ثقافة وفنون

يوسف إدريس وسر الضعف أمام نساء الخواجات (2- 4)

31-7-2017 | 10:56

يوسف إدريس

د. مجدي العفيفي

يعرض يوسف إدريس شخصية المرأة الأجنبية، كوظيفة فنية وكمدلول فكري، فابتعد عن الترف في استخدامها داخل البناء الفني، فلم تكن أي منها إلا وسائل وأصداء واختبارات لعملية الكشف والتحول في المسار والمصير، فتقف هذه الروايات دالة على التحول الفكري الذي اتخذه منظور الكاتب إلى قضية الأنا والآخر وإلى العالم الخارجي على الضفة الأخرى، سواء على المسار التاريخي لزمن النص، كما يشير المهاد السياسي والاجتماعي ابتداء من فترة نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى عام 1980 حيث تدور أحداث روايات « قصة حب» و «البيضاء » ونيويورك80» أم على المسار الفكري لزمن القص، حيث كانت القضية الوطنية والتحرر من الاستعمار، والتخلص من التبعية وانعكاساتها وتداعياتها، هي جوهر رؤية يوسف إدريس.


تتكشف النظرة إلى الآخر في رواية (البيضاء) من خلال علاقة الدكتور يحيى بالفتاة اليونانية المناضلة «سانتى» وانبهاره بكل ما هو غربي خاصة في السلوكيات، وبكل ما هو أوروبي (ص7) وإن ظل يرفض الأساليب الأوروبية في العمل الثوري، لكن الموقف يتخذ منظورا مختلفا آخر في رواية (فيينا 60)، حيث يشترط بطل الرواية القبول الكامل بالذات، ثم يتغير كاملا في رواية (نيويورك 80) حيث تظهر الندية والمواجهة والجدلية والتعالي.

استطاعت «سانتى» في رواية (البيضاء) أن تستخرج كل ما هو مستتر في شخصية «يحيى».

بطل رواية «البيضاء» وهو استتار بذل من أجله الكثير حتى لا يتعرض للانكشاف والتعرية النفسية، وما بين الاستتار والانكشاف كان يتأرجح ويتعذب ويعذب الآخرين معه، بتقلباته الحادة وتحولاته المفاجئة في الفكر والشعور والحياة، فقد انعكست علاقته بسانتي على كل ما حوله، فعلى الصعيد الذاتي ابتعد عن أهله في قريته إلا في مناسبة العيد، وصار يضيق بالذهاب اليهم، ويضيق حتى بزيارة والدته وأشقائه له، وعلى المستوى العملي أهمل عمله في عيادته الخاصة، وفي المركز الطبي لورش السكك الحديدية، وعلى المسار السياسي كانت سانتي أحد أهم الأسباب التي جعلته يتمرد على التنظيم السري الذي ينتمي إليه، وما بين الحب والسياسة ضاعت حياته وآل مصيره إلى وراء القضبان في المعتقل.

اتخذت علاقة يحيى بسانتى شكل الافتتان بفتاة أجنبية جميلة أراد أن يمارس معها عاطفة الحب، فخاض التجربة، وحدد معطياتها من منظوره، واستبق النتائج، وحرق المراحل قافزا على الأحداث، وإن جاءت ضد ما ظل يتمناه، فمنذ اللحظة الأولى لبدء تجربته حسم أمره «منذ الوهلة الأولى كنت قد تأكدت أنها هى، هى التى أردتها دائما دون أن أعثر عليها، هي التي بحثت عنها فى كل فتاة، أو امرأة قابلتها ولم أجدها، بالضبط هى بكل ما أحب فى النساء فيها»(ص9) ويبرر ذلك انطلاقا من سؤال تغلفه فكرة كامنة في أعماقه يبلورها بسؤاله: «لست أدري سر ذلك الضعف الذى نكنه نحن أولاد العرب للخواجات وللنساء منهن بالذات»(ص7).

وعلى امتداد مسارات هذه العلاقة تظل سانتي تكشف ما بداخله من تناقضات إنسانية، فمع أنه متعصب لقوميته وشعبه، إلا من أجلها راح يساير العلم والحضارة والتقدم وإلغاء الفروق بين الشعوب والخبرات والثورات، وبدأ يستعذب الفرنسية والنطق بها وأشعار إيلوار وموسيقى سترافنسكى، ويقرأ كثيرا من تلك الكتب، ويعشق كل ما هو أوروبى، بخاصة الأوربيات، فكل شيء ينقلب بين أيدي الأوربيين إلى فن، فن النظام، الطعام بنظام. والحرب بنظام، والحب بنظام، كان إذا رأى هذا كله أحس بشجن وبرغبة خفية ملحة أن يصبح ويصبح الجميع مثل ذلك الكائن الأبيض المعقد ذى الوجه الأحمر.

ورغم أنه كان يحلم أن يصبح له مثل قدرتهم العجيبة على الإبداع والنظام، فإنه لم يتمن قط أن يكون أوروبيا، بل كان أحيانا إذا أفاق لنفسه وهو فى المظاهرات التى كان يشارك فيها ضد الاحتلال البريطانى يهتف (تسقط إنجلترا)بغل وكراهية شديدين «تكاد تقترب درجتهما من درجة إعجابه الشديد بهم، وبما رآه قد صنعوه فى الإسماعيلية أو الإسكندرية أو بورسعيد، حتى جاء عليه الوقت الذى أصبح يرى فيه أن الأوروبية فى كل شىء، حتى فى الثورة، هى، المثل الأعلى «اندمجت وأصبحت واحدا من الحركة التى تتلمس طريقها فى الظلام الكامل، وليس هناك ما يهديها إلا شعاع أبيض واحد قادم عبر البحر»(ص185).

وقد استتبع هذا الانبهار العام، انبهار خاص بسانتي منذ بداية علاقته، ثم توهجها، حتى انزوائها.

بعد أن بردت وتقلصت واستكانت في زواية من نفسه التي لم تسمح لها أن تتحول إلى ذكرى، وهي التي ظهرت «نقطة سوداء دقيقة كرؤوس الدبابيس بدأت تغزو إحساسي الواسع بالنشوة والسعادة» (ص 13).

خلال تداعيات هذه العلاقة كشفت سانتى (الأنثى) الكثير من المخبوء من ذات يحيى (الذكر)على أنه إذا كان الانجذاب بين الذكر والأنثى انجذابا متساويا، إلا أن يحيى كان يتصورها أنها «فينوس» أو«أفروديت» بل هي بالنسبة له جنة «في مكان ما من هذه الدنيا جنة صغيرة مخبأة لي، هناك الفتاة الحلوة، ذات الإشعاعات هناك سانتى» (ص49) الأمر الذي جعله يتمزق نفسيا وفكريا في تحديد موقفه منها، فتارة يريد إيقاعها كأنثى «كان على أن أتوج أهدافي من سانتى بإيقاعها» (ص33) ثم يعترف بأن «إيقاع سانتى ليس بالأمر السهل»(ص34) ومن ثم كان يعتمد على الزمن في نمو العلاقة والتأكد بشكل قاطع أنها على الأقل راضية «كان هدفي واضحا وصريحا، مجرد حب مغامرة سريعة خاطفة»(ص25).

لكن يحيى يدحض النظرة السائدة التي يقول أصحابها« إن الخواجات ليس عيبا عندهم أن يمارس الإنسان معهم علاقات جنسية» (ص68)، ويشير إلى ذلك بتجربته معها، ويخلص إلى أنها ذكية، ولغز لم يستطع أن يحله في طول حياتها وعرضها، فالرجال يمكن أن قراءة أفكارهم وماذا يريدون حتى دون حاجة للنظر إليهم «أما النساء، أما هذه المرأة بالذات فأدفع من عمري عشر سنوات لأستطيع أن أعرف للحظة واحدة ماذا تريد مني وماذا تفكر فيه، وربما نحن لا نعرف ما يردنه منا لأنهن أنفسهن لا يعرفن ماذا يردن، المرأة تنتظر من الرجل أن يكون هو إرادتها، هو الذي يريد وهي ترفض أو تقبل أو لا تعرف حتى كيف ترفض أو تقبل، فتتورط، المرأة لا تريد إلا شيئا واحدا أن تكون امرأة».

هذا المنظور الإيديولوجي من الراوي ما كان له أن يتخذه إلا عن تجربة معاشة، مثل كثير من الرؤي والمواقفلدى رواة الكاتب، فلم يفرضه ولم يتعسف في استخلاصه، فالرؤية الداخلية جعلته يبتعد عن المغامرة العابرة التي أرادها منذ بداية علاقتهما تأكيدا لنظرته «فأنا أريد منها أن تشعر ناحيتي بمثل ما أشعر به ناحيتها، لن أقبل بأقل من هذا» (ص88).

وحتى بعد أن حدد الاثنان هدفهما ظلا يتحركان تجاه بعضهما البعض، وكان يحيى هو الأكثر انجذابا، فكانت سانتي هي القطب الغالب، لأنه ظل واقفا في مكانه ثابتا واثقا من نفسه، متأكدا أن الآخر سائر نحوه، وظن أنه المسيطر صاحب اليد العليا والكلمة المسموعة» (ص26) بل لجأ إلى اختلاق علاقة عاطفية بالفتاة الفرنسية «لورا» لا لشئ إلا لإثارة سانتي وتحريضها على مبادلته الحب بأي شكل، فكانت «لورا» مجرد عامل مساعد لإنارة ما بداخله من محاولات لاستمالة سانتي، لكنها باءت بالفشل والإحباط، وبعد أن بلغ الانجذاب إليها الدرجة التي يعترف بقوله «علاقتي بها لم تكن تتوقف على بطولات أو تضحيات أقوم بها ولكنها كانت تتوقف عليها هي وعلى مزاجها ورأيها (ص275) ظلت هي نقطة الارتكاز التي كان يحيى يتحرك عليها في خوض التجربة وبناء العلاقة، التي اتسمت بالتعادلية والتزامن سياسيا وعاطفيا، فجاءت قصة حبه متداخلة

مع قصته مع التنظيم السياسي وتمرده عليه.

أغلق بطل «البيضاء» نهاية حكايته بجملة اعترافية تفيض حسرة وندما «ضاعت أيامي» لتتعارض مع حلمه في حياة سعيدة، بطلتها كانت ترد إليه الروح كلما زارته، وكانت الواحة التي يلجأ إليها كلما استعرت ظروفه، بل كان «لا يملك أن يحكم على أعز الأشياء وأقدسها إلا من خلال علاقته بها» منذ أول لقاء بينهما «خرجت من المطعم متجدد الحماس، وقضيت بقية النهار راضيا عن نفسى والدنيا وحركة الزمن، فقد قضيته سعيدا» ليكتشف أن كل ذلك تحول إلى سراب، إذ أصدر مجلس التحرير قرارا يقضي بمنع سانتي من المجئ إلي بيته وكذلك يأمره بعدم الاتصال بها.

و«قد نفذت هى القرار وكفت عن زياراتي واختفت تماما من الوجود، ظلت تتفرج مستمتعة بمشاهدتى أحبها وبقراءة خطاباتى، ثم جد الجد، اختفت وكان هذا كله كفيلا بأن أكرهها وأنساها».

لم يكن قرار الابتعاد عن سانتي قراره هو، ولا تم الفراق بينهما بإرادته هو، إنما كان قرارا خارجيا«عشت في أمنية عريضة كالحلم العريض، خاطفة كبارقة الأمل، أن تكون النهاية في هذا القرار، أن يكون الخاتمة للمأساة المعقدة التي عذبتني، وللمرض الطويل أجل المرض الذي أخذت في تلمس الشفاء منه، ولعلي استرحت لأنهم عرفوا، فقد كنت دائما أتخيل النهاية حين يعرف الموضوع وتصبح العلاقة أمرا علنيا مشينا، بعدها قطعا سأثوب إلى نفسي وتهبط حوافزي كلها وتخمد النيران (الروية، ص 304).

وهو يفصح أنه كان سعيدا بالقرار سعادة خفية حقيقية، إذ لم يعد متحمسا للعلاقة التي أراد لها وعمل أن تظل خفية، متناهية الخفاء«تكاد الروعة كلها تتجسد في سريتها، والآن وبعد ذلك القرار، فأية علاقة مقبلة بيني وبينها لن تكون إلا في الخفاء، لن تكون إلا كما أردتها خفية وسرية ومتكتمة ورائعة الروعة كلها من أجل ذلك كله جاء القرار حكيما وجميلا وفي وقته»(ص304).

ولكن المشكلة أن يحيى قد وصل إلى مرحلة اليأس الكامل « يأسى من أن أشفى منها، نسيت مشاريعى وخططى، نسيت قرارى بأن أستحوذ عليها وأهجرها، حتى لم أعد أذكر أنى صممت ذات يوم على الكف عن التعلق بها، كان حنينى لأراها، مجرد أن أراها قد أصبح أقوى من كل شيء، أقوى من غضبى وضياعى، كان مرضا، كان جنونا، كان شيئا أعتى من المرض والجنون».

انهارت حياة يحيى مثلما تجمدت عواطفه إلا قليلا « العيادة أغلقتها وبعتها وقد عرفت أنها ستستخدم بابا خلفيا للرشوة والإجازات، وعملى أخذت منه إجازة، وسكرتير النقابة قد أصبح سكرتيرا للجنة (حركة التحرير) كيف أنساها وأعود أحيا ؟كيف وأنا قد عرفت عن يقين أنها لم تعد تأبه لى فقط ولكنها أنشأت مع شوقى علاقة وطيدة، وأن زوجته تهدد بالطلاق، وأننى رغم هذا كله لم أكف عن حبها ولن أكف، وأنى قطعا وبالتأكيد هالك، وقد بدأت أتناول الحبوب المهدئة وأنام بالمنومات وأستيقظ بالمنبهات، وعقلى كله أراه رأى العين ينفصل شيئا فشيئا عن واقع الحياة ويتصاعد متصوفا فى عبادتها، وكأنها تجردت هى الأخرى ووصلت إلى معنى الله» (ص05 3).

ثم يختتم الرواية حكاية وخطابا «بعد أسابيع قليلة فوجئت فى الثانية من صباح ذات يوم بطرق خفيف متلصص على بابى، من أول طرقة أدركت أن ساعة السجن حانت، ودخل الضابط، مؤدبا،أبيض الشعر يكاد يذوب رقة، فتش البيت واستغرق فى تفتيشه ست ساعات، وفى الصباح اقتادنى إلى القسم ومنه إلى السجن، وفى السجن بدأت حياة جديدة، وفى السجن وافاه شوقى بعد أسابيع من الهرب، وسانتى غادرت البلاد، ولورا اعتقلت هى الأخرى وأنها بجوارهم فى سجن الحريم لكن حنينه لا يزال يراوده«وكم هفت نفسى لأراها، إنها الباقية من سانتى وأيام سانتى، أما البارودى فقد ظل أعمى يقود».

وهنا تأتي العبارة الختامية تستدعي صورة سانتي التي رسمتها الافتتاحية، مشيرة إلى العلاقة التي لم تبهت ولم تتلاش من نفس يحيى الذي لا يزال يتحدى بحبها العالم لاسيما أنها لا يمكن أن تتحول إلي ذكرى«وحين أفرج عنى بعد عامين، كانت سانتى قد أصبحت صورة وكلمات، وكانت أيامى المشحونة معها قد بردت وتقلصت واستكانت فى زاوية من نفسى ربما لتعود إلى الوجود بشكل آخر، ولو أن أحدا لوح لى أن سانتى ممكن أن تتحول ذات يوم إلى ذكرى . مجرد ذكرى لخنقته احتجاجا وغضبا، ولكن أحدا لم يقلها، وحتى أنا لم أقلها لنفسى» ثم يختتم بعبارة مكثفة المعنى ومشحونة بخبرة الأيام إنما بلا قول أو ضجيج تكفل الزمن بكل شىء، وفى صمت وبلا مؤثرات، الزمن القاتل..نهاية الأشياء»(ص306).

(للحديثة بقية )..

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة