رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اجتهادات
مُجتمعات مُصابة بدوار

الدوارُ هو شعورُ باختلال التوازن أو الدوخة، وقد يؤدى إلى إغماء. وهذه حالةُ فرديةُ بطابعها. غير أنها قد تُصيبُ مجتمعًا بكامله حين ينشغلُ بالبحث عن ذاته فى سياق انقسام بشأن هويته. يبدو المجتمعُ فى هذه الحالة كأنه يدورُ حول نفسه، أو يتحركُ بشكلٍ دائرىٍ وليس خطيًا، ويبقى تطورُه بالتالى مُحتجزًا رهن صراعٍ على الهوية. وفى هذا النوع من المجتمعات، قد نجدُ خطوةً أو أكثر إلى الأمام، ولكنها لا تلبثُ أن ترتد خطواتٍ إلى الوراء، أو يتوازى تحركُها فى الاتجاهين فى الوقت نفسه. ولا يعنى هذا أنها تبقى فى مكانها، لأن الزمن يتحركُ والآخرين معه. ولهذا النوع من المجتمعات خطوطُ حركيةُ خاصةُ به. فعندما نتأملُ أحدها أو آخر، نشعر كأنه يتحركُ بين طريقٍ مسدودةٍ وثانيٍة خاطئة، أو كأنه ينتقل من طرفٍ إلى الطرف المقابل تائهًا فاقدَ الاتجاه. وربما يخالجك أيضًا إحساسُ بأن مثل هذا المجتمع يبدو كما لو أنه وقع فى حقلٍ مغناطيسىٍ أحدث اختلالاً فى توازنه, وبنيته الاجتماعية أيضًا، فصار عاجزًا عن العثور على نقطة أو نقاط توازنٍ بين هوياتٍ متصارعةٍ لا يجدُ سبيلاً للتوفيق بينها، ولا يستطيعُ وضع حدٍ لتمزقٍ يترتب على التمترس وراء هذه الهوية أو تلك. وتتوالى أجيالُ دون أن يتحقق تراكمُ فى الخبرة يقودُ إلى إدراك أن الهويات ينبغى ألا تكون متصارعةً، لأنها فى الأغلب الأعم متكاملة. فلكل شخصٍ انتماءاتُ متعددة. فهو ينتمى إلى مكانٍ وُلد فيه كقريةٍ أو بلدةٍ أو مدينة، وإلى دينٍ نشأ عليه، وإلى أصلٍ أو عرقٍ تحدر منه، وربما إلى نقابةٍ أو جمعيةٍ أو حزبٍ أو ناد، وإلى وطنه الذى يفترضُ أن يجمع هذه الهويات، وأحيانًا إلى أمةٍ أوسع نطاقًا. ولا تعارض بين هذه الهويات فى وجدان الشخص السوى، الذى يحملُ فى تكوينه أيضًا مكوناتٍ تقليديةً وأخرى حديثة، ويستطيعُ إيجاد توازنٍ بينها. لكن هذا الذى يبدو سهلاً إنما هو فى الواقع بالغُ الصعوبة فى مجتمعات تُفرضُ عليها ظروفُ تُضعفُ الوعى العام فيها، فتبقى فى حالة دوار. وهذا حال بعض المجتمعات فى الدول النامية التى تعيش صراعات وحروبا.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: