موضوعات مقترحة
كلما توهمت إسرائيل ضعف القدرات العسكرية للدول العربية كلما توحشت وسفكت مزيدا من الدماء واستولت على مزيد من الأراضي، وضربت بكل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية عرض الحائط، وتحولت إلى مجرم حرب يحاكم أمام الجنائية الدولية، يقضم الأراضي قطعة قطعة ويزيل الحدود ويغتال القيادات سياسية وعسكرية ودينية طالما ظلت دون ردع حاسم.
ومع غياب القوة العربية الموحدة رفضت إسرائيل المبادرة العربية التي صدرت من الجامعة العربية وبالإجماع، لأنها ترفض المبدأ الذي فرضته مصر المنتصرة الأرض مقابل السلام واستبدلته بالتوحش بمبدأ ( السلام مقابل السلام ) وللأسف قبلته أطراف عربية مهمة عن يد وهم صاغرون.
هذا التنازل دفع إسرائيل إلى مزيد من الطمع والتوحش بارتكاب جرائم ضد الإنسانية باعتراف العالم كله حيث سحقت قطاع غزة وجنوب لبنان واستولت على أراضي جبل الشيخ والجنوب السورى دون قتال لتفرض مبدأ جديدا يعد عجيبة من أعاجيب السياسة وهو (الدم مقابل السلام) وعلى كل المحيطين بإسرائيل إلقاء السلاح وعدم تشكيل أي نوع من الحماية لهذه الدول التي تقع على مرمى حجر من جيش إسرائيل الذي لا يمتلك أي قواعد اشتباك، ويتصرف كعصابات قطاع الطرق المدمنين للقتل والسلب والتعذيب والتجويع. وهو ما يشير إلى أن وقف إطلاق النار في غزة ليس سوى تهدئة، حيث يستمر القصف. ومنذ وقف إطلاق النار، قُتل أكثر من 300 شخص وجُرح ما يقرب من 1000.. لنصل في النهاية إلى أن وقف إطلاق النار امتداد لجرائم إسرائيل.
الجديد في السعار الإسرائيلي والسعى لفرض المبدأ الجديد (السلام مقابل الدم) هو إعادة الأسطوانة المشروخة تجاه مصر بالسعى لتهجير الفلسطينيين بالقوة تجاه مصر وفتح معبر رفح لإزاحتهم في اتجاه واحد بدون عودة وأن استيعاب المهجرين مشكلة مصر، وهو ما ترفضه مصر بكل قوة وتعتبره خطا أحمر يمكن أن يعيد الجهود المصرية إلى نقطة الصفر ولذلك تحركت مصر بشكل عاجل تجاه أمريكا الضامن الوحيد لمبادرة ترامب وكذلك الدول الرئيسية التي حضرت اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ لوقف التصعيد.
وهو ما أدي إلى عودة الضغوط الأمريكية لكبح جماح نتنياهو الذي مازل يتصرف بجنون كوحش جريح يخشى السجن بتهم الفساد في الداخل ويخشى الإخفاق في تحقيق الأهداف في غزة بعد أن أهين الجيش الإسرائيلي على مدي عامين من فرق صغيرة ومجموعات متناثرة تحمل سلاحا خفيفا.
هذه الضغوط الأمريكية ظاهريا حققت الهدف ولكن عمليا إسرائيل ماضية في محاولات إشعال المنطقة كلها لقضم مزيد من الأراضي وإراقة بحور من الدم وفقا لاستراتيجيتها الجديدة ( السلام مقابل الدم ) حيث أعلن الجيش الإسرائيلي، بدء مناورة عسكرية واسعة تستمر لأسبوع، بمشاركة عناصر من سلاح البحرية من الأسطول الخامس في الجيش الأمريكي.
المناورة تحمل اسم ( Intrinsic Defender ( (المدافع الجوهري)، لتعزيز مستوى التعاون الاستراتيجي والعملياتي بين البحرية الإسرائيلية والأمريكية، وتدريب القوات المشاركة على مواجهة التهديدات الإقليمية التي قد تندلع نهايه هذا الشهر.
أما رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير فقد أكد أن الخط الأصفر الفاصل في غزة هو الحدود الجديدة للقطاع مع إسرائيل، وإنه يشكل خط حدود جديدا، خط دفاع متقدم للمستوطنات، وخط هجوم.
والمعروف أن اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس الذي دخل حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر، يقضى بتراجع القوات الإسرائيلية إلى ما وراء الخط الأصفر المحدّد للمنطقة التي انسحبت منها وهذا يعني ببساطه تراجع نتنياهو عن بنود أساسية في المبادرة الأمريكية وأنه يريد احتلالا طويلا لمساحات واسعة في غزة واستمرار محاولات تهجير الفلسطينيين تحت النار.
وأخيرا ... لابد لإسرائيل أن تتوقف عن سفك الدماء وتتخلى عن مبدأ (السلام مقابل الدم ) الذي لن يحقق الأمن الإسرائيلي أبدا لا رسميا ولا شعبيا، وسيخلق ثأرا بلا نهاية ، وأن تعود لمبدأ (الأرض مقابل السلام) تعترف بحل الدولتين، وأن تصغى لكلمة مصر لأن إسرائيل تعتمد في سياستها الدموية الجديدة على المساندة المطلقة من الولايات المتحدة، رغم أن أمريكا آخذة في التراجع والهروب من المنطقة كلها خاصة بعد العودة الأمريكية إلى مبدأ مونرو وملخصه هو (التركيز الأمريكي على نفسها من الداخل ومحيطها في أمريكا الجنوبية) وهو ما يعني بداية الاعتراف الأمريكي بالانهيار والتراجع، حيث ستنهى الحماية الأمريكية للشرق الأوسط كله تدريجيا، ثم أوروبا، وربما الهروب من حلف الناتو.
هذا التحول الاستراتيجي يفرض على الدول العربية تحولا استراتيجيا مماثلا ببناء قوة عسكرية موحدة حديثة ومتطورة وأن تمتلك مقدراتها الاقتصادية والسياسية دون الاعتماد على قوة أمريكا المتراجعة أو القوى البديلة الصاعدة
أحمد عبد الخالق