ثقافة وفنون

بدأ بـ"طلع البدر علينا".. الإنشاد الديني نفوس تضيء بالابتهالات في شهر الصيام | صور

6-6-2017 | 12:37

الإنشاد الديني

محمد فايز جاد

يعد الإنشاد الديني أحد الطقوس الفلكلورية المنتشرة في الوطن العربي، وفي البلدان الإسلامية بشكل عام، والتي تتجلى في عدد كبير من الممارسات الشعبية، غير أنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بشهر رمضان المبارك بأجوائه الدينية والروحانية. فماذا عن تاريخ هذا الفن؟

في حين يرى البعض أن الإنشاد الديني مرتبط بالدولة العثمانية، بحيث لا يتعدى تاريخه بضعة قرون، يذهب البعض الآخر إلى أن الإنشاد يعود تاريخيًا إلى نشأة الإسلام نفسه. فبالرغم من ندرة الأخبار التي تردنا عن الموسيقى لدى الجاهليين، فإن كتب التاريخ تحتفظ لنا ببعض فنونهم التي عرفت أكثر ما عرفت في ترحالهم مثل الحداء.

لا يبدو للإنشاد أثر كبير في المرحلة المكية؛ للظروف التي واجهتها الدعوة من تضييق مارسه المشركون، غير أن الهجرة إلى المدينة المنورة تحفظ لنا أحد أوائل نصوص الإنشاد حين استقبل المهاجرون والأنصار النبي – عليه السلام- بالنشيد الشهير:

طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع

هكذا استقبل المسلمون الأوائل النبي المهاجر بهذه الكلمات، مصحوبة بضربات الدف، رغم أن التاريخ لا يحفظ لنا اللحن الذي أدي به هذا النشيد؛ فاللحن الذي يؤدى به الآن وضعه الملحن الراحل رياض السنباطي.

بل ويربط البعض جذور الإنشاد الديني بتلاوة القرآن، حيث يذكر البخاري في صحيحه حديثًا عن النبي يقول "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، هذا التغني الذي وصفه الإمام الغزالي بـ"الترنم وترديد الألحان"، وذلك في "إحياء علوم الدين".

المدح أو فن المديح يبدأ مبكرًا في تاريخ الإسلام، مع كتابات حسان بن ثابت في مديح النبي، ومع بردة كعب بن زهير المعروفة بـ"بانت سعاد". هذا الإرث من الشعر في مديح النبي – عليه السلام- وفي التقرب إلى الله والابتهال إيه، هو الذي حقق طفرة في هذا الفن خلال العصر الأموي، وبخاصة في دمشق، حيث هد هذا الفن تطورًا كبيرًا من حيث القوالب والأشكال والأنغام.

ورغم تطور الموسيقى في العصر العباسي فإن الأخبار الواردة عن فن الإنشاد الديني لا تقدم صورة كاملة، وإن كانت تؤكد على وجود هذا الفن الذي يتجلى بشدة في القراءة المنغمة للقرآن، والآذان.

قبل انتهاء الألفية الأولى، وتحديدًا في القرن العاشر، كانت الدولة الفاطمية الشيعية تحكم قطاعًا كبيرًا من الوطن العربي. وانطلاقًا من حبهم لآل البيت حظي الإنشاد الديني بمساحة واسعة في تاريخ الدولة الفاطمية، لتنتشر أنواع من المديح والابتهالات والتواشيح، و"اللطميات"، التي يتميز بها الشيعة عن غيرهم.

في ذلك الوقت كانت الموسيقى التركية تخطو خطوات كبيرة نحو الأمام، سواء على مستوى استخدام الآلات أو على مستوى المقامات نفسها، ليظهر في القرن الثالث عشر رجلان سيغيران من الإنشاد الديني تغييرًا كبيرً، سيدوم أثره حتى الآن، وهما: جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، اللذين التقيا بقونية.

كان نتيجة التقاء الرومي العالم والفقيه بالدرويش الجوال شمس الدين التبريزي أن ابتدعا ما سيعرف بعد ذلك بالطريقة "المولوية" وهي الطريقة التي أحدثت تغييرًا كبيرًا في فن الإنشاد الديني، والتي قدمت الإنشاد الصوفي كأحد أبرز أشكاله.

بجانب الراقصين بعباءاتهم الشهيرة وقلنسواتهم الشامخة نحو السماء ينشد الراقصون أبياتًا كل بمفرده، على أنغام حزينة هي أنغام الناي وبعض الطبول والقيثارة، وعلى مقامات موسيقية هي المقامات التي عرفها الأتراك، والتي بعد تطورها نقلها المصريون.

كان لدخول الإنشاد الصوفي ساحة الإنشاد الديني أثر كبير في تطوير هذا الفن؛ ليقدم ضربًا مختلفًا من ضروب الإنشاد؛ لما يتميز به الشعر الصوفي من مميزات تفرقه عن غيره من أشعار المديح والابتهال، كما يقول الباحث التاريخي د.يوسف زيدان في تقديمه لديوان الشاعر الصوفي الكبير عبد القادر الجيلاني:

"إن أولى خصائص الشعر الصوفي وأبرزها هو ما يعتمده الشاعر من سلوك سبيل الرمز والكناية وضرب الأمثال، ليحمل البيت الشعري بين طيات تفعيلاته ما لا حصر له من الدلالات الخاصة".

بعدها بثلاثة قرون، وتحديدًا في القرن السابع عشر، كان الشيخ عبد الغني النابلسي يؤسس المدرسة الدمشقية في الإنشاد الديني، والتي بدأها بما يعرف بـ"أذان الجوقة" أي الأذان الجماعي. وفي هذا الآذان يلقي المؤذن جزءًا من الأذان، لتردده خلفه جوقة من المؤذنين، على أن يتغير المقام الذي يؤدى عليه الأذان من يوم لآخر.

وقدم النابلسي عددًا من فنون الإنشاد منها ما يعرف بالصمدية، والتواشيح المعروفة حتى الآن، وغيرها، معتمدًا على مقامات متنوعة وآلات موسيقية متعددة.

حتى ذلك الوقت لم تكن المدرسة المصرية قد أدلت بدلوها في هذا المجال بما فيه الكفاية، وسيظل الأمر كذلك حتى القرن التاسع عشر، حين يسافر ذات يوم المطرب عبده الحامولي مع الخديو إلى تركيا ليعود بالمقامات التركية ويحاول تطبيقها في مصر، عندئذ تبدأ مدرسة جديدة في الإنشاد، ستحتل الصدارة لسنوات.

الإنشاد الديني


المسجد الأموي

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة