ثقافة

"كيس عظام" كاظم خنجر

8-6-2016 | 14:30
تعد القراءات والمراجعات عن الكتب أمرًا مهمًّا للكاتب أولاً، كي يطور من نفسه، ومهمة للقارئ أيضًا، لأنها تضيء العمل، لذلك يجب أن تتسم بالموضوعية والأمانة الأدبية.


في الحقيقة كانت هناك قراءات عديدة لكتاب الشاعر العراقي كاظم خنجر "نزهة بحزام ناسف"، منذ صدوره عن دار مخطوطات (هولندا) حتى الآن، وأعتقد أن هذا العدد الهائل من القراءات لم يخدم الكتاب ولا كاتبه، وكنت أتمنى أن نقرأ مراجعات موضوعية تقول ما للمجموعة وما عليها بكل أمانة.

رغم أن خنجر اعتمد على الومضة في أغلب نصوص المجموعة، واعتمد على الاختزال في النصوص الأخرى، فإنه وقع في فخ المباشرة والخطابة، وهناك نصوص احتاجت إلى أن يتم الاشتغال عليها بشكل أفضل، أن يخلق صورة شعرية حتى يكون النص شعرياً فعلاً، بعيداً عن التقريرية التي وضعها في بعض العناوين والنصوص، وهذا ما جاء في نص "إرهابي":
"عندما يفتشك الشرطي وأنت تدخل السوق، يشعرك بأنك إرهابي"، "وكلما سرت بالقرب من الكتل الكونكريتية المؤدية إلى دائرتك، تسير إرهابيًّا".

رغم أنه قادر أن يخرج بنصوص رائعة كنصه الذي افتتح به المجموعة، وجاء فارقا عن كل النصوص الموزعة في الكتاب فكرة وصياغة رغم عنوانه التقريري، فقد اعتمد في هذا النص تحديداً على المفارقة في الفكرة القائمة على استلام جثة أخ فقد في الحرب، فكانت الجثة عبارة عن بضع عظام وضعها في كيس وعاد بها إلى المنزل.

في هذا النص، تظهر قدرة خنجر على حشد الدلالات في الصور الشعرية لتبدو أكثر إيلامًا ووجعًا، وهو هنا لا يتجه بالنص نحو نهايته بقدر ما يضع نقطة واضحة مليئة بكثير من نقاط التوهج الشعري والدهشة الذي يتركه في نفس القارئ، فيحقق جمالية صادمة عبر أسلوب جديد وغير متعارف عليه، ولا يستوعبها الأسلوب الخطابي، لذلك جاء خرقاً حرّاً لخطابية اللغة:
"يقول التقرير الطبي إن كيس العظام الذي وقعت على استلامه اليوم هو أنت. لكن هذا قليل. نثرته على الطاولة أمامهم. أعدنا الحساب: جمجمة بستة ثقوب، عظم ترقوة واحد، ثلاثة أضلاع زائدة، فخذ مهشمة، كومة أرساغ، وبعض الفقرات. هل يمكن لهذا القليل أن يكون أخًا؟".

وإذا ما عدنا إلى عنوان المجموعة "نزهة بحزام ناسف"، نرى أنه هو أيضا نص شعري كامل احتوى على ومضة ذات بنية مركزة وتعريفية عن محتوى الكتاب.

ارتكز خنجر في هذا الكتاب على الجثة والموت حتى يشعر القارئ بأنه لا يكتب الشعر لمجرد الشعر، بل إنه يدون مخلفات الحرب وخرابها ليقول للعالم أجمع إن هذا ما حدث في العراق وبهذا الشكل البشع، هو هنا يقدم تأريخا لحدث الخراب والتداعي النفسي للإنسان العراقي الذي لم يعد بإمكانه العيش حياة طبيعية كأي إنسان طبيعي.

"نشروا صورة جثته على الـ"فيسبوك"، أخي الأصغر، وبعدما عجزنا عن العثور عليها، قمنا بطباعة الصورة،
تغسيلها، تكفينها، ودفنها في مقبرة العائلة".

أعتقد هنا تحديدا أن خنجر استطاع أن يجعل القارئ بعد قراءة هذه المجموعة يهيم في مدى لا نهاية له، أن يسير نحو اللاشيء، فكل الجثث تدفن في رأسك وكل الخراب سيلطخ روحك، وستسكن حيث الحزن تمامًا.

بعد صدور هذا الكتاب تحديدا، ذهب الكثير لتسمية الشاعر كاظم خنجر بالظاهرة، وحقيقة لا أعلم إن كان القصد إيجابياً أم سلبياً، إن كان إيجابياً فأنا لست مع ذلك، لأن هذا ينسف كل التجارب الكثيرة وذات القيمة الجديرة بالشعر نفسه دون ذكر أسماء، فمنذ حرب إيران وشعراء العراق يفتحون الباب الخلفي للحرب ويكتبون عن الخراب الذي عشش في نفوسهم، كل حسب تجربته الخاصة.

أما إذا كان العكس، فأنا لست معه أيضاً، لأن كاظم خنجر ليس ظاهرة زمنية ستختفي، فلديه موهبة شعرية قادرة على الاستمرار إذا ما طورها ووظفها بشكل ذكي. لقد قدم نصّاً جديداً على طريقته هو، التي لا تشبه أحداً، تاركاً بصمته التي سيعرف القارئ من خلالها نصه أينما نشره، لأنه يأتي نتيجة تركيز ومعرفة وتأمل عميق في الحرب والموت.
------

تهاني فجر
(شاعرة وكاتبة من الكويت)

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة