آراء

في البيت الحرام.. لحظة التغيير في الأعماق البعيدة ( 2-2)

6-9-2017 | 00:02

مكثت مسجونًا في باب الكعبة بعضًا من الوقت.. لا أدري ماذا كنت أقول.. ولا بماذا كنت أدعو رهبة ورغبة ودهشة ورعشة ولسان يلهج بالثناء، وعينان تفيضان بالمطر، وشفتان تتمتمان بالرجاء، والجوارح المجروحة تستغيث للشفاء: ‭}‬الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ‭{‬.


وأفقت وأنا في مقام إبراهيم وعيني على (حجر إسماعيل، وطيف سيدنا محمد يدثرني ويزملني.. يا له من موقف رائع ومروع.. من الخليل إلى الحبيب والقلب يهتف خاشعًا متصدعًا من رهبة البيت وخشية رب البيت الذي يطعم من جوع ويؤمن من خوف.

هنا الأحداث والحوادث.. وكم من دماء سالت على أستار الكعبة.. وعنف مكة ولطفها.. هنا التاريخ الشواهد والمشاهد.. والأسرار والآثار.. والمحبة والمهابة.. والعذاب والعذوبة.. والأشواق والأشواك.. والجلال والجمال.. والذكريات والمذكرات.

الفداء.. الرؤيا.. النار.. الذبح.. إسماعيل.. زمزم.. هاجر.. الوادي.. البيت.. السعي.. الصفا.. المروة.. القواعد.. التطهير.. الطائفون.. الركع.. السجود.. الحنيفية.. الوجه.. التوجيه.. السلام.. التسليم.. الإسلام.. تلفني هذه المفردات المتوهجة وهجًا يعُد فيمتد.. تدثرني بحوارات مسكونة بحوادث ومحاورات مشحونة بأحداث.. ودثارها نور ونار.. وأمل وألم.. وأشواق وعذابات.. وشريط من المحطات طوله ملايين الكيلو مترات.. من أبي الأنبياء إلى خاتم الأنبياء من (إبراهيم) إلى (محمد).

هنا.. في رحاب البيت العتيق.. أكاد أتسمع صوت الخليل وصوت الحبيب متناغمين موحدين ‭}‬وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‭{‬ في هذه الكلمات بذرة التصديق والتحليق والتحقيق وشجرة العبادية والربوبية والألوهية وثمرة التوحيد والتجديد والتسليم والصراط المستقيم، قلبه كان للرحمن.. وولده للقربان.. وبدنه للنيران.. وماله للضيفان.. ذلكم هو الخليل سيدنا إبراهيم.. الذي اتخذه ربه خليلًا، والخلة هي المحبة، مرتبة لا تقبل المشاركة والمزاحمة.

ساعة أن تتهيأ لدخول الغلاف النوراني لبيت الله الحرام وقبيل أن تطأ نفسك هذه البقعة الطاهرة لابد أن تنحني بكل ما فيك وأنت لا ترى انحناءة طبيعية تلقائية ربما تظنها كذلك، لكنها مقصودة إجلالًا واحترامًا وتقديرًا وتوقيرًا لمكان يحبه رب المكان ورب الزمان، فعلى بعد خطوات من باب البيت مساحة تكاد تكون ربوة صغيرة بعدها تشعر بميل في الحركة إلى الأمام وأنت مقبل على الدخول من جهة شارع جبل الكعبة.

كنت أقف على سطح بيت الله الحرام.. أنظر وأتأمل في عبقرية المكان.. لتتوالى الأزمنة وأعيش حالة استرجاع، وهالة تداعيات في هذه البقعة المقدسة من الأرض التي أشرقت بنور ربها في أول بيت وضع للناس بمكة.. مبارك.. وهدى للعالمين.. صلاة وسلام عليك يا سيدي يا خليل الله.. يا إبراهيم.. أيها الحليم.. الأواه.. المنيب.. سلام عليك يا الذي وفى.. ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد، وأمام مقام إبراهيم.. تتوقف النفس وتحدق العين ويرفرف القلب وتنبسط الجوارح.. والفؤاد يلملمه صورة خليل الرحمن.

لا تكاد تدخل المسجد الحرام حتى يفيض داخلك تيار من الأمن العميق والسلام.. تشف ذاتك.. تدور حول الكعبة مثل حركة الذرات وهي تمضي حول النواة.. سلام عظيم يملأ المكان والزمان.. ويملؤك كجزء من المكان والزمان.. فلا ترى نفسك في المرة الأولى.. ولا ترى البيت ولا ربه، وربما رأيت البيت في المرة الثانية ولم تر نفسك ولا ربك.. فإذا ذهبت إلى الحج فلم تر نفسك.. ولا البيت.. ورأيت رب البيت وحده.. فهذا هو الحج الحقيقي.. وهذه هي الحكمة الأولى من بناء الكعبة.

انظر إلى القادم من هناك.. وهو يتهيأ لدخول غلاف الحرم المكي.. ولابد للزائر قبل الدخول.. وهو في الطريق بحكم أرضية المكان وعبقريته التي تعلو قليلًا ثم تنحدر فإذا بالزائر يقدم انحناءة طبيعية كلها توقير واحترام وإجلال، صور الألوف تمثل شلالات تتماوج أمام الحرم وحواليه من كل صوت.. ولون.. وجنس.. وبكل اللغات.. وبثوب واحد.. أتذكر وقفة الخليل وهو يدعو ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى المكان.. انظر وتأمل دقة وعظمة التعبير ‭}‬فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‭{‬ فالحج عادة فؤادية.. فسلام عليك يا أول من سمانا المسلمين.

وتمر على الفؤاد خواطر ومشاعر وأحاسيس لم يمارسها من قبل.. هالة متوهجة من الجمرات.. والكل يرجم الشيطان الذي يكون أحقر ما يكون في هذه الأيام.. وتجيء صورة سيدنا إبراهيم مع أبيه آزر، ثم صورته مع ابنه إسماعيل لتشكل نظرية عميقة في العملية التربوية.

سلام عليك يا سيدي يا رسول الله.. يا كل من دونك محب وأنت حبيب الله.. يا صاحب هذه الصيغة للتلبية الفؤادية التي تهتف بها القلوب والأفئدة، من (الخليل) إلى (الحبيب) يتلاشى الزمان.. ويشمخ المكان.

في حرم رسول الله.. يتسع الإدراك، وتهيم الخواطر... يشتعل القلب شوقًا.. ويتوهج الفؤاد حبًا.. من البعد الديني هو: رمز النبوة، ومن البعد التاريخي هو: ثاني بيت لله.. ومن البعد السياسي هو: مقر القيادة، ومن البعد الجمالي هو: رمز للعمارة، ومن البعد العاطفي هو: قلب المدينة.

إنه المسجد النبوي الشريف أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.. الفخامة مع الوقار.. والأناقة في المعمار.. والامتداد في الانبهار.. طولًا وعرضًا.. ومساحة ومسافة.. هذه السمات الرائعة بجلالها.. والمروعة في جمالها.. يكتسي بها المسجد النبوي الشريف، وتكتحل بها عيناك، وأنت تمد بصرك وبصيرتك.. ولا تستطيع أن تغض طرفك بل تتمنى أن يمد ويمتد، وتحاول أن تغض من صوتك الذي يتدثر بعلامات التعجب والإعجاب.. للمكان هيبته.. وهيئته التي تبوح بعبقريته.. وللزمان أيضا!

فالأزمنة هنا تتداخل وتتفاعل.. وتتعاظم إلى درجة أنك لا تريد ممارسة الإحساس بالزمان.. فالمكان يطغى وما أعذبه من طغيان.

alafifi56‪@‬gmail‪.‬com

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د.مجدي العفيفي يكتب: ولا تزال البقية تتجلى عليها..!

اغتصبتها الدنيا كثيرا.. فكانت تقاوم بشق النفس.. راودتها الأيام عن نفسها.. فكانت تستجيب إلا قليلا.. تقاذفتها الأيام على أمواجها..

د. مجدي العفيفي يكتب: نفحات من نار .. ولفحات من نور..!

يحكى أن أهل قرية ذهبوا لصلاة الفجر ولم يعثروا على المؤذن، فأذن أحدهم وقاموا وصلوا وبعد بزوغ الشمس أتى المؤذن مهرولًا نحو المسجد وعندما سألوه عن سبب التأخر

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (3 - 3)

و... في هذه المسافة بين نقد الذات وجلد الذات يتحرك دائما فريقان متضادان، لا يجتمعان ولا يتقابلان، لكن لابد منهما معا، كواحدة من الثنائيات المتعارضة في الحياة وطبيعتها التي تحير ذوي الألباب.

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (2 - 3)

مزعجة إلى حد التقزز الفكري.. ومثيرة إلى حد الغثيان النفسي.. تلك البوستات والكتابات المنتشرة على العديد من صفحات ومواقع الميديا من فيس بوك، وتويتر، وواتس

د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة