ثقافة وفنون

علي شلش والأدب الإفريقي

30-9-2016 | 22:42

أرشيفية

أحمد فضل شبلول
يعد الأديب الراحل الدكتور علي شلش من أوائل الذين اهتموا بالأدب الإفريقي ترجمة وتعريفا، حيث ألف ستة كتب عن الأدب الإفريقي من مجموع مؤلفاته البالغ أكثر من 30 كتابًا في الأدب والنقد والفكر والتاريخ والسياسة.


ومن هذه الكتب التي كتبها عن الأدب الإفريقي، كتاب "من الأدب الإفريقي" الذي صدر عن دار المعارف بالقاهرة عام 1963، وكتاب "ألوان من الأدب الإفريقي" وصدر عن هيئة الكتاب - سلسلة المكتبة الثقافية - عام 1971، وكتاب "الدراما الإفريقية" وصدر عن دار المعارف - سلسلة كتابك - عام 1979، وكتاب "مختارات من الأدب الإفريقي" وصدر في بغداد عام 1986، فضلاً عن ترجمة كتاب "سبعة أدباء من إفريقيا" لجبر الدمور، وصدر عن سلسلة كتاب الهلال عام 1977، وأخيراً كتاب "الأدب الإفريقي"، وصدر عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت - العدد 171 - وصدر قبيل وفاة المؤلف - ووقع في 270 صفحة. ويعد هذا الكتاب الأخير من أشمل ما كتبه الأديب الراحل في هذا الموضوع.

إن الأدب الإفريقي طبقاً للتعريف العام بين جمهور المتأفرقين (أي المهتمين بالأدب الأفريقي) هو أدب المناطق التالية جنوباً للصحراء الكبرى حتى التقاء القارة الأفريقية بالمحيط في أقصى الجنوب، ولكن المؤلف يفضِّل أن يطلق الأدب الإفريقي على أدب البلاد الأفريقية خارج مجال العربية. وعلى الرغم من ذلك فإنه يرى أن المصطلح فضفاضاً ومؤقتاً لأنه من الصعب أن ندرس في ظله طائفة كبيرة من الآداب المكتوبة بطائفة كبيرة أيضاً من اللغات المحلية في الدول الإفريقية، وعلى الرغم من ذلك فإنه تقابلنا أشياء أخرى في مجال التعرض للأدب الأفريقي كما يرى الكاتب، ومنها المعنى القاري والمعنى الإقليمي، وحدود البحث خارج مجال اللغة العربية، حيث الكتابة بلغات أجنبية وافدة، فضلاً عن مشكلات الأديب الإفريقي نفسه حيث الشعور المزدوج بالغربة: الغربة داخل الوطن نتيجة لاستئثار المستعمر بكل شئ، والغربة داخل اللغة نتيجة لاضطرار الكاتب إلى التفكير بلغة أمته، والكتابة بلغة المستعمر، يُضاف إلى ذلك مشكلات الدارس نفسه لهذا الأدب، ومنها مشكلات الأدب الشفاهي، ومشكلة المراجع، ومشكلة المنهج.

وعلى الرغم من كل هذه المشكلات فقد أقدم د.علي شلش على تأليف كتابه هذا والذي قسمه إلى خمسة أنواع أدبية هي على التوالي: الشعر، والمسرحية، والرواية، والقصة القصيرة، والسيرة، وهذه الأنواع تعد أهم أنواع الأدب في إفريقيا خارج مجال العربية وأبرزها في آن واحد.

عن الشعر الإفريقي يقول المؤلف: إننا نستطيع أن نُميز بين أربعة أنماط من الشعر وهى بترتيب ظهورها:
1- النمط الفلكلوري، وهو يتداول عن طريق الشفاه بلغة محلية غير معروفة، ومؤلفه غير معروف.
2- النمط الشعبي المعروف المؤلف الذي يُتداول عن طريق الشفاه أو التدوين منسوباً لمؤلفه بلغة محلية أيضاً معروفة أو غير معروفة.
3- النمط المدون بلغة أفريقية مدونة منسوباً لمؤلفه.
4- النمط المدون بلغة أوربية مثل البرتغالية والإنجليزية والفرنسية، وهى أبرز اللغات الأوربية التي ظهر بها كثير من أدب القارة.

ويعد الشاعر الشعبي الصومالي الجنسية محمد عبد الله حسن (1864-1920م) – وهو زعيم ديني ومؤسس الحركة القومية الحديثة في الصومال ـ من أبرز شعراء النمط الشعبي. وتعد الملحمة المحمدية من أهم ما كتب في الشعر الشعبي الأفريقي باللغة السواحلية ومن أهم الملامح الأفريقية وأطولها، وهي تشمل منظومة للسيرة النبوية يبلغ عدد مقطوعاتها 6280 مقطوعة أي 25120 بيتاً.

وقد توقف المؤلف عند شاعر إفريقي واحد في كل من اللغات الثلاث المعروفة في أفريقيا، ففي اللغة البرتغالية توقف عند شاعر من موزمبيق هو أجوستينونيتو (1922-1979م) الذي يعد ممثلاً لجيله الذي مزج الشعر بالحياة وكواه بالنضال.

يقول هذا الشاعر في قصيدة له بعنوان "يجب أن نعود" كتبها في سجنه عام 1960م:
إلى بيوتنا، إلى أعمالنا، إلى الشواطئ، إلى حقولنا
يجب أن نعود
إلى أراضينا المحمِّرة بالبن، المبيِّضة بالقطن، المخضِّرة بالذرة
يجب أن نعود
إلى التنقيب عن الماس والذهب والنحاس والنفط
يجب أن نعود
إلى الريف الأنجولي الجميل، إلى أرضنا، أمنا
يجب أن نعود
يجب أن نعود
إلى أنجولا المحررة – أنجولا المستقلة

وفى الإنجليزية ـ ثاني لغة أوربية في الأدب بأفريقيا ـ توقف المؤلف عند الشاعر النيجيري كريستوفر أو كيجبو (1932-1967م) الذي يقول في إحدى قصائده:
إذا لم أتعلم كيف أغلق فمي
سأمضي سريعاً إلى جهنم أنا أو كيجبو منادي المدينة
ومعي جرس المصنوع من الحديد

وفي الفرنسية يختار المؤلف الشاعر المعروف ليوبولد سنجور الذي يعد أهم شاعر أفريقي كتب بالفرنسية، لا لأنه صاحب دور وطني وسياسي مرموق، وإنما لأن شعره من الموهبة والأصالة والغزارة بحيث يشكل عالما بذاته وهو عالم يغري بالدخول إليه والتأثر به، يقول الشاعر في إحدى قصائده:
نيويورك! اسمعيني يا نيويورك
دعي الدم الأسود يجري في دمك
عساه يزيل الصدأ عن مفاصلك الصلبة
كأنه زيت الحياة
فيكسب جسورك استدارة التلال
ومرونة النباتات المتسلقة
انظري
ها هي الأزمنة الغابرة تعود مرة أخرى
وتستعاد الوحدة والرفاق
بين الأسد والثور والشجرة
ويرتبط الفكر بالعمل، والأذن بالقلب والإشارة بالمعنى

أما عن موضوعات الشعر الإفريقي، فإنه يجب التفرقة بين عهدين، عهد السيطرة الاستعمارية أو ما قبل الاستقلال، وعهد الاستقلال والحرية، فموضوعات شعر العهد الأول ومادته ومصادره هي السيطرة الاستعمارية، وما طبعته على وجه الحياة من آثار عبر القرون، ومن أهم القصائد التي عبرت عن ذلك العهد قصيدة الشاعر السنغالي دافيد ديوب التي بعنوان "هكذا ضاع كل شيء".

أما موضوعات شعر العهد الأخير ـ عهد الحرية والاستقلال ـ فهي أكثر تنوعاً، حيث ظهرت قصائد الحنين إلى الوطن، وقصائد الحب والغزل، وظهرت قصائد تمتح من التراث الشعبي الأفريقي، وكان سنجور على رأس المنادين بالعودة إلى الجذور والمنابع الشعبية المحلية مقابل حملات التغريب والتداعيات الغربية والأجنبية.

أيضاً هناك الشاعر وولي شوينكا الذي يكتب باللغة الإنجليزية، حيث يبرز الارتباط الوثيق بالأرض والثقافة المحلية.

وعلى كل فإن الشعر الأفريقي شعر ملتزم ذو رسالة، بحكم ما أحاط نشأته من ظروف موجبة للالتزام وحمل الرسالة، وبحكم هذه الظروف أيضاً كان شعر مقاومة وثورة وتمرد وتعلق بالأرض الأم، ومازال على هذه الحال وربما سيظل كذلك إلى أمد بعيد.

أما عن المسرحية الإفريقية، فهناك المسرح التقليدي، وهناك مسرح الإرساليات (الإرساليات المسيحية الأوربية التي وجهت ضربة قوية للفنون المحلية الشعبية وعلى رأسها الدراما الأفريقية). وقد أفرد المؤلف صفحات للحديث عن المسرح في نيجيريا حيث تعد الحركة المسرحية هناك من أكبر الحركات المسرحية في القارة جنوب الصحراء، ومن أبرز المسرحين هناك وولي شوينكا الذي حصل على جائزة نوبل في الآداب في السنوات الأخيرة.

وقد وصلت مسرحياته إلى أكثر من عشرين مسرحية منها مسرحيات قصيرة ومسرحيات طويلة نسبياً مقتبسة ومسرحيات غير مسرحية، وهناك المسرحي جون بير كلارك. وفي خارج نيجيريا يوجد حركات مسرحية أقل نشاطاً وخصوبة غير أن غانا تعد من الناحية المسرحية أبرز بلدان غرب أفريقيا ـ بعد نيجيريا ـ ومن أهم كتابها أثا أبيدو أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة ساحل رأس.

ومن أهم الخصائص العامة للمسرح الإفريقي أن المسرحية الأفريقية ترتكز على تراث درامي شعبي غني، وأن هذا التراث شغل كتابها بقضية البحث عن شكل مسرحي أفريقي أصيل في مواجهة الشكل الأوربي الوافد.

أما عن الرواية الإفريقية فهي الشكل الفني الأدبي الوحيد الذي دخل عن طريق الاستعارة الخالصة، وفُرض على تطور النموذج المحلي كما يقول الباحث الناقد أ.د. داورني.

ويحدثنا المؤلف عن الرواية الإفريقية في اللغات المحلية، ثم في اللغة البرتغالية والفرنسية التي أتيح لها أن تكون أسبق لغات أوربا في إنضاج تجربة التعبير الروائي عند الأفريقيين، وتعد رواية "إرادات مالك الثلاث" للسنغالي أحمدو مابانيه دياني المكتوبة عام 1920م من الروايات الأفريقية المبكرة، وهي رواية يضع مؤلفها إصبعه على الكثير من المشكلات الإفريقية مثل التعليم الغربي والصراع الثقافي والصراع بين الأجيال ووجود السلطات الاستعمارية، وهي مشكلات تعد ذخيرة الروايات التالية المكتوبة بصورة أفضل.

وفي اللغة الإنجليزية ولدت الرواية الأفريقية ولادة تاريخية حيث ظهرت أول رواية مكتوبة بالإنجليزية عام 1930م لكاتب من جنوب أفريقيا هو سولومون بلا هيكي (1877-1932م) وهي رواية ذو عنوان طويل هو "مهودي: ملحمة حياة الأهالي في جنوب أفريقيا منذ مئة عام". وتعد هذه الرواية الإبداع الأدبي الوحيد لمؤلفها. أما رواية "ابك أيها البلد الحبيب" التي ظهرت عام 1948، لمؤلفها إبراها ماز فتعد أول عمل في تاريخ الفن القصصي بجنوب أفريقيا يظهر فيه الإنسان الأسود في صورة مبكرة. ونظراً لكثرة الإبداع الروائي الأفريقي فقد حاول كثيرون من المستغرقين والأفريقيين - على السواء – الوقوف على أسرار هذه الرواية، ويعرض المستغرق الفرنسي روبير باجيار أنواع الرواية المكتوبة بالفرنسية ويصنفها إلى: الرواية ذات الميل إلى السيرة الذاتية، ورواية المذكرات، ورواية الأخلاق والتقاليد الحديثة، والرواية الاجتماعية والإصلاحية، والرواية الكفاحية، والرواية الساخرة، والرواية السيكولوجية، والرواية ذات الفكاهة، والرواية الفلسفية.

غير أن هناك تصنيفاً آخر للرواية الأفريقية على أساس الرواية السياسية والرواية التاريخية، فضلاً عن التصنيف إلى الرواية الرومانتيكية والرواية الواقعية والرواية الرمزية، كما أن هناك تصنيفاً على أساس الشخصيات الروائية فهناك النموذج المثالي أو البطولي، والنموذج التقليدي والنموذج الثوري والنموذج الأسطوري ونموذج العائد من الغربة بعد المنفى أو الدراسة، والنموذج الأبيض الأوربي عادة، هذا عدا التصنيف إلى النموذج الرومانتيكي والنموذج المثير للشفقة والنموذج الخاسر ضحية الظلم والاضطهاد والنموذج اليائس.

ويخلص المؤلف في نهاية حديثه عن الرواية الأفريقية إلى قوله:
"إن أفريقيا خارج مجال العربية، لم تعرف الرواية إلا في أوائل هذا القرن، ومع ذلك حققت نجاحا كبيراً في فترة قصيرة نسبياً، لأنها لم تضطر إلى المرور بعملية تطور طويلة كالتي حدثت في أوربا حين نشأت روايتها مع نشأة الرأسمالية والبرجوازية، وبدخول العناصر الأوربية أفريقيا تأفرقت وسارت في دروب مختلفة عن ولية أمرها حتى صارت أبرز الأنواع الأدبية.

أما في القصة القصيرة في إفريقيا فقد تأخرت في الظهور لأن الصحافة لم تشجعها في البداية، غير أن المجلات لعبت دوراً بارزاً في تطور القصة القصيرة بعد ذلك حيث أقبل الكتاب عليها داخل المستعمرات البرتغالية والإنجليزية والفرنسية، ومن أهم هذه المجلات التي شجعت القصة القصيرة: مجلة الوضوح، ومجلة الوجود الأفريقي، ومجلة الطبلة، ومجلة أورفيوس الأسود، ومجلة الانتقال، ومجلة أوكيبامي.

أما الإبداع ذاته في مجال القصة القصيرة فهو أقل من الرواية والشعر، وطبقاً لمنهج المؤلف د. علي شلش فقد تحدث عن القصة القصيرة في اللغات المحلية والقصة القصيرة في الإنجليزية حيث يعد مالفيلي من أبرز كتاب القصة الذين ظهروا في جنوب أفريقيا. أما في اللغة الفرنسية فإن القصة عند عثمان سوسيه تكتسب كثيراً من خصائصها الفرنسية. وفى اللغة البرتغالية يعد الكاتب الأنجولي أوسكار ريباز أبا النثر الأفريقي بالبرتغالية.

وفي مجال السيرة يقول المؤلف إن السيرة الذاتية لم تزدهر في اللغات المحلية الإفريقية غير أن سيرة حامد محمد المرجبي تعد من أقدم السير في اللغة السواحلية، وهي سيرة رجل غريب الأطوار من أصل عربي يُعرف بكنية صوتية مختلفة هي "طيبو طيب"، وقد ولد في زنجبار عام 1930م لأب يعمل بالتجارة. وفي اللغة الإنجليزية يلاحظ المؤلف أن الأدب الأفريقي في اللغات الأوربية ولد في حضن السيرة الذاتية وكانت الإنجليزية قابلته.

ولعل أبرز سيرة ظهرت بالإنجليزية في السنوات الأخيرة هي سيرة الأديب النيجيري الحائز على جائزة نوبل وولي شوينكا وقد ظهرت عام 1981 بعنوان "آكيه".

أما في اللغة الفرنسية واللغة البرتغالية فهما لا تقدمان الوفرة في السيرة الذاتية كما قدمتها اللغة الإنجليزية.

وإذا كان هناك مجموعة من الخصائص التي نستطيع أن نستخرجها بعد هذه الرحلة في عالم الأدب الأفريقي، فإننا نستطيع أن نجملها في: الارتباط العميق الوثيق بقضايا القارة واستنكار السيطرة الاستعمارية، والوضوح الذي يصل إلى حد الشفافية في الأسلوب، والتلقائية في التعبير، وتنوع الرؤى والآراء والأساليب، وتغليب الذات على الموضوع.

وفى نهاية رحلتنا مع الأدب الإفريقي من خلال كتاب الراحل د.علي شلش، لا بد من الاعتراف بأن الأدب في إفريقيا لا يمكن عزله عن الظروف المحيطة به، وإذا كان قد تغلغل في الحالة الأفريقية فذلك أمر طبيعي، وهو أمر لم تعرفه أوروبا طوال قرون ماضية.

-----
أحمد فضل شبلول
(شاعر وكاتب مصري)

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة