موضوعات مقترحة
يبدو أن العالم سيشهد صراعا أمريكيا – أوروبيا يؤدي في النهاية إلى تطورات استراتيجية حاسمة تعيد صياغة موازين القوى حول العالم، باقتراب خريف أوروبى بعدما تخلت أمريكا عن دورها في حماية الاتحاد الأوروبي كمظلة دفاعية.
أمريكا أعادت مبادئ (وثيقة مونرو) بعد مرور 200 عام على صدورها بتعديلات ونكهة ترامبية كاشفة قي (وثيقة سياسة الأمن القومي الامريكي)، وترد أوروبا بإجراءات استغناء عن الحماية الأمريكية، والبحث عن تسليح وذخائر من دول العالم، والإعلان صراحة أن زمن استرضاء أمريكا قد ولى وانتهى مما يطرح الأسئلة الجوهرية عن مستقبل التحالف الغربي كله؟ وهل تؤدي هذه التطورات إلى خروج الولايات المتحدة الأمريكية من حلف الناتو؟، ومن ثم ضعف في بنية الاتحاد الأوروبي مما سيخلق حتما أزمة سياسية واقتصادية كبرى وعودة الحديث عن احتمالات تفكك المجتمع الأوربي وعودة شبح انهياره.
البدايه، كانت خلافات حادة بين أمريكا والاتحاد الاأوروبي منذ تولى ترامب، حول الحرب الأوكرانية – الروسية وإصرار أوروبا على مواصلة الحرب ورفض خطط السلام الأمريكية وهو ما انتقدته دوائر صنع القرار في أمريكا مرات عدة ودفع الولايات المتحدة لإصدار إجراءات فرض رسوم جمركية بنسبة 15% على أوروبا ثم أخيرا وثيقة استراتيجية تحدد أسس ومبادئ الأمن القومي الأمريكي في 33 صفحة لسنوات قادمة،
الوثيقه تسببت في صدمة كبرى للاتحاد الأوروبي لما تضمنته من مبادئ منها على سبيل المثال الإشارة إلى أنشطة تقوم بها الديمقراطيات الأوروبية تقوض الحرية السياسية وتهدد السيادة الأمريكية، وسياسات الهجرة التي تُغيّر وجْه القارة وتخلق الصراعات، والرقابة على حرية التعبير وقمع المعارضة السياسية اليمينية، وانخفاض معدلات المواليد بشكل حاد، وفقدان الهويات الوطنية والثقة بالنفس وهو ما يهدد الأمن القومي الأمريكي وأصبحت حماية الحضارة الغربية عبئا على المظلة الأمريكية، وأن التهديد الأكبر هو الهجرة غير المنضبطة إلى أمريكا عبر أوروبا الغربية، وأن روسيا أو الصين هما التهديد الثاني للأمن القومي الأمريكي.
مبدأ جيمس مونرو الذي استندت له الوثيقة الأمريكية الجديدة يعد أحد أهم الأسس التي شكلت السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر، وواحدا من أكثر المبادئ تأثيرا في العلاقات الدولية في نصف الكرة الغربي وقد أعلن عنه الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمس مونرو) في خطابه السنوي إلى الكونجرس عام 1823، ليصبح لاحقا حجر الزاوية في استراتيجية واشنطن تجاه أوروبا وأمريكا اللاتينية.
وثيقة مونرو تقول ( يجب أن تكون الولايات المتحدة المهيمنة في نصف الكرة الغربي كشرط لأمننا وازدهارنا — شرط يسمح لنا بأن نؤكد حضورنا بثقة، حيث ومتى نحتاج في المنطقة". وتضيف: "يجب أن تكون شروط تحالفاتنا، وشروط تقديم أي نوع من المساعدات، مرتبطة بالحد من النفوذ الخارجي المعادي — من السيطرة على المنشآت العسكرية والموانئ والبنى التحتية الحيوية إلى شراء الأصول الاستراتيجية بمعناها الواسع".وعند الإشارة في الوثيقة إلى "ملحق ترامب"، فهذا يعني إعادة تفسير حديثه للمبدأ بما يتناسب مع الظروف الحالية، عبر تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في نصف الكرة الغربي ومواجهة النفوذ الصيني المتزايد في أمريكا اللاتينية وربط المساعدات والتحالفات بشروط تحدّ من تدخل القوى الخارجية واعتبار أمن الحدود والهجرة والتهديدات العابرة مثل المخدرات جزءًا من الأمن القومي الأمريكي وبذلك تسعى إدارة ترامب إلى إحياء مبدأ عمره 200 عام، ولكن بصياغة عصرية تركز على السيطرة الاستراتيجية والاقتصادية ومواجهة القوى الدولية الصاعدة.
الأوربيون اعتبروا أن إحياء مبدأ مونرو بصيغة ترامبية معدلة واعتبار أوروبا بأنها التهديد الأول للأمن القومي الأمريكي يعد (انقلابا سياسيا أمريكيا) يثير الشكوك ويفقد الثقة الأوروبية كاملة في مظلة الحماية الأمريكية، حيث أصبحت روسيا والصين في المرتبة الثانية لما يهدد الأمن القومي الأمريكي وأصبح الاتحاد الأوروبي التهديد الأول ما يجعل أوروبا، وخاصة بريطانيا، في حالة من عدم التصديق. وللمرة الأولى تعلن الولايات المتحدة نفسها عدوًا لدول اليورو. وتبرز أوروبا كخصم رئيسي في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، وكل ما بدا راسخًا منذ الحرب العالمية الثانية انقلب رأسًا على عقب؛ حيث تصبح أرض الحرية مصدر تدمير للقيم الديمقراطية، بينما تفشل سياسة الاسترضاء التي يتنافس عليها رؤساء الدول الأوروبية نحو الراعي الأمريكي دون جدوى.
أخيرا.. الواضح من التطورات الأخيره أن الإدارة الأمريكية تتجه إلى العزلة والابتعاد عن مناطق الصراع خاصه الشرق الأوسط أولا ثم أوروبا ثانيا تحت ضغوط الديون وأزمات المهاجرين بعد أن فشلت التدخلات الأمريكية في أوروبا أو تحصيل مبالغ مالية نظير الحماية الأمريكية.
ويرجح الخبراء أن يكون هدف الولايات المتحدة من إصدار وثيقة الأمن القومي الأمريكي كصورة معدلة لوثيقة مونرو هو تشجيع خروج 4 دول هى إيطاليا والنمسا وبولندا والمجر من الاتحاد الأوروبي، وهو إعلان الحرب ضد السياسة الأوروبية وأسلوب الحياة في أوروبا كلها تمهيدا لانهيار الاتحاد نهائيا على شاكلة خطط الربيع العربي، حيث أصبح لدى الأوربيين قناعة أن الهدف الأمريكي هو تفكيك الاتحاد الأوروبي إلى سبعة وعشرين دولة، مُجرّدة من الحماية العسكرية وقوة السوق الاقتصادية الموحدة.
أحمد عبد الخالق