ثقافة وفنون

صاحب الوقت (فصل من رواية)

24-10-2016 | 12:06

أرشيفية

أحمد أنور
القاهرة.. حضور أول


قبل الجامعة، كنت معتاداً على زيارة المحروسة في صحبة جدي لإنهاء معاملاته الحكومية والتجارية، وكان لا يبدأ جولته في العاصمة إلا بعد زيارة عدد من الأضرحة، والتي لم أكن ألقي لها بالاً كثيراً، وأتعجب من أعداد الزائرين والمريدين الطائفين حول الأضرحة والمتمسحين في أقفاصها النحاسية في الغالب والخشبية في أحيان أخرى، لذلك كنت أكتفي بأداء الصلاة ثم الجلوس لحين انتهاء جدي من طقوسه، لم يخطر ببالي يوماً أن أناقش الجد في قناعاته أو اعتقاداته، غير أنه ذات مرة بعد أن خرجنا من المشهد الحسيني حدثني عن جزء من ارتباطه بهذه الأماكن التي كان يحذرنا منها أئمة المساجد في القرية والمدينة القريبة من أن المساجد المقبورة والتي يقصدها الأهالي هي من رواسب الجاهلية والشرك بالله فلا يجوز التوسل بها أوالتبرك.
-زيارة الأجداد من الواجبات التي لا يجب أن نغفلها.
-....
- إنهم أجدادي وأجدادك
- هل تقصد أننا من نسل آل البيت؟ هل يعني ذلك أن تكون لنا في ذلك ميزة؟ و هل كل المريدين هم من آل البيت؟
- يا ولدي .. إن أنت أحببت شخصاً يهفو قلبك إليه ولن تتردد في زيارته والدعاء له ، فما بالك إن كان من تحب قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، أفلا يستحق الزيارة والدعاء؟

لا أعرف ما يمكن أن يمثله لي مثل هذا الاكتشاف ، أو هل عليّ أن أهتم بهذا الأمر أم لا، لكن على ما يبدو أنه سيستقر ذلك الأمر بمثابة اللغز بعض الوقت، لا بأس.

كانت القاهرة مثل حلم أعيشه منذ أن التحقت بالجامعة ، لم أترك مكاناً معروفاً أومجهولاً بلا زيارة وأحياناً زيارات متكررة وخاصة تلك الأماكن الأثرية التي مثلت كل حقب التاريخ الإنساني منذ ما قبل الحضارة وحتى ما بعد انحسار الحضارات، هذه المدينة التي احتوت كل مدن العالم و قراها بين شوارعها و حاراتها وجبالها وصحاريها وحدائقها وجباناتها، المدينة القديمة بشكل باهت والمتجددة بشكل مذهل ، واتت لي الفرصة من خلال أصدقاء قاهريين أن أتجول في أكثر الأماكن تعقيداً بلا حذر وأن تتشكل ملامح خريطتها في عقلي وكأنني لم أنشأ فيها فحسب، ولكن كأنني عايشت معها كافة عصورها الذهبية والمتربة والمضيئة والحالكة السواد، كنت أشعر أن في جنبات هذه المدينة أمراً ما يناديني ويستقطبني، لا أعلم ماهو ولم أحاول اكتشافه تاركاً لهذا الغامض أن يتخير موعد ومكان لقائي، فما تركت موطناً بلا مرور، غير أنني لم أتجرأ يوماً على إتيان فعل جَدي في مساجد الأولياء وآل البيت، أجدادي.

عندما انتقل الجد، عاهدت نفسي أمام قبره أن أداوم على صلته التي كان يحب، إلا أن دراستي الجامعية في القاهرة وعملي بعد ذلك قد أنسياني بشكل ما ذلك العهد الذي لم أكن أتذكره إلا أثناء زيارة مقابر العائلة بعد انتقال أحدهم، أو في الأعياد كما هي العادة، وأعود بعدها إلى المدينة التي أسَرت حياتي وأعمالي . وما تخلل ذلك من مغامرات ونزوات وحكايات كنت أحرص دوماً على ألا تخرج من إطار حدودي الشخصية التي أقمتها لنفسي ، فمعظم أحداث حياتي الرئيسية تصل بشكل ما إلى الوسية، وتناقشني فيها أمي وأحياناً أحد أعمامي الذين كانوا حريصين بالتالي على نقل تفاصيل أحداث الوسية إلى مسامعي، منها ما تردد عن شيء ما يحدث بين صديقي و تلميذته تذكرت حديثه عنها إليّ في إحدى سهرات الوسية، لم يكن في طيات كلماته ما يمكن أن يعيبه أويسيء إليها، فقط كان يصف كيف يعجب لمثل فتاة بهذه العقلية المتفتحة أن تنشأ بين أوساط منغلقة حتى عن التعليم أحياناً.
قررت أن أتحقق من تلك الشائعات و الاستنتاجات بنفسي في أقرب زيارة للوسية .
....
مضت الساعات في صحبة مروة متباطئة في تنقلنا بين حي وآخر ومسجد و دعاء وصلاة وسلام على الموتى حتى اقترب موعد الحضرة الحسينية، ولأول مرة لم أكن متحمساً لها لولا الضيفة المتلهفة لكل ثانية تمر عليها في تفاصيل العاصمة وثنايا التاريخ، شهدت مروة الحضرة من منطقة مصلى النساء في حين انزويت أنا جانباً مراقباً و متأملاً حالي الذي صرت عليه متحاشياً أي لقاء مع عم مختار أو شيخ محمود رغم شعوري المستمر أن عيناً ما تراقبني .
انتهت الحضرة في وقت متأخر و التقيت مروة خارج المسجد لإيصالها محطة القطار و بعد استوائها على المقعد بجواري تمتمت:
- لن أسافر الليلة ..
- ..؟
- أخبرتهم أني سأقضي الليلة لدى صديقة من الجامعة
- أين تسكن الصديقة؟
- لا توجد صديقات
بعد دقيقة من صمت قلت
- حسناً.. سأحجز لك غرفة في فندق قريب من منزلي ، وغداً أوصلك حيث ترغبين. لم ترد.
لم نتحدث تقريباً طوال الطريق غير أني كنت أشعر بأنفاسها المملوءة بانتشاء الحضرة الأولى، و أمام الفندق التفتت لي وقالت كأنها تستحضر قراراً كانت قد اتخذته منذ زمن
- ما رأيك أن تدعوني في منزلك وتحظى بعشاء بيتي ؟ أعلم أنك من معتادي الدليفري، جرب شيئاً جديداً.
حانت مني ابتسامة رغم أنني لم ألتفت إليها، ربما تكون هذه هي النهاية المكملة لهذا اليوم الطويل، هذا ما كان ينقصني تماماً، لم أفكر في الرفض أو إبداء الموافقة، أدرت السيارة متوجهاً للمنزل ، فلنترك الأمور تسري كما هي دون تدخل. لم أتردد.

تعاملت مروة في إعداد عشاء خاص، في حين انشغلت أنا بين تصفح لجرائد اليوم لتجول في قنوات التلفاز دون قراءة أو مشاهدة شيء يُذكر، بعد ساعتين تقريباً كانت قد انتهت، وسدت مروة رمق جوع، و روت ظمأ أوقد نيرانه غياب غادة من حياتي.
استبدلت وجودها بالعديد من مفردات حياتي، عدا غادة وحيرتها الملقاة على عاتق الشوق، وصرت أتفهم أكثر كيف كانت بشاير تفرض خيوط سطوتها على قلوب الرجال.
لم أجد يوماً لديها ما لا يمكنها التحدث عنه. وضح لي كيف أثمرت تلمذتها على أيد صديقي العاشق المتمرس في القراءة والاطلاع، وصارت تعرف المدينة كما أعرفها وتشاركني عشقها وملء ليالينا بعبقها، قالت:
- لم أعرف القاهرة يوماً إلا من خلال القراءات والحكايات، أبدع الكثيرون في وصف جوانبها التاريخية والأثرية والاجتماعية، إلا أن هناك دوماً جانباً لا بد أن تراه بعينيك، وجانباً آخر تشعره بروحك لا سيما عندما تتجول فيها مع من يعشق أجواءها، و يحفظ تفاصيلها.
جمعتني ومروة دروب وأزمنة لا يعلمها غيرنا، متشاركين لحظات تمر كسنوات، وأياما كلمح البصر في انتشاءات غير عادية لا أخرج منها إلا على وقع كتابات غادة .. كالعادة.

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة