موضوعات مقترحة
د. ماريان جرجس
تغيّر المشهد السياسي في مصر على مدار العقود السابقة بشكل كبير، ولازال في ذاكرتي المشاهد الانتخابية في تسعينيات القرن الماضي، حيث كان المُناخ العام قائما على محدودية التعددية السياسية وكأن ذلك كان مقابل الاستقرار، لم يكن المواطن فردًا فاعلًا في رسم لوحة المستقبل السياسي لوطنه، وكانت المشاركة الشعبية ضعيفة جدًا ولكن لم يكن السُبات السياسي الذي يعيشه المصريون حينها هو فقط كل الآثار الجانبية لذلك التهميش الشعبي، ولكن إبان ذلك السُبات العميق، كان هناك فصيل آثم يترعرع وينظم نفسه في الظلام ويحقق مكاسب في النقابات ويتغلغل في مفاصل الدولة وكأنة يغل أطراف الدولة ويأخون الأطراف وينظم نفسه في هيكل مرصوص وكأنه كان ينتظر 2011.
وبالفعل جاءت أحداث 2011 وطالب الشعب بمطالب كثيرة من حقه، ولكننا لم نعلم حينذاك أننا لسنا مؤهلين لتلك المطالب، وتملك الأخوان من مقاليد دولة أكبر وأعظم منهم بكثير، وأتذكر كيف كانت الانتخابات في ذلك العام، حيث استفاق الشعب وبدأ يشارك بشكل فعال، ولكن صفوف الشعب كانت منقسمة بين يسارية وليبرالية وثورية وقوى إسلامية، ولكنهم كانوا الأكثر جاهزية ولم تكن الانتخابات بتلك السهولة واليسر والتنظيم ولكن كنا نقف في صفوف طويلة ونواجه عراقيل، عملية انتخابية غير نزيهة أو شفافة، شراء أصوات، استقطاب باسم الدين، حتى مرر الإخوان كل الانتخابات كيفما رأوا، ومرروا الدستور والإعلان الدستوري حتي أصبحت اللوحة شديدة السواد.
ثم جاءت ثورة يونيو ليتغير المشهد السياسي برمته وتشرق فجر الدولة المصرية الحديثة.
وهي ذات الدولة اليوم التي تحرص اليوم، أكثر من المواطن على أن تكون الانتخابات شفافة ونزيهة، على أن تكون انتخابات حقيقة غير كارتونية وغير مزيفة، تحرص أن يكون مجلس النواب مرآة حقيقية للشعب المصري، وحتى وأن تهاون المواطن المصري في حقه الدستوري، ترفض الدولة المصرية قبول تلك الانتخابات بذلك الشكل وتعيد لتنقح الانتخابات مرة أخرى، وهذا إن دل فإنما يدل على نية الدولة الحقيقية على أن يكون الشعب المصري هو المكون الفاعل الوحيد في رسم المشهد السياسي، تصر الدولة على أن يحظى الشعب المصري بممارسة ديمقراطية حقيقية وأن يصل لدرجة من الوعي والنضج الوطني التي تمكنه من أن يفهم معنى الدولة، ومقدرات تلك الأمة، يفهم من يختار ومن ينوب عنه في صناعة المستقبل، حتي لا نقع في أخطاء الماضي، ولا نعود إلى السبات السياسي، حتى يكون هناك أكثر من فصيل منظم واعٍ، يعى معنى الممارسة الديمقراطية الحقيقية، فإذا غاب الوعي السياسي وانسحب الشعب من المشهد، ملأ ذلك الفراغ التنظيمات الآثمة وسُرق المشهد من أصحابه.