موضوعات مقترحة
«عمارة » : البحر الأحمر درة تاريخية ونعمة كبري وكنز لأبناء المحروسة
د. «بدوي» : الكرم عادة متوارثة تدفع البلاء عن الشخص و أولاده من خلال إطعام الطعام
البحر الأحمر- عرفات علي
تبوح بوابة مصر الجنوبية متمثلة في مناطق حلايب وشلاتين وأبو رماد دائما بتراثها الإنساني الأصيل لكل من يتعمق في دهاليز هذه المجتمعات وكلما غاص باحث في أعماق تقاليدها وعادات أهلها الطيبين تداعبه حكايات وروايات إنسانية تجسد مدى التمسك بالفطرة، التي فطر المولى عز وجل عليها الخلق دون تزييف أو تحريف ففي مفردات الحياة هناك حكايات شيقة منها ما يتعلق بالفصل والأصل وعمق الجذور وما يتعلق بمدى التمسك بالزي التراثي والأكلات والمشروبات التي تقاوم الأمراض " الأهرام المسائي " يقترب معكم من حكايات عن طقوس الأفراح والكرم وغيرها من الحكايات الأخرى .. خلال السطور التالية .
حكاية الأصل والجذور
الحكاية الأولى تتعلق بأصل الإنسان البدوي وجذوره ويحكيها ممدوح عمارة عضو مجلس النواب سابقا عن منطقة الجنوب فيقول بداية " محافظة البحر الأحمر لها خصاصة وتفرد وندرة عظيمة جدا في عدة أمور وهي نعم من القدير خص الله بها " أمنا مصر المحروسة " من دون العالمين ولذا نردد لأبنائنا دوما "البحر الأحمر درة تاريخية ونعمة كبري وكنز لأبناء المحروسة" ، وتملأ الكتب والمراجع تاريخ مدن ومناطق مثل القصير و سفاجا والغردقة وصحراء وادي عيذاب ، ومحمية الجمال ومزار سيدي أبو الحسن الشاذلي وغيرها من المناطق التي تشي أحجارها بأعظم أيام من تاريخ مصر منذ عدة قرون حيث كنا بوابة سلة الغذاء لعدة شعوب .
حراسة مناجم الذهب
إن أهل حلايب وشلاتين وأبو رماد تعود أصولهم إلى قبائل البشارية والعبابدة كأكبر قبيلتين مصريتين ضربتا جذورهما في هذه المناطق منذ أيام المصريين القدماء الأوائل وهما قبيلتين مصريتين أصيلتين من ضمن القبائل الحدودية اللي أعطاهم ملوك مصر القديمة الحماية في مقابل حراسة ومراقبة حدود وصحاري مصر وحراسة مناجم الذهب التي نقب عنها الفراعنة والعبابدة والبشارية أكثر قبائل مصر تمسكا بالمكان والأصول وأكثرهم تجانسا وترابطا ومن الصعب لديهم الخروج عن المألوف والعرف والتقاليد الأصيلة .
الأجداد لا يعرفون عيادات الأطباء
ويؤكد "عمارة" ان هناك حكاية شيقة تتعلق بصحة الأجداد وعدم اللجوء للأطباء حيث كان الرجل البدوي بطبيعة عمله في تربية المواشي ومعيشته بين دروب الجبال والوديان يشرب لبن الإبل كما يشرب الماء،وغالبا يخلطه بعسل النحل ونادرا ما كان أجدادنا يبرحون الجنوب الشرقي إطلاقاً كانوا لا يؤمنون بأن هناك حياة أجمل من التي يعيشونها في هذا المناخ الصحي.وكثير من الأجداد لم يتذوقوا الفاكهة ولم يأكلوا الأطعمة المسرطنة طوال حياتهم،وعندما كان احدهم يتعرض لوعكةٍ صحية،مهما كانت آلامها كان يتداوى منها بأعشابٍ يحفظ أماكنها في الجبال وكانت أعواد شجرة الآراك وسيلة لتنظيف الأسنان وغالبيتهم لم يروا عيادات الأطباء بعكس الجيل الحالي وهناك من عاش ومات دون أن تنال من عقله أعراض الشيخوخة،وظل يتذكر كل شيء مر على حياته .
الأفراح والليالي الملاح
ويشير "عمارة" الى حكاية الأفراح البدوية التي كانت ذات أبعاد إنسانية متميزة والتي كانت تستمر لأكثر من سبعة أيام، لأن اهل تلك المناطق يعرفون ويقدسون معنى الفرح فكانوا أحرص على إطالة أيامه ولياليه. وكانت الأفراح والمناسبات مرتبطة في ثقافتهم بالأشهر العربية،حيث هناك مواعيد محددة للزواج،وشهور يختارها الرجل لتحديد موعد زواجه وأخرى يتجنبها، وليالي الفرح فيها حكايات جميلة كانت الناس تنتقل لبيت صاحب الفرح مهما كانت المسافات بعيدة لأن دعوة صاحب الفرح مقدسة لا تمنع تلبيتها إلا الظروف القهرية الطارئة والكل يتفانى في مساعدة أصحاب العرس ويفرحون لفرحهم وغالبية المعازيم التي كانت تأتي من أماكن بعيدة تقيم عند أهل العريس أو العروس طوال مدة الفرح، وتتخلل أيام الفرح سباقات الإبل وذبحها أيضا وإعداد الطعام والخبز، وكانت الأفراح بسيطة، لا تعقيدات فيها ولا يتكلف الناس فوق طاقتهم فلا مظاهر ولا تفاخر كل التفاصيل كانت جميلة،وكل شيء كان مصنوعا من المكان، بما فيه عش الزوجية، الذي كان على مسماه فعليًا وليس مجازًا،قديما كانت الناس تؤسس منزلها من البرش وأغصان الأشجار وكل ما هو من البيئة من الجلد والصوف أحيانًا.لكن انقلبت الأمور رأسا على عقب ولم يعد زواج اليوم شبيه بالبارحة إطلاقا تغيرت التفاصيل وكل شيئ بات في خبر كان لأن تلك المناطق باتت أكثر تحضرا في كل تفاصيل الحياة .
أصالة وعراقة
ويشير "عمارة" إلى حكاية الزي البدوي سواء الرجال او السيدات هناك فيقول انه تراث إنساني متوارث منذ قدم الزمان وهو يمثل حكاية منفردة لان التمسك به لا تستطيع أية عوامل تتعلق بالتطور لمناحي الحياة أن تمحوه من الذاكرة وهو تعبير عن أصالة وعراقة هذا الشعب.
الجلباب الأبيض
ولفت إلي أن هذا الزي كما هو رداء قبائل بدو سيناء ومطروح وسيوة والواحات ومكوناته عبارة عن الجلابية التي تشبه الجلباب الصعيدي ويشترط ان يكون ابيض اللون ناصع البياض ولم يكن اللون الأبيض إلا لعلة وسبب حيث تعرف تلك المناطق بشمسها الحارقة وكما هو معروف إن اللون الأبيض يقاوم أشعة الشمس الحارقة ويعكسها ويعلو هذا الجلباب ما يسمى بالسديري ودائما ما يكون الأخير من الألوان الغامقة ليعطي شكلا مميزا وجميلا للرجل او الشاب البدوي وهناك لفة الرأس و الملحفة وهي غالبا ما تكون شال يوضع علي الكتف.أما ملابس النساء فهي عبارة عن توب يشبه التوب النوبى والعروسة ترتدي يوم عرسها ثوبا مميزا يشير إلى البهجة والفرح وغالبا ما يكون ورديا أو أحمرا وترتسم على أيديها وأرجلها رسومات الحنة الرائعة الشكل كما هو حال عرائس النوبة .
الكرم والجود
أما الكرم فحكايته كانت قد لخصتها الدكتورة و الباحثة نادية بدوي في كتابها "يوميات باحثة مصرية في حلايب"،والتي كانت قد زارت تلك المناطق في فترة التسعينات وأقامت هناك لخصتها في موقف إنساني تجلى في فلسفة السيدة التي أقامت في منزلها عدة أيام وتدعى"فاطمة"حيث شاهدتها وهي تخصص جزءا من الطعام، لتضعه على مقربة من قبر جدها في هذه الصحراء القاحلة، حيث قالت لها الباحثة أ يا فاطمة أنتِ الأحق بهذا الطعام، لتقوية جسدك الهزيل والضعيف وأن هذا الطعام الذي تعاني في إعداده لن يصل إلى جدك الذي توارى تحت التراب ناهيك عن قلة الأطعمة فبدلا من أن تلقي به في الصحراء، الأولى أن تحافظي عليه وهنا جاءت الإجابة البدوية، خالية من التعقيدات فقالت السيدة بفطرتها وفلسفتها البسيطة : أنا أعلم أن جدي لن يقوم من قبره ليأكل هذا الطعام، ولكني أحرص على وضعه بجوار قبره راجية أن يمر جائع أو تائه أو عابر سبيل بجوار القبر، فيأكل ويقرأ الفاتحة و يترحم على روح جدي. لذلك زاد هذا الأمر من تعجب الدكتورة نادية بدوي وهي تقارن ما بين تفكيرها وهي ابنة المدينة،والمتدرجة في مراحل التعليم وبين هذه السيدة التي وصلت إلى كل هذا وهي لم تخرج من هذه الصحراء. باختصار الكرم لدى أبناء الجنوب هو عادة متوارثة حيث يرون فيه ما يدفع البلاء عن الشخص أو أولاده من خلال إطعام الطعام.
نجدة لكل عابر
وأضافت وكانت واحدة من العادات المتبعة في هذا المناطق قديماً،وهي وضع الأطعمة والماء وحبوب البن الخضراء وأعواد الثقاب في أماكن متفاوتة في الوديان وبعض الأماكن المشهورة بجوار المقامات وقبور الأولياء في صحراء حلايب، نجدة لكل عابر أو مارٍ في هذه الأماكن. وكان الرعاة في رحلاتهم على دراية بهذه الأماكن، فلو كان ينقصهم منها شيء يذهبوا للحصول عليه، ولو كان معهم في رحالهم فائض وضعوه إلى جانب هذه الأغراض ليحصل عليها آخر غيرهم هو بحاجة إليها.