آراء

البكاء على الأطلال.. إلى متى؟

23-8-2017 | 11:06

لماذا نبكي دائمًا على أطلال الأمس، في السياسة - في الثقافة - في الاقتصاد - في الفقه - في الفكر - في الفن - في كل مسار؟ لماذا نلتفت باستغراق إلى الوراء، فلا نواجه اللحظة الراهنة باجتماعيتها وتاريخيتها, ولا نرجو لقاءها بثوابتها ومتغيراتها؟ لماذا نغرق أنفسنا ونستغرق في اللحظة الماضية أكثر مما ينبغي، فالماضي لا يمكن أن يعود، ولا ينبغي له إذ لا يمكن القياس عليه؟ لماذا نهرب إلي المجهول واللامعقول ونظل في انتظار ما لا يجيء ونتوه في دوائر التهويمات؟ لماذا ندمن الاستنساخ، ونصر على استنساخ أشخاص عاشوا زمانهم، ونتهافت على استنساخ مواقف، والتاريخ لا يمكن أن يتكرر.


أقول ذلك وأنا أرصد المعتقل الفكري العربي والقومي الذي نصنعه بأيدينا منذ سنوات، إذ لابد أن تتلاشى لعنة التصنيفات المذهبية الضيقة، هذا ليبرالي - وهذا ماركسي - وذاك إخواني – وسلفي – وتراثي – وحادثوي – ويميني – ويساري – ومتدين - ولا ديني - وملحد – وعلماني – وأصولي - و...و... كل هذه العائلة المسمومة اجتماعيًا.

لابد من الخروج من هذا العنق حيث الاستمرار المقيت بالوقوف والبكاء على الأطلال، ولابد من كسر أفق التوقع حتى لو كان ملبدًا بالعواصف والرياح والأمطار السوداء، فالأفكار رتيبة والخطوات ثقيلة، فهل نريد المجتمع أن يكون مساكن للموتى، وتظل هذه العقلية رابضة قابضة على رقاب العباد، من قبل الذين يجلسون على الأرائك الوهمية، ويريدون لنا أن نظل نزلاء في غرفة العناية المركزة؟!.

لقد تكاثرت العشوائيات في نفوسنا وتراكمت داخلنا وخارجنا، في جنح الظلام والظلاميين، وفي فترات البين بين عشوائيات مسكونة بأشباح الذين يعيشون أسرى هذه اللغة البالية، واللغة والفكر لا ينفصلان، هؤلاء هم جملة اعتراضية زائدة دودية، لكن لابد من وجودهم فبضدها تتمايز الأشياء، وهذه سنة حركة الحياة بغض النظر عن حمقها ومعقوليتها ما لم نفعل ذلك، سنظل نرى الذين يعرضون علينا صورًا شاهدناها من قبل عشرات المرات، وسنظل ننساق وراءهم وهم يسيرون في طريق تعبنا من السير فيه.

متى نسمح لأنفسنا أن تتقبل لحظة الإفاقة تنجلي لتتجلى وما قلته وأقوله ويقوله الصادقون من حملة مشاعل الاستنارة ومصابيح التنوير عن المجسم الذي ينتصب أمامنا منذ سنوات، لا يزال ماثلًا شاهرًا، وتظل القوى السياسية كرتونية فما خطب هذه الساحة التي يختلط فيها الغث بالسمين، والمعقول باللامعقول، والحق بالباطل، والوهم بالحقيقة، والدين بالديناميت؟ فتظل لحظتنا الراهنة مستعصية على التحول المنشود.

لا ينبغي أن نبقى في حالة البين البين، ونخوض في أصداء مرحلة سائلة القوام زئبقية وبراءتها مفضوضة، ويبدو أننا سنظل نمارسها أو تمارسنا هي، فنحن دائمًا نميل إلى المفعول فيه وبه ومن أجله والفاعل المرفوع دائمًا مبني للمجهول، وفي غياب القيم يصبح كل شيء مباحًا.

العالم حولنا يفكر فيما بعد الحداثة في الفكر والسلوك وطرائق العيش، ونحن لا نزال نقسم وننقسم ونبكي على الأطلال، ونشق الصدور، ولنا فيها زفير فقط، وينحني المعقول أمام أصنام اللا معقول، هل أصبح حالنا حال زجاج فوق شوك نثروه ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه؟

لابد من تغيير أوتار القيثارة حتى يتغير النغم، نحن عارضو أزياء لا نحن ناسجوها ولا بائعوها - على حد توصيف أستاذنا وفيلسوفنا زكي نجيب محمود - نحن كالمبصر الكسيح نرى الطريق ولا نستطيع السير فيه، نحن نمارس فكرًا على فكر وليس فكرًا على مشكلات، هم يصبون الطاقة العقلية على الأشياء ونحن نصب طاقتنا على الأقوال، فالصدق عندنا هو صدق في الاستدلال، وليس صدق الفكرة الرئيسية، هم يبدأون بالمشكلة يبحثون لها عن فكرة، نحن نبدأ بالفكرة نبحث لها عن مشكلة، ما لنا كمن قعد في كهف فأدار ظهره لفتحة الخروج، واتجه ببصره نحو الجدار الداخلي، فلا يعرف عن الدنيا الخارجية شيئًا إلا ظلالًا يراها تتحرك على الجدران منعكسة عن المارة في الطريق العام، مضافًا إليها مخزون نفسه، ومع ذلك فالوهم يخيل له أنه يعرف عن الدنيا حقائقها.

علينا أن نخرج من كهف الذاتية المغرقة وأضغاث الأحلام المغرضة والنرجسية القاتلة، العالم يتغير ويتطور كل طرفة عين، ونحن لا ولا نريد وكأنه لا ينبغي، وكأن الجمود هو ذلك ما كنا نبغي، الجمود شرك بالتطور، والمياه الراكدة قاتلة حتى لو كانت نقية.

حين نفك هذه القيود التي تكبل عقولنا واجتماعياتنا، وحين نفكك أفكارنا ونعيد تركيبها - وهذه مهمة العقل الواعي - نستطيع أن نجدد خطاباتنا السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية والعلمية، وهي لا تقبل إلا التطور، أو يفترض ذلك - لكننا نهلك أنفسنا بالتوهان في عصر الاستعارة.

لقد نجحنا بامتياز في أن نغرق أنفسنا في بحر الظلمات الحديث، فحققنا لمن يتربص بنا - وهم كثر - أكثر من أمانيهم وأحلامهم التي لم يكونوا يحلمون بعشرها؛ لأننا ندور في مربعات متناحرة، ونرى ذواتنا في مرايا غير متجاورة!.

إن الكثير منا يدعي أن له فكرًا تقدميًا، وهو مشدود بألف خيط إلى الوراء، ويريد منا أن نتحول إلى عود من الملح.

[email protected]

تابعونا على
د مجدي العفيفي يكتب: الذي هو أنت ومنك وإليك

عبارة رائعة ومروعة في بلاغتها الصحفية، وفي كثافتها الفكرية، وفي سعتها المجتمعية، تجذرت في نفسي وقد زرعها في تكويني أستاذنا مصطفى أمين، وأنا في مقتبل العمر

د.مجدي العفيفي يكتب: ولا تزال البقية تتجلى عليها..!

اغتصبتها الدنيا كثيرا.. فكانت تقاوم بشق النفس.. راودتها الأيام عن نفسها.. فكانت تستجيب إلا قليلا.. تقاذفتها الأيام على أمواجها..

د. مجدي العفيفي يكتب: نفحات من نار .. ولفحات من نور..!

يحكى أن أهل قرية ذهبوا لصلاة الفجر ولم يعثروا على المؤذن، فأذن أحدهم وقاموا وصلوا وبعد بزوغ الشمس أتى المؤذن مهرولًا نحو المسجد وعندما سألوه عن سبب التأخر

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (3 - 3)

و... في هذه المسافة بين نقد الذات وجلد الذات يتحرك دائما فريقان متضادان، لا يجتمعان ولا يتقابلان، لكن لابد منهما معا، كواحدة من الثنائيات المتعارضة في الحياة وطبيعتها التي تحير ذوي الألباب.

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (2 - 3)

مزعجة إلى حد التقزز الفكري.. ومثيرة إلى حد الغثيان النفسي.. تلك البوستات والكتابات المنتشرة على العديد من صفحات ومواقع الميديا من فيس بوك، وتويتر، وواتس

د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة