاد من الاعتماد على الريع أو الإنتاج، إلى الاقتصاد المعرفي الذي يعتمد بدائل عديدة ومتطورة بعد أن يخضعها للبحث والدراسة ، ومن خلال دعم البحث العلمي وتبنيه في الإنتاج محليا أو الاستثمار به عالميا ، وإن كانت الدول تفضل الإنتاج لما له من عوائد اقتصادية في رفع الصادرات وتقليل الواردات ، وما لذلك من أثر على تقييم المركز الاقتصادي العالمي.

الاستثمار في التعليم والثقافة أصبح من المنطلقات الأساسية للدول ، والسبيل الأوحد لحل كثير من المشكلات المستعصية ، مثل مشكلة الإرهاب ، والبطالة ، وتدني الاقتصاد ، والانهيار الأخلاقي ، وانتشار الأمراض والأوبئة ، وغيرها مما تهدر الدولة فيه الجهد والمال ثم لا تجد في نهاية الأمر سوى العودة للطريق الصحيح وتبني ملف التعليم والثقافة ليكون المنطلق.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ ايضا:
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة