آراء

نقد الذات.. لا جلدها!

21-9-2017 | 00:00

الاعتماد على الذات كفرد وكمجتمع وكدولة، هو عين الحقيقة، وعلينا أن نتذكر ونعي ألا نعتمد على أحد كثيرًا في هذه الدنيا، فحتى ظلك يتخلى عنك في الظلام..


لقد أتى علينا حين من الدهر، كدولة من دول العالم الثالث، فارتمينا في حضن روسيا وأيديولوجيتها فأذاقتنا الجوع والفقر مع الأحلام الوردية والطوباوية، وكان المد الشيوعي البغيض، وأتى حين آخر من الدهر ارتمينا في حضن أمريكا فـ«نغنغتنا» وأكلنا وشبعنا، لكنها امتصت دمنا أوردة وشرايين، كما شرح لي ذلك أحد وزراء الخارجية المصريين في نهاية عقد السبعينيات الماضي.

لا هذا نفع ولا ذاك.. ولن.. لماذا؟
لأن جذورهم في الهواء، فالذين يؤمنون بأن قوة واحدة في العالم تكفي أكثرهم لا يعقلون، والذين يبيعون لنا الوهم كلهم خاسرون، والذين يعلنون أنهم (الأعلون)، وأنهم المخلصون لنا من براثن الجهل ثمنهم لا يساوي جناح بعوضة، فلا يمكن للظل أن يستقيم والعود أعوج، غير أن المفارقة تبدو في أن هذا الشبح القطبي يطغى اليوم ويطفو على السطح مرة أخرى، وإن كان استنساخ التاريخ أكذوبة، فالتاريخ لا يعيد نفسه وأحداثه لا تتكرر، ولا ينبغي، انظر إلى منطقة الشرق الأوسط، أو «الشر الأوسط» كما يريدون له.. هل يمكن..؟ شاركني الجواب، فالبداية ملزمة، والعندية مهلكة.

نحن المجتمع والدولة.. نحن الوطن والمواطن.. الكل في واحد، أو ينبغي ذلك.. الانطلاق لابد أن يكون من اللحظة الراهنة.. سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا، الانطلاق من الذات فردية وجمعية، الاعتماد على قوتنا مهما كانت منهكة، الضعيف يقوى، والصغير يكبر، والمريض يشفى، كل شيء هالك والهلاك توليد، وإن في الموت حياة، هذه جدلية الثنائيات، وجدل الأشياء والأضداد، وقانون الزوجية.

تشخيص الحالة بمعايير موضوعية جزء من علاجها.. والسؤال نصف الجواب..ومعارضتك هي دليل قوتي.. إذا أحبك كل الناس فأنت ضعيف، وإذا كرهك كل الناس فأنت سيء، وإذا اختلف الناس فيك فأنت أنت الرجل، وإذا أحبك الفاسدون فابكِ على نفسك...

سيقول قائل: الكلام جميل، لكن الفعل عليل، فأقول لابد من تلاشي أو تضييق المسافة بين التصورات والتصديقات.. هنا مربط الفرس، وعلة العلل، لابد أن نفعل ما نقول، فإن في ذلك مقتًا كبيرًا بل بغيض.

آن الأوان أن نلعب دور «الفاعل» وكفانا ممارسة دور المفعول فيه، والمفعول به، والمفعول لأجله، ربما نتجاوز عن وصمنا بالوصف الجريح إياه « العرب ظاهرة صوتية».

جلد الذات مرفوض، لكن نقد الذات مشروع، والشك طريق إلى اليقين، والسعي إلى الحق وصولا إلى الحقيقة..

نريد الاعتماد على «البينات» و«الوقائع» و»الحقائق» و«البراهين» و«الأرقام» و«الإحصائيات»..

لا نريد الاقتصاد على طريقة: «حقيقة الفقير أن يكون مغتبطًا بفقره، خائفًا أن يُسلب الفقر» و«إذا شاهدت مطرًا ينزل فاعلم أنه مطر ينزل من محاجر الرحمة لإحياء أراضي القلوب الميتة».

يا عالم يا هووه.. المجتمع في اللحظة الراهنة يحتاج إلى كل ومضة تنوير صادقة صادرة عن فكر حي واقعي، فكر علمي واقع ومن واقع وليس فكرًا ميتًا مأخوذًا عن أموات، يميت القلوب الحية.. المجتمع في أمس الحاجة إلى صحوة قادرة على فرز الغث من الثمين، المجتمع يريد أن ينبض بالحياة والحيوية، ليركض في الأفق البعيد، فلا تلوثوا الأجواء التي يحلق فيها، وكفانا تلويثًا سمعيًا وبصريًا وفكريًا ووجدانيًا وسياسيًا وحزبيًا وفضائيا ودعويًا..

لا تشدوا المجتمع إلى الوراء، فالكثير منكم يدعي أن له فكرًا تقدميًا، لكنه مربوط بألف خيط وقيد في ثقافة التخلف..

كفانا تخلفًا ورجعية، كفانا استسلامًا وانهزامية، كفانا بكاءً على الأطلال والوثنية، كفانا توهانًا في عصر الاستعارة، كفانا بغضًا وتبغيضًا للإنارة والنقد والاستنارة.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د.مجدي العفيفي يكتب: ولا تزال البقية تتجلى عليها..!

اغتصبتها الدنيا كثيرا.. فكانت تقاوم بشق النفس.. راودتها الأيام عن نفسها.. فكانت تستجيب إلا قليلا.. تقاذفتها الأيام على أمواجها..

د. مجدي العفيفي يكتب: نفحات من نار .. ولفحات من نور..!

يحكى أن أهل قرية ذهبوا لصلاة الفجر ولم يعثروا على المؤذن، فأذن أحدهم وقاموا وصلوا وبعد بزوغ الشمس أتى المؤذن مهرولًا نحو المسجد وعندما سألوه عن سبب التأخر

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (3 - 3)

و... في هذه المسافة بين نقد الذات وجلد الذات يتحرك دائما فريقان متضادان، لا يجتمعان ولا يتقابلان، لكن لابد منهما معا، كواحدة من الثنائيات المتعارضة في الحياة وطبيعتها التي تحير ذوي الألباب.

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (2 - 3)

مزعجة إلى حد التقزز الفكري.. ومثيرة إلى حد الغثيان النفسي.. تلك البوستات والكتابات المنتشرة على العديد من صفحات ومواقع الميديا من فيس بوك، وتويتر، وواتس

د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة