ثقافة وفنون

رئيس التحرير (فصل من رواية)

2-8-2016 | 16:11

أرشيفية

أحمد فضل شبلول
ضحكت الجوهرة ضحكة هندرستمية عندما عرفت بحكاية دورة المياه، وقالت إن الأمور في المجلة تزداد سوءا وتعقيدا، ولم يحدث مثل هذا من قبل.


لم تعلق على ما فعله أيمن شرف، ولم تتحدث عنه مطلقا في أي مرة زارتني فيها، وكأنه غير موجود بالمجلة، ولكنها فتحت حقيبة يدها وأخرجت مفتاحا وضعته على مكتبي: هذا هو مفتاح حجرة مكتبي بالدور الثاني، خليه معك، إذا احتجت لدورة المياه بدلا من اللجوء إلى دورة مياه الحارس.
ـ مش معقول.
تقلدني: ليش مش معقول. أنا أغلب الأيام غير موجودة في المجلة، على الأقل ستعطي نفَسا لمكتبي، كلما دخلت به.

الدور الثاني به شقتان ـ ككل أدوار المجلة ـ شقة تقع فيها مكتبة المجلة التي يشرف عليها زميل سوداني، والأخرى بها مكتب الجوهرة.

رائحة عطور وبخور تعبِّق المكان، وعباءة خليجية سوداء مطرزة بماء الذهب معلقة على علاقة ملابس (شماعة)، ولوحات تشكيلية، وكتب وأقلام ذهبية، وجهاز كمبيوتر وطابعة، وجهاز تليفزيون 36 بوصة معلق على الحائط، وثلاجة مكتب 10 أقدام، وفوتيه يتكون من أربعة كراسي وكنبة تتسع لثلاثة أشخاص. ومائدة معدنية ذات سطح زجاجي فميه أسود عليها مبخرة بها قطع من بخور العود الأزرق وعلبة مناشف ورقية.

ثم المكتب الأسود العريض وكرسي المكتب المصنوع من الجلد الأسود الطبيعي، وفي الخلف تبدو مكتبة تختبئ فيها مئات الكتب والمجلدات الأنيقة، منها قصة الحضارة ل يول ديورانت، والأعمال الشعرية الكاملة لمحمود درويش ونزار قباني وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وفدوى طوقان، وجلال الدين الرومي، وديوان شعر لي لم أدر من أين أتتْ به، وبعض الروايات العالمية مثل "كافكا على الشاطئ" للياباني هاروكي موراكامي، و"شيفرة دافنشي" للأمريكي دان براون، وبعض روايات نجيب محفوظ، وبهاء طاهر.

بالإضافة إلى موسوعة وصف مصر لعلماء الحملة الفرنسية، وموسوعة الدكتور ثروت عكاشة "العين تسمع والأذن ترى"، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، ومعجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، وغيرها من الكتب العربية والإنجليزية والفرنسية، كان من بينها الموسوعة البريطانية بالإنجليزية، ودواوين بودلير ورامبو ومالارميه بالفرنسية، فضلا عن كتب عن اليابان والهند والصين وجنوب أفريقيا وبلاد أخرى، أكيد تستفيد منها وقت كتابة استطلاعاتها، أو هي إهداء من تلك البلاد عند زيارتها لها.

وفي نهاية الغرفة توجد أرفف معدنية ذات شكل طولي عليها نسختان من أعداد المجلة منذ العدد الأول.

عدم وجود الجوهرة بالمكتب أتاح لي فرصة تأمل محتويات مكتبها، والوقوف على ذوقها وثقافتها الرفيعة، والتجول في أنحاء الشقة/المكتب الواسعة.

توقفت عند بعض اللوحات التشكيلية المعلقة على الحائط وكأنني في معرض أو جاليري للفنون. لفتني لوحة ليـدي ليليث للفنان دانتي غابرييل روزيتي، وتحتها كتبت الجوهرة بخطها الأنيق:
"شهد العام 1848 ذروة اهتمام أوساط الأدب والفن بشخصية الليدي ليليث الأسطورية وذلك بفضل أعمال الشاعر الإنجليزي كيتس.

وفي الأعمال الشعرية والفنية في ذلك العصر، ترسّخت أسطورة ليليث باعتبارها رمزا للمرأة التي تتمتع بالجمال والذكاء والقوة.

وينظر العديد من النقاد إلى لوحة دانتي غابرييل روزيتي عن ليليث باعتبارها تمثل لحظة التحوّل في تلك الشخصية الأسطورية.

كان روزيتي، الإيطالي الأصل، يوصف بأنه مصوّر درامي وباحث عن المعنى وصانع أساطير، وربما تعمّد رسم ليليث بهذه الهيئة الحديثة كــي يخلع على أسطورتها مضمونا معاصرا.
ليليث – حسب بعض الروايات – كانت الشقيقة التوأم لآدم، وكانت تعيش معه في جنات عدن، وآدم كان ملك الجنة، وكانت ليليث تتطلع إلى أن تشاركه في الحكـم غير أن ذلك لم يتحقق رغم أنها كانت تتصف بالحكمة والأناة ورباطة الجأش.

وبعد أن أُخرجت ليليث من الجنة، تعلمت من رمز النور المزيد من الحكمة وعاشت ملكةً لليـل، إذ كانت تدعو السُـمّـار والساهرين للرقـص والمرح إلى أن يغيب ضـوء القمر.
واليوم أصبحت ليليث، بفضل تمسّكها بحرّيتها الشخصية واعتدادهـا بنفسـها وتمرّدهـا على استبـداد الرجل، رمزا للكثير من الحركـات النسوية في العالم".

هل تَرى الجوهرة نفسها في ليليث (الجمال والذكاء والقوة)، فعلقت لوحتها وكتبت تعليقها المصاحب. غير أني لم أر لوحة "الموناليزا" على سبيل المثال، التي انتشرت في كل مكان. هل "الموناليزا" من وجهة نظرها امرأة ضعيفة منكسرة، لذا لم تضع صورتها على جدران مكتبها؟

اقرأ ايضا:

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة