آراء

إيه يا إعلام؟!

30-7-2017 | 02:02

جاءتني كلماته من شاطئ الخليج.. حزينة.. يائسة.. تنزف أسى.. وتشف عن ألم بلا أمل.. إذ حدثتني شخصية خليجية لها وزنها السياسي والإعلامي .. إذ قال لي بمرارة بكل مرارة ونحن نتحاور أمس: «إن سفينتنا تغرق والخشية ألا نكون كيونس الذي يبتلعه الحوت لبعض حين ولن نجد شجرة يقطين نستظل بها..

ويضيف محدثي وأنا أحاوره: «كدت أن أيأس من سيادة العقل والحكمة، وألعن السياسة وما أوصلتنا إليه من مستنقع.. الصراخ والصراخ المضاد في القنوات الفضائية أو الفاضية إن صح التعبير، والعواء والنهيق في الإعلام الاجتماعي أصبح وسيلة لتوسيع الهوة وتضييق الخناق على الأمة.. التردي الإعلامي ظاهرة عامة اجتاحت عالم العرب.. ونحن ذوي الضمائر الحية ندفع الثمن.. لا بد للحق أن يسود ولا بد للباطل أن يدحض ..»

ويزيدني هما وغما: «ليست هناك من قضية غير قابلة للحل، إذا توافرت النيات لحلها، لكن إذا غابت الإرادة السياسية التي تشكل قاعدة الانطلاق لحل المشكلة، أو أصبح استمرار المشكل في حد ذاته مطلوبًا فإنه حينئذ يصبح الحل مستعصيًا؛ لأن النزيف السياسي والاجتماعي والاقتصادي في حد ذاته هو الهدف، واستمرار المِحنة أو الأزمة هو الضمان لاستمرار هذا النزيف.. لذلك مهما سعى الوسيط فإن مساعيه تذروها الرياح.. هذا هو حال أزمة الخليج الآن.. أزمة من غير ملامح منذ بدايتها تمكن الوسيط من قراءتها وتفكيكها..».(!!!).

وانعطف الحوار إلى الاشتباك بين الخطاب الإعلامي والخطاب السياسي.. وكل الخطابات الأخرى؛ لأن الكل يسبح في فلك واحد مشحون.. 

أما آن الأوان للخطاب الإعلامي في أزمة الخليج الراهنة أن يعدل من مساره، ويميل إلى الموضوعية المفترضة.. ماذا سيكون موقف أصحاب الخطاب الإعلامي في أزمة الخليج الراهنة، حين يتم تسويتها وتعود العلاقات الطبيعية بين الأطراف؟

ماذا يقولون غدًا إذا عادت الأمور إلى معدلها الطبيعي.. وستعود؟ هل سيتحولون ويهرولون من النقيض إلى النقيض، مثلما تحولوا فجأة بخطابهم المسكون بالتوتر، والمسجون في دائرة مغلقة أكثر مما ينبغي؟

ولكم أن تتخيلوا، بلا عناء، أشكال هؤلاء الذين يتسكعون في طرقات الصحف وعلى أسطح الفضائيات، وهم يثرثرون بعبارات ليس فيها جملة عقلانية مفيدة، ويرسلون خطابًا مندفعًا.. يصر على إشعال المزيد من الحرائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. لقد صدق «تشرشل» رئيس الوزراء البريطاني الأسبق حين قال «إن الإعلام هو الذراع اليمني للفوضي» !.

فجأة.. انفتحت بين الأطراف المتأزمة ملفات ملغومة تكشف الكثير والخطير والمثير من المخبوء- إن صحت - !!. إيه يا إعلام..! أكل هذا التشويه.. انظروا إلى كمية المقالات والمواد الصحفية المطبوعة والإلكترونية والمرئية والمسموعة.. لمصلحة من هذا..!.

حتى السفراء دخلوا في جوقة بث الكراهية بكل الأدوات، وتخلوا كثيرًا عن وقار الدبلوماسية التي يفترض أنها متزنة، ولم يختلف عنهم الكثير من الباحثين الذين يفترض أنهم أكاديميون، وكل كلمة لديهم بميزان، فإذا بهم يلقون بردائهم العلمي على قارعة الفضائيات، فلا علم رأينا ولا موضوعية.. إنما وجدنا من يتلاعب بالتاريخ ويوظف شواهده الباهتة لتحقيق «مآرب أخرى» والتاريخ أكبر مصنع لتكييف الهوى..!.

كلهم.. ينسحب عليهم المعنى الكاشف لكل مخبوء في الآية القرآنية العظيمة: ‭}‬ ... وَأُحضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ....‭{‬ [سورة النساء: 128] فكل طرف استخرج أسوأ ما في الطرف الآخر، فجأة أيضًا..

ما هذا أيها السادة..؟ كل هذا الحقد.. كل هذه البغضاء.. كل هذه العداوة.. .؟! .

ما هذا يا عرب القرن الحادي والعشرين..؟ .

لماذا تصر الآلة الإعلامية على أن تجعل من الإخوة أعداء.. لقد ألقينا أنفسنا في بطن الحوت، عن عمد وسبق إصرار.. فبهت صوت العقل إلا قليلا.. نبذل المستحيل في إجهاض الوساطة.. لا سلام..لا حوار.. لا.. ولا.. ولا.. لقد تجبر عنفوان الرفض.. وطغى التشبث بالموقف في سياق لا ينبغي له أن يتصلب بهذا الشكل.. وهذه عادتنا، أو قل هي بضاعتنا ردت إلينا...!. تقزم الغضب الموضوعي أمام الغضب اللفظي.. إلى حد كبير.

لو تسكت الآلة الإعلامية قليلا لتغير مسار الأزمة.. لو تكف عن إشعال الحريق قليلا.. لهدأت الأمور.. لو تخفض جناحها للحوار.. لو.. لو.. هنا لو لا تفتح عمل الشيطان؛ لكنها مرعوبة من أجل العقل والمعقول الذي يغالبه اللا معقول..

وأتفق مع الزميل الكاتب مسلم عباس في رؤيته للخطاب الإعلامي لأزمة الخليج، إذ إن المواجهة الإعلامية الشرسة سوف تعزز من مناسيب التطرف والغلو في المجتمع العربي الغارق في بحار من الانغلاق، والأخطر من كل هذا أن وسائل الإعلام لكلا الطرفين سوف تفقد مصداقيتها لدى جمهورها الداخلي والخارجي، كونه لا يقدم حتى نصف الحقيقة، في الوقت الذي يعرف الجمهور الحقيقة كاملة مع توافر البدائل الأخرى من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي الخارجة عن إرادة الطرفين.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د.مجدي العفيفي يكتب: ولا تزال البقية تتجلى عليها..!

اغتصبتها الدنيا كثيرا.. فكانت تقاوم بشق النفس.. راودتها الأيام عن نفسها.. فكانت تستجيب إلا قليلا.. تقاذفتها الأيام على أمواجها..

د. مجدي العفيفي يكتب: نفحات من نار .. ولفحات من نور..!

يحكى أن أهل قرية ذهبوا لصلاة الفجر ولم يعثروا على المؤذن، فأذن أحدهم وقاموا وصلوا وبعد بزوغ الشمس أتى المؤذن مهرولًا نحو المسجد وعندما سألوه عن سبب التأخر

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (3 - 3)

و... في هذه المسافة بين نقد الذات وجلد الذات يتحرك دائما فريقان متضادان، لا يجتمعان ولا يتقابلان، لكن لابد منهما معا، كواحدة من الثنائيات المتعارضة في الحياة وطبيعتها التي تحير ذوي الألباب.

د. مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (2 - 3)

مزعجة إلى حد التقزز الفكري.. ومثيرة إلى حد الغثيان النفسي.. تلك البوستات والكتابات المنتشرة على العديد من صفحات ومواقع الميديا من فيس بوك، وتويتر، وواتس

د.مجدي العفيفي يكتب: في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات.. (1 - 3)

قال لي صاحبي وهو يحاورني، وكان له ثمر من مجموعة جروبات في الواتس والميديا، يتكسب منها بصورة أو بأخرى، ويتخيل أنه أيضًا أكثر مني مالًا وأعز نفرًا، فهو يستثمر،

د. مجدي العفيفي يكتب: حتى لا تضيع التغريدة المصرية...!

عنوان هذه الكتلة السردية الإعلامية، التي ستقرأها بعد سطور، صاغه أستاذ حقيقي للإعلام، صناعة وصياغة، ورؤية ورؤيا، وتنظيرا وممارسة، وبذلك تضيق الهوة بين التصورات

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم ( 2-2)

جاء العبارة الأخيرة في مقال الأسبوع الماضي تحمل جينات هذا المقال وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة