موضوعات مقترحة
حملة أمنية مكثفة لاعتقال متطرفين يحملون أفكارا تكفيرية
منفذ الهجوم أحد عناصر قوات الأمن ومقتل جنود أمريكيين وسوريين
ياسين غلاب
جاء هجوم تدمر يوم السبت الماضي ليصب مزيدًا من الزيت على النار السورية المشتعلة منذ 15 عامًا؛ وبعد مرور عام على رحيل بشار الأسد؛ وكأنها رسالة تقول إن الأوضاع لم تترتب بعد في سوريا الجديدة. فالحابل بالنابل يختلط والكل يذكر سرديات مختلفة؛ في الوقت الذي تتداخل فيه المصالح الأمريكية مع الأوروبية والروسية؛ جنبًا إلى جنب مع المصالح الإقليمية؛ وتحت الاحتلال الإسرائيلي المقنع بإقامة منطقة عازلة في الجنوب السوري؛ لكن لا أحد يتحدث عن سيادة الدولة واحترام أراضيها ولا عن فرض الأمن من خلال جيش وطني موحد وكأنه تقسيم غير معلن.
الشرع يعزي ترامب
وقد بعث الشرع ببرقية تعزية إلى ترامب مؤكدًا تضامن بلاده مع عائلات الضحايا ومشددا على إدانة سوريا لهذا الحادث المؤسف وعلى التزامها بالحفاظ على الأمن والسلامة وتعزيز الاستقرار في سوريا والمنطقة.
حملة أمنية
من جهتها؛ أطلقت قوات الأمن السورية بالتعاون مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن حملة أمنية ضد خلايا تنظيم داعش النائمة؛ حول مدينة تدمر بعد أن وصفت هجوم السبت الماضي بالإرهابي والذي أدى إلى مقتل ثلاثة أمريكيين هم جنديان ومترجم مدني وإصابة عناصر من القوات الأمريكية والسورية.
وقال المتحدث باسم الداخلية السورية أن منفذ الهجوم كان عضواً في قوات الأمن منذ عشرة أشهر وعمل معهم في أكثر من موقع وكان من المقرر فصله يوم الأحد؛ أي اليوم الثاني للهجوم بسبب أفكاره التكفيرية أو المتطرفة.
وقد أوقفت السلطات السورية أكثر من 11 عنصرًا من الأمن العام وأحالتهم إلى التحقيق مباشرة بعد الحادث.
من جانبه، قال أسعد الشيباني وزير الخارجية السورية في اتصال هاتفي بنظيره الأمريكي ماركو روبيو أن الهجوم يعد تحديًا جديدًا في إطار مكافحة الإرهاب ومؤكدا "أهمية العمل جنبًا إلى جنب لتعزيز الجهود المشتركة في هذا المجال.
ترامب يعلق
وفي تعليق للرئيس الأمريكي على الهحوم؛ أوردت شبكة "سي إن إن" أن ترامب قال "أوكد لكم أن من ارتكبوا هذا العمل في سوريا سيتعرضون لضرر بالغ"؛ وتابع "وقد فقدنا ثلاثة من أبطالنا على يد أشرار، وليس الحكومة السورية؛ بل تنظيم داعش، وأن الرئيس السوري الجديد "قاتل إلى جانبنا".
أما المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا "توم براك" فقد قال إن الهجوم لن يؤدي إلا إلى "تعزيز" الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى تمكين الشركاء السوريين القادري مع دعم عملياتي أمريكي محدود على مطاردة شبكات داعش وحرمانها من الملاذ الآمن ومنع دعوتها.
تضارب مصالح دولية
نشرت وكالة الأنباء الألمانية تقريرًا أشارت فيه إلى أن هجوم "تدمر" دليل جديد على تضارب المصالح الدولية وقالت: بينما تسعى العديد من الأطراف الدولية لتثبيت دعائم النظام الجديد في سوريا بشتى الطرق لأهداف بعضها معلوم والآخر خفي، جاء الهجوم الذي وقع في مدينة تدمر وسط البلاد ليعكس بوضوح هشاشة الوضع هناك وكيف تحولت سوريا إلى فسيفساء من مناطق النفوذ التي تتصادم فيها مصالح دولية كبرى، وكأن أرضها باتت رقعة شطرنج كبيرة يتبارى فوقها لاعبون كثر.
فالهجوم الذي وجهت الولايات المتحدة أصابع الاتهام فيه لتنظيم داعش وسط تهديد بـ"رد ساحق" يطرح من جديد مسألة سيادة الدولة واستباحة أراضيها، كما أنه يفرض تساؤلا بشأن المنفذ الحقيقي للهجوم، لاسيما وأن داعش لم يعلن مسؤوليته عنه.
وركزت شبكة إيه بي سي الأمريكية على أن هذا هو أول سقوط لقتلى أمريكيين في أعمال قتالية منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مستشهدة برد فعل الرئيس الأمريكي على الهجوم، الذي أسفر عن مقتل ثلاثة أمريكيين بينهم عسكريان وإصابة آخرين.
فترامب، تحدث عن مدى غضب الرئيس السوري أحمد الشرع من الهجوم، ولم تفته الإشارة إلى أنه وقع "في منطقة شديدة الخطورة من سوريا، لا تخضع لسيطرتهم الكاملة".
ووفقا لإيه بي سي فهذا هو الهجوم الأكثر دموية ضد الأمريكيين في سوريا منذ عام 2019 عندما قتل أربعة منهم في هجوم انتحاري في مدينة منبج بشمال البلاد.
وأشارت الشبكة إلى أنه "قبل يوم السبت، كان هناك 10 قتلى من الجيش الأمريكي في سوريا، بما في ذلك مزيج من القتلى في عمليات عدائية وغير عدائية. وسقط آخر قتيل من الجيش الأمريكي في سوريا في عملية غير عدائية في فبراير 2022".
من جهتها، لفتت صحيفة الجارديان البريطانية إلى أن الهجوم على القوات الأمريكية في تدمر هو الأول الذي يسفر عن سقوط ضحايا منذ الإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد قبل عام.
وبينما لا يزال الغموض يكتنف هوية منفذ هجوم تدمر، حيث أعلنت السلطات السورية أنها تحقق في ما إذا كان ينتمي لتنظيم داعش أم أنه كان يحمل فقط أيديولوجيته المتطرفة، نفت وزارة الداخلية السورية تقريرا صادرا عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يتخذ من بريطانيا مقرا له، يتحدث عن أن المهاجم هو أحد أفراد الأمن السوري.
وازداد الغموض مع إعلان المتحدث باسم الداخلية السورية في تصريحات تلفزيونية عن تحذيرات مسبقة من جانب قيادة الأمن الداخلي في منطقة البادية من احتمال حدوث اختراق أو هجمات متوقعة لداعش، بينما نقلت عنه شبكة سي إن إن الإخبارية أن المهاجم "كان معروفا للسلطات قبل الهجوم الدموي".
ويرى كثيرون أن هجوم تدمر يمثل علامة استفهام كبيرة بشأن طبيعة الهدف، لا سيما وأن استهداف الأمريكيين جاء في الوقت الذي تتواصل فيه التوغلات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا بصورة يرى الكثير من السوريين فيها احتلالا لأراضيهم.
وربما تكتمل الصورة إذا ما انضمت إليها مساعي تركيا لفرض هيمنتها على مدن الشمال السوري بدعوى قطع الطريق على الأكراد ووأد حلمهم في إقامة دولة لهم، حيث تعتبر أنقرة أن وحدات حماية الشعب الكردية امتداد لحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه منظمة إرهابية لديها، وتخشى من أن يشكلوا معا تهديدا مباشرا لأمنها واستقرارها على الحدود. وتقول تركيا إنها تعمل على إنشاء "منطقة خالية من الإرهاب"، عبر دمج الأكراد السوريين ضمن هياكل الدولة السورية كجزء من حل سياسي.
وفي ظل أحداث طائفية تطل برأسها بين الفينة والأخرى وتهدد بتمزيق النسيج الوطني السوري، ووسط المآرب المختلفة لقوى دولية وإقليمية كبرى يساور الكثير من السوريين القلق بشأن مصير بلدهم، وتزداد المخاوف من أن يكون ما يحدث حاليا هو عبارة عن تقسيم غير معلن للبلاد.