Close ad

مدفوع الثمن مُقدمًا

16-4-2024 | 15:41
مدفوع الثمن مُقدمًامدفوع الثمن مُقدمًا

د./ داليا مجدي عبد الغني

موضوعات مقترحة

 

الإنسان دائمًا ما يبحث عن دفء المشاعر، فهي بالنسبة له طوق النجاة من مُمارسات الحياة وضغوطها المُستمرة، ومهما كان هناك مَنْ يتسم بجُمود العاطفة، سنجده في يوم ما يبحث عن لحظات هادئة ومشاعر طيبة، فهذه غريزة فطرية جُبِلَ عليها الإنسان، فهي وُلِدَتْ معه، ولذا نجد أن أي إنسان لديه شخص أثير ومُفضل يجد نفسه معه، سواءً كان هذا الشخص ابن أو أخ أو صديق أو حبيب، المُهم أن يكون هناك مَنْ يمنح تلك العاطفة لتغذية هذا الجانب التي لا يكل ولا يمل من التعطش للعاطفة التي تخلق حالة التوازن النفسي لديه.

وللأسف، من شدة إيماننا بقيمة وأهمية العاطفة في حياتنا، أحيانًا  نضطر لدفع ثمنها، ورغم قسوة هذا المصطلح، لأن المشاعر لا يُفترض أن يكون لها ثمن، مُؤكد أن يكون لها مُقابل، أما تعبير "الثمن" فينزل بها إلى الدرك الأسفل من المعاني، ويُجرها من سُموها، ويسقط بها من عُلوها، ولكن وكما قلت للأسف الشديد، أحيانًا يضطر البعض لدفع الثمن مُقدمًا للحصول على قدر وهمي من المشاعر، وهم يكونون على أتم الإدراك إلى أن هذه العاطفة كاذبة، ولا تمت للحقيقة بصلة، ولن تستمر إلا إذا استمر سداد الثمن، وبالرغم من ذلك يدفعون حتى يستمرون في الحصول  على العاطفة، وبالمناسبة، فهذا الأمر له مرجعية نفسية، فالبعض لديه قناعة تامة بأن حياته لن تستمر بشكل طبيعي ومُتوازن إلا إذا امتزجت بالعاطفة، أيًا كان شكل هذه العاطفة، فهم على قناعة أن السعادة تكمن في العواطف، وبالرغم من وجاهة هذا الرأي، إلا أنه قد يأخذ معنى متطرفًا بعض الشيء، لو أصبح البديل لعدم وجود عاطفة هو اليأس والإحباط والبحث عنها بأي ثمن، فهنا يُحول نفسه إلى أداة طيّعة في أيدي الطرف الآخر، ويسمح بابتزازه ماديًا ونفسيًا وعاطفيُا، من أجل الحصول على حفنة مشاعر، تسد جوعه وتروي ظمأه من الحرمان من العواطف الإنسانية، وكم من أشخاص كانوا مثالاً في العقل، ونموذجًا في النجاح، وقُضي عليهم تمامًا بسبب استسلامهم لفكرة أن حياتهم ستؤول إلى جحيم إن لم تكتسِ بالمشاعر والعواطف، وعليه يتم استدراجهم، وابتزازهم، واستغلالهم مقابل ما يحصلون عليه من عواطفكاذبة، والأصعب من ذلك أنهم يكونون على أتم العلم، والدراية الكاملة بأنهم يدفعون الثمن، وبأن ما يحصلون عليه ما هو إلا كذبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأن توقفهم عن الدفع، سيترتب عليه توقف ذويهم عن العطاء العاطفي، ولكن هيهات أن يستسلموا لصوت العقل والمنطق والحكمة، لسبب بسيط أن هذا الإحساس مثل الإدمان، يتحول إلى حالة اعتياد ليس إلا، بدليل أنهم يُدركون أن مَنْ أمامهم كاذب ونفعي ومُزيف، ورغم ذلك يدفعون لكي يستمروا في أخذ جُرعة المشاعر في الوقت المعتاد، حتى لا يُصابوا بنوبة هيستيرية من جراء حرمانهم من تلك الجرعة، مثل حالة الإدمان، فالمُدمن يعلم أن المُخدر قاتل وكاذب، ورغم ذلك يظل يدفع للحصول على الجُرعة، حتى لا يُصاب بالنوبة الهيستيرية، فالحالتين مُتطابقتين تمامًا.

وهل يُمكننا أن نُصدق أن الابتزاز العاطفي قد يأتي من أقرب المُقربين؟! فإليكم تلك القصة التي تؤكد أن جُحود المشاعر لا يُفرق بين القريب والبعيد، فهي صفة لصيقة بالشخصية.

كانت هناك أرملة، لديها ابن واحد، قامت بتربيته وتعليمه أفضل تعليم، وسهرت على راحته، وقرر أن يتزوج فساعدته، وقرر أن يُسافر وعندما رجته ألا يتركها بمفردها، اعتذر لها وأصر على السفر، وامتنع عن مُراسلتها، بل كان حتى لا يُكلف نفسه عناء الرد على رسائلها، فقررت في حيلة منها تدفعه بها إلى الرد عليها، بل وعلى الاستمرار في مُراسلتها، فأرسلت له ما يُفيد أنها حصلت على قطعة أرض ميراث لها، وأنها أصبحت ثرية، فنجحت بحيلتها بالفعل، حتى أصبح الابن يُراسلها أسبوعيًا، لكي يطلب نقود، وكانت تُرسل له كل ما يُريد، والغريب أنها لم تشعر بالحُزن أبدًا لأنه يُراسلها فقط من أجل طلب النقود، بل كانت سعيدة، لأنه يُراسلها بشكل منتظم، حتى لو كان هذا ليس بدافع الحب والعطف، وبعد مرور ثلاثة شهور، لم ترسل الأم رسائل إلى ابنها، ولم ترد على رسائله، فعلم من الجيران أنها تُوفيت، فرجع سريعًا ليس حُزنًا عليها، بل لكي يحصل على المُتبقي من المال، لكنه اكتشف أن أمه قد باعت بيتها منذ ثلاثة شهور، وعلم من الجيران أن حالتها كانت سيئة للغاية، وظهر عليها المرض، وبدأت تبيع كل ما تملك من أثاث المنزل، ثم باعت المنزل، فلم تهتم بعلاج مرضها، وكانت تنام في الشارع، وعلم حينها أنها باعت كل شيء حتى تُرسل له الأموال التي بسببها، ستسمع صوته باستمرار، لقد كان صوته بالنسبة لها أغلى من صحتها ومن مبيتها في منزلها ومن حياتها.

ورغم سُمو عاطفة هذه الأم، إلا أنني أنصح كل إنسان يقع في شرك العاطفة الوهمية، والتي يعلم مُقدمًا بوهميتها، ألا ينقاد لتلك الأحاسيس، حتى لو كانت من أقرب المُقربين، فامنح كل شيء حتى حياتك لمَنْ يستحق، ولمَنْ يصدقك العاطفة، لمَنْ يُحبك لشخصك، أما مَنْ ينتظر الثمن، فأغلق بابك في وجهه، وابتعد بوجهك عنه، حتى لو كان أقرب المُقربين إليك، فالعاطفة المدفوعة الثمن مُقدمًا، لا تفترق عن الطعام المسموم، فهل يُمكن لأحدنا أن يأكل طعامًا يعلم مقدمًا أنه مسموم؟!.