رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

نهضة مصر

أنفاس أُخَر داخل المكان عادة ما تطرد الإلهام.. تُبعده تقصيه تجمّده تجلده تكتم أنفاسه.. الكلمة الرنّة الزنّة الطنين الأزيز الرِتم الظلال ووقع الأقدام وصرير الأخشاب واصططاكة الأبواب وهدير الموج ودقات الساعة وصليل الأجراس كلها فى عداد كبائر المنغصات وجبال المعوقات التى تقطع حبال السرد، وغوص الاستغراق، وانسيابية الاسترسال، وفيض التدفق، وعزيمة العطاء، ورحلة السفر المقدسة من خلايا المخ وحنايا الوجدان للعمل الفنى المستحوذ لحظتها على صانع الإبداع رسامًا ونحاتًا وكاتبًا وشاعرًا وموسيقارًا.. لكنه أبدًا لم يصدّها.. لم يغلق عليها أبدًا بابه.. لم يشأ أبدًا ألا يشعرها باستجابته لعواطفها.. المثَّال محمود مختار فى خضم العمل عندما كانت قطته تتسلل ناعمة لتتمسح فى أقدامه يتغاضى عن مقاطعتها لتتمادى فى غيّها فتقفز إلى كتفه ليملس كعادته على فرائها باليد التى لا تحمل الإزميل، فتستقر كعادتها فى موضعها لساعات تتابع من شاهق عملية الخلق الفنى لتماثيل صانعها.. «عروس النيل»، «كاتمة الأسرار»، «الخماسين» وتماثيل أُخر.

 


مختار فى مراحل نهضة مصر


هذا الحب العميق للحيوان يقابله لدى محمود مختار حُب آخر للطفولة فى جميع مظاهرها، لكن مسيرته المقدرة لم تمنحه نبتًا من صلبه يرث موهبة أبيه وبساطة مناحيه، فقد عاش مختار حتى النهاية حياة الفنان العازب بلا ارتباط داخل الإطار المتواضع، ليبدو فى ساعات الخلق الفنى كعامل بسيط يشمر عن ساعديه وساعة الراحة يضع على رأسه قبعة من ورق تقيه وهج الشمس ليجلس على المقاعد الخشبية أو على قطعة من حجر ليدخل فى حوار يشع منه بريق الملاحظة والذكاء.. وبهذا المظهر المتواضع بالبالطو الذى يكاد سواده يتلاشى تحت وطأة تراب إزميل الأحجار والجرانيت، كان يستقبل الوافدين لزيارته فى ساحة تمثال نهضة مصر أيًا كانت مراكزهم، وبه استقبل سعد زغلول وويصا واصف ومجموعة الزعماء والمفكرين عند زيارتهم الرسمية للتمثال فى عام 1927.. لكن تلك البساطة كانت تتحول إلى ثورة عارمة عندما يمس طرف طرف طرف الكرامة الفنية التى من أجلها خاض مختار معارك طاحنة.. لقد كان فى قامته على قصرها اعتداد، وفى سيره ثقة، وفى سمته صراحة ووضوح، لكن تلك الملامح التى يشيع فيها التأمل والرحابة والطيبة تتحول حين يُستثار إلى عبوس وثورة وصوته العميق ينطلق فى ساعات الغضب كخط هجوم يتفجر من طبيعة صريحة تأبى أن تتقبل شيئًا غير واضح وترفض الرضوخ للنفاق والأذى.. يدعوه الملك فؤاد لمقابلته فيجلس لمخاطبته بلهجة متحررة من ألفاظ الجلالة وتقاليد الملوك، وعندما يُبدى جلالة الملك ملاحظة حول تمثاله الذى بدأه مختار، يرى فى ذلك مساسًا بكرامته الفنية، فلا يتردد فى التوقف بل وتحطيم التمثال وصناعة تمثال كاريكاتيرى آخر للملك بدلا منه.. وتمضى ستة أشهر طوال على الانتهاء من تمثال نهضة مصر ويظل فؤاد الذى فى صدره شىء يُرجئ حفل إزاحة الستار.. وأخيرًا وإزاء الرغبة الشعبية العارمة يُقام الحفل الذى يتسرب فيه مختار بعيدا عن الجمع الرسمى ليرتسم الحرج الشديد فى الأجواء، وأخيرًا وجدوه على الجانب الآخر من الميدان يحادث بعض المارة..


محمود مختار.. فى زمانه تحرك الحجر

 

ومن هنا لم يلق الفنان النابغة تقديرًا ملكيًا، لا لقبًا ولا رتبة، ولا مجرد وسام، فكان يتلمس الثورة على الأوضاع، يعلنها فى مجالسه ويرددها فى قصائد الشعر، وتحمل مشاريع خطوطه مسعاه لإقامة تمثال لعرابى الثائر، وتمثال للاسكندر الأكبر بمدخل الاسكندرية بمفهوم شخصية الفرعون المقدونى الثائر رمز الحضارة الهلينسية الذى ذهب إلى سيوة ليقدم القرابين لآلهة مصر منكرًا آلهته.. وكان مختار يمتلكه إحساس عميق بأن الحياة قصيرة مما دفعه إلى غزارة الإبداع وساقه إلى الإنتاج الفنى المتصل، وهو فى ذلك مثل موزار وشوبير ورفاييل أولئك الفنانين الذين قدمتهم الطبيعة كفصل الربيع فأنضجت ثمارهم قبل أن يذوى عودهم.. لكن كل عبقرية منهم بدأت بحلم كبير وسعت جاهدة لتحقيقه مثلما صاغ مختار حلمه شعرًا فى أول الطريق فتحقق الحلم بجدارة:
أعلل نفسى بالمعالى تخــيلا.. فـياليت آمـال الخـيال تكـون
سأرفع يومًا للفنون لواءها.. ويبقى لذكراها بمصر رنين

محمود مختار إبراهيم العيساوى.. فى زمانه وأوانه وفترته وكشوفه، اتخذ المصريون عنوانا لمظاهر نهضتهم وحياتهم أسماء تؤكد فكرة البعث، فالمسرح يحمل اسم رمسيس، والابنة حور وإيزيس، والجماعات والمنشآت والميادين والصحف ولافتات المتاجر ودور اللهو تسمى بأسماء آمون والأهرام وأبوالهول والكرنك وهليوبوليس ونفرتيتى.. فى زمانه كان تمثاله «نهضة مصر» أروع تعبير عن مشاعر ذلك العصر عندما كان معنى «الأمة» يتبلور، وكان «الدستور» مطلب العصر، و«العدالة» نداء الناس و«الاستقلال» هو الأمل.. عصر كتب فيه أحمد شوقى فى مناجاة أبى الهول:
لم يبق غيرك من لم يخف ولم يبق غيرك من لم يطر
تحــرك أبـاالهـــول هــــذا الزمان تحرك فيه حتى الحجر


عصر كتب فيه سيد درويش وتغنى «بلادى بلادى لك حبى وفؤادى» وحث فيه المصرى على النهضة:
قوم يا مصرى مصر دايمًا بتناديك
خذ بنصرى نصرى دين واجب عليك
صون آثارك ياللى ضيعت الآثار
دول فاتوا لك مجد خوفو لك شعار


عصر التقى فيه أفراد جيل حفظت القرية بذرته الأصيلة فى أرضها، ثم بعثته إلى العاصمة القاهرة ومنها إلى بعثاتهم فى أنحاء أوروبا، حيث كانت أصالة معدنهم أقوى من أن يجرفها التيار الأوروبى فتعلموا مناهجه وتفتحت أعينهم على آفاق جديدة لكنهم عادوا إلى التراث ليكتب طه حسين عن ابن خلدون وفلسفته الاجتماعية، وليعد مصطفى عبدالرازق رسالة عن الإمام الشافعى، وليكتب هيكل قصة «زينب» إلى جانب رسالته القانونية، ويمضى محمد صبرى عبر تاريخ مصر الحديثة، ويدرس محمود عزمى حقوقها السياسية والدستورية، وينحت مختار تمثال «خالد بن الوليد» و»طارق ابن زياد».

عصر مجد القرية المصرية وكانت «الجلاليب الزرق» من أعلام ثورة 1919، وصاغ طه حسين «الأيام» فى إطار الريف، وكان توفيق الحكيم يحلم بعودة الروح ويدير فيها الحوار عن تمجيد الفلاح، وظهر الريف المصرى فى «العشرة الطيبة» لسيد درويش، وكتب لطفى السيد يقول: «لست فى حاجة إلى مصباح (ديوجونيس) لأبحث عن الرجل الطيب فإنى لأراه من غير مصباح فى ذلك الرجل طويل القامة كبير الرأس يسوق المحراث طول النهار بحركة بطيئة تدل على نفس صبور مملوءة بالرجاء لا يروعها خوف الحوادث الجوية تذهب بما يبذر».. عصر إنشاء بدأ فيه لمصر كيان سياسى وأعلن الدستور ووُجد البرلمان وأقيم بنك مصر وأنشئت الجامعة، وبدأت المرأة المصرية نشاطها الاجتماعى الذى أشرفت عليه كوكبة من فضليات النساء على رأسهن هدى شعراوى.. عصر شخّص فيه سلامة حجازى أوبرتاته روميو وجولييت وصلاح الدين، وتحرَّر فيه الأدب من قيود السجع والتكلف.

عصر غزا فيه الفن المجالات البكر بعدما أدخل مختار الرسوم والعناوين الرمزية المرسومة على الصحف اليومية، وبدأت ملامح النقد الفنى تلوح فى الأفق، وبرزت لدى مختار فكرة وتنفيذ حى الفنانين لتجميع المراسم فى بعض البيوت المواجهة للمتحف المصرى، وقام بتأسيس «جمعية الخيال» للدعوة إلى إحياء الفن المصرى بجميع أشكاله فى داخل البلاد وخارجها، وأحاط جماعته بدائرة من رجالات الفكر والأدب فى لجنة مكونة من العقاد وهيكل والمازنى ومحمود عزمى ومى زيادة، وفى مناخ وعطاء هذه الجماعة تبلورت إبداعات الرواد التشكيليين أمثال راغب عياد وأحمد صبرى ومحمود سعيد ومحمد ناجى.. ولقد ظلت الفلاحة المصرية لدى مختار هى مصر التى تعلن النهضة وتمثل الدستور والعدالة والحرية، فلاحة مختار التى أبدعها فى تماثيله الصغيرة والضخمة مفحمة بالقوة والحيوية والخصوبة والأنوثة، ليست أنوثة الجوارى، بل أنوثة شجاعة مُعتزة بنفسها، حتى تمثال «المناجاة» المنحوت فى الرخام الأبيض بارتفاع قدم واحد، يلتقى فيه الحبيبان الريفيان بلا إسفاف أو ابتذال، تتدلل الفتاة فى رِقة وعذوبة، بينما يبثها الفتى لواعج حبه، ولاشك أن تمثال «الخماسين» هو تحفة فلاحات مختار - التى أبدعها بين عامى 1924 و1930 - ولولا ملامح الوجه الصغير نسبيًا فى أعلى التكوين لحسبناه تشكيلا تجريديا عنيفا، يُصوّر الانطلاق والمقاومة والصراع.. تكوين مثير من الحجر الصناعى بارتفاع نصف المتر، حافل بالقيم والإثارة والجاذبية.. وأبدًا لا يُحسب مختار مجرد نحات عبقرى، بل كان مفكرا يحس بقضايا شعبه يقول بتماثيله ما قاله ثوار 1919، فكان ينفذ تماثيله بالخامة المناسبة للشكل والمضمون، وكان تمثال «نهضة مصر» من حجر الجرانيت الذى أقام منه المصريون القدماء آثارهم حتى يكتمل الرمز لمعنى البعث والنهضة، حتى تمثاله النصفى «عروس النيل» بطلته الفلاحة المصرية بزينة فرعونية تتجلى فى تفاصيل العقد الذى يحيط الرقبة والتاج الذى يعلو رأسها وهذا التمثال ظل مع تمثال ابن البلد من مقتنيات السياسى المصرى حافظ عفيفى باشا إلى أن تم بيعهما فى مزاد سوذبير عام 2021 وكان عفيفى سفيرا لمصر بلندن فى أوائل القرن الماضى زمن جماعة «أصدقاء مختار» مع هدى شعراوى إلى جانب الشيخ مصطفى عبدالرازق والدكتور على باشا إبراهيم والقطبان الوفديان على الشمسى وعثمان محرم، وعلى ماهر وبهى الدين بركات والدكتور طه حسين وشاعر القطرين خليل مطران، والجماعة كان هدفها الرئيس الحفاظ على أعمال محمود مختار وجمعها لحمايتها من الضياع.


مارسيل دوبرى.. صديقة بقلب من ثلج

وإذا ما كانت لبعض الأعوام دلالات تاريخية فإن عام 1891 يحمل دلالة مهمة فى تاريخ الحركة الفنية فى مصر، فقد شهد ميلاد المثَّال محمود مختار لتدون الذاكرة والجمع أهم محطات حياته الحافلة بسطور متعجلة، لكنها حياة حُبلى بأحداث تملؤ الموسوعات حفرت على جدران تاريخ الفن فى مصر الحديثة.. فى يوم 10 مايو 1891 كان ميلاده بقرية طنبارة بالدلتا التى كان والده إبراهيم العيساوى عمدة لها، ومع انفصال والديه عاش فى بيت خاله بقرية «نشا» المجاورة للمنصورة مستغرقا فى لهو الطفولة على ضفاف النيل يلعب فى الطين مكونًا عرائسا يجففها فى فرن الخبيز الدافئ، وفى عام 1900 ينتقل مع والدته وأختيه حفيظة وبدرية للقاهرة على أمل الالتحاق بالأزهر من بعد التعليم الابتدائى، وفى عام 1908 يغدو بالإصرار والتفوق طالبا بأول دفعة فى المدرسة للفنون الجميلة فى درب الجماميز التى تحمل الإنفاق عليها الأمير يوسف كمال حتى تحولت إلى مدرسة عليا، وفى سن الثامنة عشرة كان مختار علي رأس المشاركين فى المظاهرات الشعبية مندفعًا نحو حكمدار القاهرة الذى يهاجم الثائرين المطالبين بالدستور ليجذبه من فوق الحصان فيسقط على الأرض، ويقبض على مختار ويتكاتف الزملاء المقبوض عليهم للدفاع عنه بدعوى أن وقوع الحكمدار كان بسبب هياج الحصان فأفرجت السلطات عنه بعد حبسه 15 يوما، ولكن نفس مختار الثائرة جعلته يلقى الخطابات النارية منددا بالاحتلال فكان أن فصل هو وزملاؤه الخمسة عشر، فلما طالت مدة غيابهم عن مدرسة الفنون وأحسوا بالفراغ الشديد استأجروا دكانا بجوار المدرسة لعرض تماثيلهم ولوحاتهم، فلما رأى ذلك ناظر المدرسة أعادهم حفاظا على مواهبهم ليقوم مختار بنحت العديد من التماثيل الرمزية بالأسلوب الكـلاسيكى، ويتخرج الأول على دفعته ليسافر فى بعثته لدراسة الفنون الجميلة فى باريس تحت رعاية الأمير يوسف كمال، وينضم لمرسم الفنان الفرنسى جول فيليكس كونان، وخلال الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) تمر على باريس أياما من المحن يعانى بسببها مختار قسوة الضيق والفقر فيضطر للعمل ساعات طوال فى مصانع الذخيرة، بينما يواصل النحت ليحقق نجاحات كبيرة بين الفنانين الفرنسيين، وترسل له القاهرة للعودة لشغل منصب ناظر لمدرسة الفنون الجميلة مكان أستاذه لابلانى، لكنه اعتذر بحجة أنه لم يزل فى بداية الطريق، ليشارك بعدها بتمثاله عايدة فى صالون الفنانين الفرنسيين ويحل محل المدير الفنى لمتحف جريفان للشمع، حيث يقوم بنحت العديد من تماثيل القادة السياسيين وبعض المشاهير مثل راقصة الباليه «آنابا فلوفا» والمطربة «أم كلثوم» ومتأثرًا بثورة 1919 قام بنحت نموذج تمثال نهضة مصر ليُعرض فى صالون الفنانين الفرنسى عام 1920 فيجذب انتباه الزائرين والسياسى الفنان ويصا واصف الذى يعود للقاهرة ليخوض حملة من أجل تمويل وإقامة التمثال الذى أزيح عنه الستار فى 20 مايو 1928 فى ميدان باب الحديد لينقل إلى مدخل جامعة القاهرة فى 1956، وخلال زيارات مختار إلى مصر ظل يحتل موقعا قياديا ملفتا فى الحركة الوطنية ليستدعى فى عام 1927 لعمل تمثالين لسعد زغلول ويسوء الموقف بعدها مع حكومة صدقى التى تحاول إقناعه بتعطيل العمل، فقد أدركت فجأة أن تمثال سعد فى ميدان التحرير «الاسماعيلية سابقا» بالقاهرة يقام فى مدينة ليس فيها تمثال للخديو اسماعيل الذى يحمل الميدان اسمه، وأن سعد بالاسكندرية سيكون ارتفاعه أعلى من تمثال محمد على فى ميدان المنشية فتنصلت من اتفاقها خوفا من الأسرة المالكة أو بأوامرها فاضطر مختار للجوء إلى القضاء لكي يحصل على التعهدات المالية التى نص عليها العقد، ويسافر مختار محبطًا وتطول إقامته فى أوروبا حيث أخذ الحزن والمرض يسرعان إليه فيهجر بعدها فرنسا بعد جراحات ومحاولات لإنقاذ حياته ليقيم فى مصر بمسكن صغير مطل على صحراء هليوبوليس لا يضم سوى فراشه ومقعدين على الطراز الفرعونى ورفوف مكتبة تضم كتب الفن والشعر، وقريبا منه المصحف الشريف وتفسيرا له تستهويه معانيه وتأمل قصصه وعبره.. ويستولى عليه حلم العودة إلى الريف، لكن الموت زاره فى المستشفى الفرنسى بالعباسية ليعجل بهذه الحياة بكل ما فيها من حلم وأمل، خطفه فى شرخ الشباب وقبل أن يتم الثالثة والأربعين.


الخماسين.. الانطلاق والمقاومة - مناجاة مختار فى الرخام الأبيض


ولا يمضى ربع قرن من تمثال نهضة مصر إلا وترتفع أصوات تنادى بهدمه أو إزاحته إلى الركن القصى البعيد بحجة أنه لم يعد يصلح للتعبير عن النهضة إلا فى مرحلتها الأولى، حتى أن مجلة الهلال الصادرة فى نوفمبر 1947 وسعرها خمسة قروش افتتحت صفحاتها بتحقيق عنوانه «هل نهدم تمثال نهضة مصر؟» ليقول محمد علوبة باشا بالنص: «منذ صنع التمثال وأنا لا أراه يمثل الفكرة الوطنية التى أقيم من أجلها، فهو لا يدل على نهضة، وليست فيه أى روح أو حركة تجعلنى أراه صالحا ليكون رمزا لنهضة مصر الوطنية وثورتها على الاحتلال وقيود الذل والاستعباد، ولقد رأيت نموذج هذا التمثال حين عرضه صاحبه بمعرض باريس فلم أوافق عليه وأبديت اعتراضى على تمثيله لنهضة مصر بمجرد فلاحة خاملة لا حركة فيها وأسد متكاسل لا يكاد ينهض.. النهضة يا سادة فى حاجة إلى تمثال يلائم قوتها وحماستها وتوثبها ويستفز كل ناظر إليه، وكنت أود لو وُضِع هذا الرمز فى شكل تمثال يمثل مصريا وسودانيا قد تكاتفا فى النهوض والوثوب وهما يحملان مشعلا أو سيفا هاتفين بالحرية والجلاء والاستقلال رمزا لوحدة مصر والسودان ومجد وادى النيل».. وكان من رأى المثال فتحى محمود «إن مختار قد صنع تمثاله للتعبير عن الفترة التى عاصرها، وعلى الفنانين المعاصرين صناعة تماثيل جديدة مليئة بالحرية والفتوة والثقة والإيمان»، وجاء فى اقتراحه بصدد التمثال أن يدار وجهه نحو الشرق ليستقبل كل يوم شروق فجر جديد فيزداد بهذا التجديد قوة تعبير!!!
وكانت الوحيدة هى هدى شعراوى التى هاجمت فكرة إزاحة التمثال بقولها «إن مجرد التفكير فى ذلك جناية كبرى لا تقل عن جناية التفكير فى هدم الأهرامات وأبى الهول، وإذا لم يكن هناك بدٍ من رمز جديد لنهضتنا فيجب أن يتمثل ذلك فى أسطول حربى يستعيد به الوطن عزته، أو فى أسطول تجارى يرفع علمنا الاقتصادى عاليا فى شتى الأنحاء».. وإذا ما كانت هدى شعراوى قد تصدت للهجوم على نهضة المصرى الذى يعكسه المثل الشعبى «مالاقوش فى الورد عيب قالوا له يا أحمر الخدين»، فقد عابوا عليه القاعدة الضخمة لأنها ابتلعته والفراغ الواسع من حوله الذى قزّمه وأضعف من حضوره الفراغى.. كل هذا لم يبلغ ذروة الهجمة العاتية التى قادها الكاتب ابراهيم عبدالقادر المازنى فى مجلة السياسة الأسبوعية فى يونيو 1928 أى بعد أسبوع من إزاحة الستار عن التمثال فى محطة مصر مستهلا بقوله «إن هذا الذى عليه أبوالهول الجديد إقعاء لا نهوض فإن الحيوان من البعير إلى الهرة حين يريد أن ينهض يقوم على رجليه الخلفيتين أولا ثم على الأماميتين، وأحسب أن مختار قد آثر هذا الوضع لأن منظر أبي الهول يكون غريبا ثقيلا إذا أنهضته على رجليه الخلفيتين كما ينبغى أن يفعل إذا كان يقصد إلى النهوض، أو لعل عذر مختار أن أباالهول هذا خليط من الإنس والحيوان فله أن ينهضه كيف يشاء حتى على رأسه، وهذه الفتاة المنصوبة إلى جانب أبى الهول لا أفهم معناها ولا أدرى لم يقيمها المثال هناك ويضنيها بهذه الوقفة المتعبة، ولو كنت أنا (مختارا) لاستغنيت عنها جُملة ولاجتزأت بأبى الهول وحده، فإنه بمفرده حسب ما شاء أن يرمز إلى مصر»..

ولا يستريح المازنى إلى وقفة الفتاة فهو يراها كالعصا ويمناها على رأس أبى الهول غريبة فى وضعها فلا يسندها فى الحقيقة إلا أصابعها، أما سائر ذراعها فكالمعلق فى الهواء، ولا يدرى لماذا جعلها مختار لا تريح ذراعها، وإذا ما قصد من وضعها الإيقاظ فليس فى وجه الفتاة أدنى التفات إلى الذى بجانبها إن صح أنها تريد أن توقظه..الخ، ويرد مختار على المازنى فى 16 يونيو في نفس الجريدة «السياسة» الأسبوعية مُشبهًا المازنى بفولتير فى قصصه التى يبتسم فيها ويضحك ويجادل ويدلل وهو يلهو ويلعب، ولكنه لهو ذلك المفكر الدقيق الذى يحمل فى طياته معولا للانتقام والهدم، وحول سُخرية المازنى جاء رد مختار المفحم قاطعًا فى مجمع النقاط والتى كان منها بأن الفتاة إذا ما استندت متكئة كما يريد المازنى فإنها تظهر بمظهر التعب، ثم إنها خضوعا لقوانين الأعضاء ووظائفها يجب أن تثنى ساقها، وهى إن اضطررت لهذا فقدت من نبلها وهمتها وظهرت بمظهر الليونة والتردد، وبذلك تكون قد أفسدت نظام التكوين وتناسق المجموع، إذ أن ذراعها وقد اتكأت بكل ثقله تحوَّل دون انطلاق أبى الهول فى حركاته وانسيابها فكأنها تمنعه على العكس من النهوض. وحول رأى المازنى فى محو المرأة من التمثال والاحتفاظ فقط بأبى الهول فماذا يعبر عنه التمثال وقد بتر، وأى اسم كان يطلق عليه.. نهضة أبى الهول!!! وفى خاتمة رد مختار: «إن الإجابة على أسئلة المازنى لن تحوى إلا إجابة شك يحلق وعقل يحار».

ويقطع مصطفي صادق الرافعى الشك باليقين فى قوله: إنما كنت ياأباالهول لغز الصمت فلما أضيفت المرأة إليك أصبحت لغز النطق.. فياللهول!!، ومن تفاصيل معاناة مختار مع نهضة مصر ما لاقاه من آفات البيروقراطية ومفارقاتها عند اقترابه من نهاية العمل عندما أرسلت له مصلحة المبانى التابعة لوزارة الاشغال فى طلب شهادتى حسن سير وسلوك للتعاقد على أعمال التشطيبات الفنية بعدما لقى التمثال من كل فئات الشعب والقيادات السياسية بمختلف أطيافها من دعم وحماس، لكن البيروقراطية العمياء لا تضع لكل هذا اعتبارا، فما كان من مختار إلا أن رد بخطاب يفيض بالسخرية لكنهم أبدًا لم يفهموا أيضا ما وراء الكلمات «لقد طلب منى بالكتابين المؤرخين فى 5 و12 يناير أن أقدِّم شهادتى حسن سير وسلوك ولما كنت سىء السلوك والخلق إلى جانب أنى رد سجون، فقد قضيت فى السجن خمسة عشر يوما وأنى كنت من ذوى اللحى وهو ما ينظر له جميعا بعين الريبة، وأيضا فإننى أعزب وأتردد على بعض الأماكن ومن هنا سيدى المدير فإننى فى استحالة مطلقة أن أقدم الشهادات وأنه قضى علىّ ألا أكون أبدا موظفا حكوميا».
ومما يذكر أن أحد أعضاء مجلس الشيوخ اقترح تقدير مكافأة لمختار عن نهضة مصر فإذا برئيس الوزراء يعلن: «إن المجد والفخار اللذين أحرزهما مختار بإقامة تمثاله فى أكبر ميادين العاصمة يفوق كل مكافأة مادية»..


وإذا ما كان الإزميل بين أصابع مختار النورانية قد أخرج من الحجر الأصم جمالا خالدا ليغدو كل تمثال من صنعه بمثابة نبع فنى لا ينضب، فقد كان للقلم بين تلك الأصابع إبداعات حفرت آثارها على أيامه القصيرة.. «إننى مثل الدب الذى يحافظ على سكينته ولا يستفز أحدًا ولكننى مثله أثور عندما يعتدى علىّ».. «ما نعرفه تماما ليس دائما هو الحقيقة».. «أعلم جيدا أن الصداقة مهما تكن رقتها لا تعيش تحت رحمة خطاب».. «ما أعجب الناس إننا نواجه احتقارهم الشديد عند الإخفاق، وحقدهم الشديد عند النجاح».. «لماذا تضل الحقائق الثابتة طريقها إلى بعض الرؤوس».. «لماذا نفكر فى الموت، ألا يكفى أنه دائما يذكرنا».. «فى هذه اللحظات من تجدد كل عام أذكر كل من أحببنا، من يعيشون ومن ماتوا فى القلب، أذكر النساء الجميلات وعيونهن المتلألئة، وأذكر أيضًا الجبناء الذين يخافون من رغباتهم وأفكر فى عناء الحياة بقلب دون أمل، وجسد دون رغبة، وعيون دون ابتسام».. «لا يقف الفن عند حد ترجمة الطبيعة كما ينظر إليها بالعين المجردة بل بتغليفها بروح الكمال والجمال وبأسلوب خاص يعلو عليها».. «مهما يتدهور الإنسان فإن فيه بقية لا يغمرها الوحل».. «إن لم يكن الذكاء ينقصنا فلابد أن المنطق يعوزنا».. «الفن يفتح عيوننا على الحياة، ومن بين أنامله السحرية تخرج كنوز لا تقوّم بمال».. «لست ممن يحسنون المفاوضات، بل إننى على العكس أحس بدواعى الانسحاب فى اللحظات التى يحسن فيها الاستمرار، ولعل أجمل ما قيل فى تقديمى للآخرين، إنه رجل يعرف كيف يُنطق الحجر ويبث فيه الحياة، ونحن لا نطلب منه أكثر من أن يكون فنانا».. «لماذا يهيننا هؤلاء السادة، ويعملون على إهدار اعتبارنا فى حين كان واجبهم أن يبحثوا عنا، وأن يشجعونا وأن يبثوا فينا الحماسة؟ إنهم حقا ليسوا على مستوى مناصبهم، وهم لم يحققوا إلا العظمة الزائفة التى لا تلبث أن يحجبها الظلام «إنهم لا يدركون أن جو العلاقات الفكرية ينبغى أن تحوطه مشاعر نبيلة. إن الإنسان يجب أن يُنظر إليه ككل، لا أن يقطع أجزاء وينظر إليه كما ينظر للاختبارات المعملية من خلال الميكروسكوب».


و.. فى الحب من غير أمل كتب صانع الجمال إلى صديقته الباريسية مارسيل دوبرى التى شاركت بمقتنياتها من تماثيل مختار التى أهداها لها ليضمها متحفه بالقاهرة: «كنت أحبها هذا الحب المقدس وأبحث فى عينيها عن هذا السر الذى يجذبنى دومًا إليها لا كما يبحث الإنسان بين الأعشاب عن خاتم وقع من إصبعه، بل كما يبحث المرء عن سعادة خفية كامنة فى أسرار الأشياء، كنت أحبها وأفاخر بهذا الحب السامى الذى وضعت تحت تصرفه جميع مواهبى لأجعله خالدا.. لكنها لم تقدر تلك العواطف الرهيبة وكأنها خشيت أن تنظر إلى أغوار هذا الحب المخيف الجارف الذى لم تتعوده فأوقفته بيد من الثلج.. كيف تسرف فى عدم الاكتراث وهى تعلم أنه سم الحب القاتل.. لقد سقته كأس الموت ووقفت تنظر إليه يحتضر ولا يندك قلبها وتذوب روحها إجلالا؟ كيف تبتسم أمام الدماء المقدسة وهى تعلم أن للحب إلهًا حسابه عسير، وسوف يأتى يوم تثوب فيه إلى رشدها وعندها تلبس الحداد إلى آخر يوم من حياتها.. ولكن لماذا أقول لها كل هذا؟ إنها سعيدة بدون هذا الحب، وهل أنا أردت شيئا آخر غير سعادتها.. بأى حق أريد أن أشركها فى مستقبلى الملآن آمالا وغيوما، بأى حق أربكها بزوابع حياتى وعواصفها فى حياتها الهادئة الساكنة.. لتكن كما أرادت أن تكون، أما أنا فسأخضع لعزة النفس وأعود لوحدتى الساكنة فهى الدواء الشافى لآلامى، وسأنظر من نافذة الوحدة إلى تذكار هذا الحب كما ينظر المرء إلى كسوف الشمس من خلال قطعة زجاج علتها سحابة من دخان إلى أن تغيب.. لكنى.. سأبقى أترقبها من بعيد حتى إذا زلّت قدماها أمد لها يد الشفقة لأنتزعها من الهاوية».


وعندما قالها نزار قبانى فى قصيدته عن طه حسين: «ضوء عينيك أم هما نجمتان كلهم لا يرى وأنت ترانى.. إرم نظارتيك ما أنت أعمى إنما نحن جوقة العميان»، وكأنه يصف رؤية عميد الأدب لمسيرة المثَّال محمود مختار.. جمالياته وبكائياته أعماله وأحزانه وغربته وصمت وداعه عندما واراه التراب في المشهد الغريب: «استطاع مختار فتى الشعب وابن الثورة أن يقيم تمثاله نهضة مصر وأن يكشف الستار عنه بمحضر من الشعب والملك والوزارة، ثم تمضى الأيام الزهر، وتأتى أيام المحن وإذا حكومة مصر تتنكر لابن مصر، وإذا وزارة مصرية تحارب ابن الثورة المصرية؟ لماذا؟ لأن فتى الثورة قد كلف أن يقيم التمثال لشيخ الثورة سعد زغلول، وكان ما كان من اجتناب الفتى النابغة للإقامة فى بلده العزيز وهناك طالت إقامته فى أوروبا حيث أخذ الحزن والمرض يلحان عليه ويحملانه، أثقالا وأهوالا، ولم تكتف الوزارة بالخوف من التمثال والمنع من إقامته بل خافت من الضريح فصرفته عن صاحبه ونقلت إليه ظالمة معتدية على الشعب والعلم معا بعض توابيت الفراعنة.. اضطهدت سعدا فى الشعب كله واللـه يعلم إلى أى حد أثرت هذا الآلام فى حياة ذلك الشهيد، واللـه يعلم ما إذا كانت تصير إليه حال مختار لو لم تنكب مصر بوزارة صدقى باشا، أكان يختطف من بين المصريين وهو فى الثالثة والأربعين أم كانت تعينه الآمال الحية على أن يحيا.. لقد قضى مختار آخر أيامه فى مصر منسيًا أو كالمنسى وقد عبرت جنازة مختار مدينة القاهرة يطيف بها جماعة من الخاصة ليس غير..

لقد مرت جنازة مختار أمام التمثال الذى صنعه بيديه كما تمر أمام أى شىء آخر.. لم يظهر على التمثال ما يدل على الحزن أو ما يدل علي الاكتئاب أو ما يدل على الشكر وعرفان الجميل، وعبرت جنازة مختار مدينة القاهرة تجهلها الحكومة المصرية أو تكاد تجهلها. لم يلق أحد علي قبر مختار كلمة وداع وإنما كان الصمت يشيّعه وكان الصمت يواريه التراب».
ولمختار تمثال عنوانه «حزن» كيف استطاع مختار أن يجعل الحزن شخصًا ماثلا، ولقد كان من دأبه أن يخفى كل مظاهر الحزن حين تأخذه الهموم!!.. وصوَّر مختار الراحة فكيف مَثَلَّ الراحة وهو فى دار التعب!!.. ومن يدرى؟ فقد يكون أقدر الناس على تخيُّل الراحة من لم يذق للراحة طعمًا!!


لمزيد من مقالات سناء البيسى

رابط دائم: