رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اجتهادات
أثقالُ التاريخ

فرقُ كبير بين أن تحمل تاريخك على ظهرك، وأن تضعه أمامك وتستخلص ما فيه من دروسٍ وعِبَر. حين يُثقل التاريخ ظهر أمة أو دولة أو جماعة أو شخص يصبح عبئًا ويحول دون تحديد الاتجاه فى الحاضر والمستقبل بالطريقة المناسبة. ولأن السياسيين فى الحكم، وأقرانهم فى المعارضة أيضًا حيثما توجد، هم من يُحددون اتجاه الدول والأمم كل بمقدار، تقع عليهم المسئولية حين يختارون تحميل تواريخها فوق ظهورها.

وليست قليلةً الحالات التى أخذت فيها أثقالُ التاريخ أممًا وغيرها إلى الوراء. ومن أهمها حالة السياسيين التقليديين فى معظم دول غرب أوروبا. بدا على السطح عقب الحرب العالمية الثانية أنهم عازمون على استيعاب الدروس من حربين طاحنتين. فقد أدركوا أن النزعة القومية الراديكالية المتشددة، أو اليمين المتطرف كما سمَّاها كثيرُ منهم، أسهمت بمقدارٍ وفير فى نشوب الحربين. وهذا صحيحُ إلى حد كبير. ولكن يبدو اليوم أكثر من أى وقت مضى أن الطريق الذى مضوا فيه قاد إلى تقوية هذه النزعة وليس إضعافها، لأنهم وضعوا تاريخها على ظهور بلادهم، بدل أن يستخلصوا منه الدروس الواجبة. انتخاباتُ البرلمان الأوروبى، التى أُجريت أخيرًا، شاهدةُ على أن محاولات إضعافها أدت إلى نتيجةٍ عكسية. لم تجد نفعًا محاصرة تيار سياسى وفكرى والإمعان فى مطاردته. ولم يُفد منح مفوضية الاتحاد الأوروبى سلطةً تجعلها أحيانًا فوق حكومات دوله, وتخصم من سيادتها التى يُعلى القوميون الراديكاليون من شأنها. تصرفت هذه المفوضية فى بعض الحالات باعتبارها سلطةً عليا، وتدخلت بشكلٍ مباشر فى الشئون الاقتصادية والمالية للدول، وفرضت شروطها فى حالة الأزمات الكبيرة. فكرةُ الاتحاد جيدة وألهمت قطاعاتٍ من الشعوب فى مناطق أخرى. ولكن ما زاد على حده انقلب إلى ضده. وأصبح للقوميين الذين يرفضون هذه الوصاية حضورُ أكبر فى برلمان الاتحاد الذى أُنشئ لأغراضٍ من بينها خلق أجواء تؤدى إلى تهميشهم.

وثبت مجددًا أن التاريخ يعوقُ الحركة عندما يُحملُ بكل أثقاله على الظهر سواء حدث ذلك لغرض تغيير مسار أو آخر فيه كما فى حالة أوروبا، أو لاستعادة أمجاد إحدى مراحله كما فى حالاتٍ أخرى.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: