رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

متحف المرأة

شكلها يبان إن أوضاع المرأة المصرية ياما هنا ياما هناك وخمسة وخميسة فى عين العدو، بينما حقيقة الصورة مختلفة تمامًا بالعدسة الزووم المقرِّبة، الكاشفة للتفاصيل الدقيقة، الراصدة للأبعاد والزوايا، المسجلة للشوائب المتسللة والدخيلة، المشرفة من علٍ على المشهد النسائى ككل، المستوعبة للأبجديات ونتائج الأزمات ورعونة الجائحات، المتجاوزة عن المتناقضات المعهودة، القارئة للموروثات والمستجدات والمستقبليات، العالمة بعلوم الاختلاف فى الجنس والنوع والدين والقانون والعُرف والبيئة والمناخ وعالم البحار، المؤمنة بالحوار والنقد والرأى الآخر، الرافضة للتفسيرات الذكورية غير المنصفة للنصوص الدينية المجتزئة حول المرأة التى تكرِّس فكرة النقص الأنثوى ودونية المرأة واعتبارها مخلوقا يفتقر للعقلانية والتوازن، والتى لاتزال تؤثِّر بصور عديدة علنية وخفية على العقل الجمعى مما ينعكس بصورة سلبية على السياسات الإعلامية تجاه المرأة وقضاياها..

العدسة المجلوة المجليّة المحتارة فى الدستور المصرى الذى ينص صراحة على مسئولية الدولة فى تحقيق المساواة بين الجنسين!!!
حقيقة الأمر أن فى الأمر ردّة قد طالت مسيرة المرأة الصاروخية فى بلدنا ربما يعود بعض من أسبابها للمرأة ذات نفسها التى من بعدما تكأكأ العبء المادى والمعنوى والقهرى والتحرشى وصخب التواصل الاجتماعى وشيطنة الميديا على كاهلها طأطأت رأسها طوعًا لمرور الموجة التى لم يتوقع لها فيضانا هادرًا يجيب عاليها واطيها، فارتضت بالتراجع القهرى استسلامًا واستراحة محاربة لأجل غير مسمى، وانشغالا واستغراقا عن طِيب خاطر ــ لم يعد طيبا ــ فى خضم مسئولياتها الجسّام كزوجة وأم وحماة وجدة وموظفة وعاملة تعانى من فشل يومى فى تدبير ميزانية الأسرة بما يحقق قدرًا من الغلوشة والتمويه والضبابية فى المشهد على كل من حولها من سكان العش القش.. إلا أن السبب الرئيسى لتلك الردّة النسائية يعود بملء الفم إلى ذكورية القرار فى جميع أمور وأحوال المرأة، فالمجتمع المصرى للأسف وبصراحة ووضوح الشمس وعلى عينك يا تاجر واللى ما يشترى يتفرج ذكورى مائة فى المائة، وسيظل من قبل والآن ومن بعد مجتمع بشنب وذقن.. مجتمع العمة والطربوش والطاقية واللاسة.. مجتمع خشن وأجش بمجانص وتفاحة آدم وعضلات وارمة وعروق نافرة.

مجتمع إيده طرشة ولسانه زفر وعينه زايغة وقلبه حجر. مجتمع جهورى الحنجرة وتاريخه عتولة ومسلسلاته قبضايات وبونيته والقبر وشهرته المعلم والكبير قوى وابن الأكابر وهارون الرشيد والفتوة وأبوتلات وسبع البرمبة وزينة الرجال وأبوالهول وسى السيد والحاكم بأمر اللـه، عقيدته وموته وسمه وناره مايخدش حقه فى المثنى والثلاث والرباع، وكانت فى جرة وطِلعت لبرّه، وكله كله من جيهان من حق الزوجة للشقة، ودُرية بنت شفيق زعيمة اعتصام الحريم، وسفور هدى ومدارس نبوية موسى والطهطاوى وقاسم أمين وسلامة موسى ومحمد عبده وحق الولاية فى المذهب الحنفى وأصابت امرأة وأخطأ عُمر، وأبوحنيفة قال تتولى القضاء، ورأى الشيخ شلتوت فى إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من أكبر مسئوليات المسلم وقد تساوى فى تحمل هذه المسئولية الرجل والمرأة على السواء مستندًا لآية الكريمة من سورة التوبة: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون اللـه ورسوله، أولئك سيرحمهم اللـه إن اللـه عزيز حكيم»، وكله أيضًا من ابن حزم والطبرى لما أفتيا تكون حاكمة وقاضية، وإن كانت الشرارة الأولى قد انطلقت فى سماء ساكنات الخدور لتناديهن للخروج علي حل شعورهن فى الهواء الطلق عندما وجه الزعيم مصطفى كامل فى مستهل خطابه الأول كـلامه للسيدات ومن بعدهن السادة وذلك بالطبع تأثرًا بالفرنساوية التى قامت برعايته وعنايته فى باريس!
المرأة فى مجتمع الذكور الرجل فيه يمنح ليأخذ. يحرّك ويكبل. يمجِّد ويجمد. يعين ويطيح. يشعل ويطفئ. يحترم ويسخر. يحلل ويحرِّم. يصفق ويصفر. يبحلق ويغض البصر. يقوم ويقعد. ينوى ويتراجع. يتشجع ويجبن. يقول ومايقولشى. يشد ويرخى. يهدهد ويخربش. يفتح ويقفل. يزرع ويقلع. يسوِّق لها ويسوق فيها. يحطها على راسه ويجيب راسها للأرض. يبجلها ويدينها. يبوس ايدها ويكفرها. يشجع ويوقع. يتوِّجها ويعزلها. يستوزرها ويسرّقها. يضمدها ويعورها. يمنحها الريادة ويسحب منها القيادة. يقرظها ويتجاهلها. يحطها فى عينه وبعدها فى جيبه. يقرأ فاتحتها ويقرأ عليها الفاتحة. يسلِّم عليها ويعكنن عليها. يأخذها فى حضنه وبعدها فى وشه. يفتح لها باب العربية ويسك على رأيها بالضبّة والمفتاح. يكلمها بعيونه وبعدها بإصبعه. يطرى ذوقها ويروح لغيرها. يتزوج عليها وياخد منها ابنها. يسأل عنها إن غابت وساعة ما يجتمع يحجمها خارج الاجتماع.

هو القاضى والمحامى ووكيل النيابة والمدعى العام والأحكام جميعها معطلة لما يجيله مزاجه. ينام مكشر ويقوم مكشر ويخرج مكشر ويرجع مكشر وياكل مكشر ويرد على استفسارها بتكشيرة: يعنى حيكون إيه؟!! من بيده جميع خيوط عرائس المارونيت يحرّكها لتحارب له بالسيف البتار وتسليه بحدوتة الثعلب المكار وتطبخ له الفول بالزيت الحار وتنفخه بشهبندر التجار وترقص له طار فى الهوى شاشى وانت ماتدراشى.. ياباشا... يكثف تمجيده وعرفانه فقط لأمه الكريمة الراحلة حفيدة الحسب والنسب وسليلة الأشراف بشهادة يجيبها مختومة ويُسقط دموع امتنانه لذكرى ترتيبها وتربيتها وصلاتها وصيامها كل اثنين وخميس والستة البيض ودعوتها يحبب الناس فيه ويفوت على الصحراء تخضر، ويجتر مرارا وتكرارا جبال صبرها وأنسها وصوانيها وتقواها وهيبتها وطلتها وحسن سيرها وسلوكها، أما حرمه المصون فغالبًا لن تعود حرمًا له بل محرَّمة عليه، فالغالبية مطلقات على جميع الجبهات قد أنجبن للمستقبل مئات العانسات العازفات عن الزواج العازف بدوره عنهن لكلفته الباهظة التى لم تعد تقدر عليها غالبية الأسر فى جميع المستويات بعدما أصبح من لزوم بنود جهاز ابنة الحى الشعبى كمثال حجرتين للنوم واحدة للعرسان والثانية للمولود القادم بمشيئة اللـه، وخلال شهور الحمل المنتظر بمشيئة اللـه فالسرير جاهز للضيوف بكافة مستلزمات الفرش من مراتب وألحفة ومخدات ومساند ومفارش وأطقم ملاءات يصل متوسط معدلاتها إلى ٢٠ طاقم غير الفوط والبشاكير والبرانس والدوّاسات والستائر، ومطلوب ثلاث غسالات الكبيرة ومعروفة والثانية للأطباق والمواعين والثالثة صغيرة للفوط والشرابات والغيار السريع وتكييف إنشاللـه صحراوى للنوم وكام فردة مروحة لطرد الصهد فى عفشة الميه والطُرقة وثلاجتين إحداهما ديب فريزر من باب الاقتصاد لتحويش حِلل المحاشى والطبيخ المجمد وصوانى البطاطس والمسقعة والباشاملات والعصائر لاستخدامها فى غير أوانها كمثل الطماطم الشعنونة والليمون البنزهير الملتاث، وعموما الأجهزة وحاجة المطبخ على أهل العروسة التى لا يغفل فى جهازها عن شاشتين واحدة للنوم والأخرى للأنتريه والخلاط والميكروويف والشواية وللمطبخ مجموعة الهاند بلندر بماركة معروفة التى تضم العجان والمطاحن والقطاعات وقوالب البسكويت والكيك مع الأطقم التيفال والاستانلس والأركوبال والبايركس والصينى والفناجين والكوبايات والشِوك والملاعق والسكاكين وكم مقصوصة وكبشة للشوربة والمقالى وقواعد للبوتاجاز والثلاجة، أما عريس الغفلة فعليه غير الشقة والشبكة والمهر والمأذون والباند وكوافير العروس الواصل لعشرة آلاف.. عليه الخشب الذى لا يغفل عن بلاكار واسع لحجرة النوم ـــ حيث تضاف الألف فى النطق ليغدو الأبلاكار ــ والنيش الملزم تبعا للموضة رفوفه الآن لا تقبل غير الكريستال، والنجف والسجاجيد وايجار موكب عربات النقل التى تحمل كل منها على المكشوف ما خف وزنه من قِطع الجهاز ليمتد الموكب تبعًا للأهمية وسطوة النسب ووزن الحمولة مسافات غناّء بالزغاريد وإيه الناس الحلوة دى.. وتُفتح أبواب الزنازين لدفعات جديدة من الغارمات اللاتى يفرج عنهن بأمر رئاسى إنسانى فى الأعياد لتنتظرهن ساعة المغادرة المتأرجحة بنات فى سن الجواز!!!

ونظرًا للـهم الجاثم على أنفاس المرأة المعيلة من تفشى ظاهرة استمراء بعلها كسل النوم فى العسل والإنفاق الملزم عليه من كدها وعرقها، وإن لم تسلطنه الجرعة التى تحملها له كما ينبغى يدوّر فيها ضرب فتذهب لجهة رزقها كالعادة بغرزتين فى الجفن أو سحجات بالرقبة أو سن مكسورة، وإذا لم تتأخر برأسها قليلا للوراء لقسمها البعل بما تصل إليه يده لقسمين.. قسم لخدمته.. وقسم أيضا لخدمته!.. وصاحبتها الخارجة داخلة لقضاء مدد أحكام الحبس وراء القضبان تبعا للمبلغ المستدان بشهادة الشهود فى ساعة الغفلة والاتكال وستر البُنيَّة وفرّحنى النهاردة واحبسنى بكرة.
المجتمع الذكورى المؤمن بنظرية «الفجوة» التى ابتلعت قارة أتلانتس من امتدادها الطبيعى ما بين أوروبا والأمريكتين، ومثلها الفجوة التى رفعت فى بدايتها المرأة الفرعونية لمصاف الآلهة، وأجلست على العرش كـلا من «حتب» أم الملك خوفو، و«خنت» بنت الملك منقرع، و«أباح حتب» ملكة طيبة، و«حتشبسوت» ابنة آمون، و«نفرتيتى» زوجة اخناتون، و«كيلوباترة» التى جعلت روما ولاية تابعة لمصر، لتأتى بعدهن الفجوة التى أنزلت الملكات من فوق عروشهن ليلتحقن بسلك المحظيات والجوارى تحت إمرة الرجل الذى صدر القرار بحبسه ستة أشهر وغرامة ١٠٠ ألف جنيه إذا ما امتنع عن تسليم النساء حقهن الشرعى فى الميراث، ولم تزل نساء الريف فى بحرى وقبلى فى مصر لا يجسرن على المطالبة بحقوقهن رغم القانون مخافة غضبة الأخ العصب عميد العيلة المغتصب.. ولم أزل أذكر دعاء والدتى على جدها الظالم الذى لن يورد جنة عدن، فهو الذى أوقف مئات الفدادين والأملاك على أبنائه الذكور مع حرمان بناته الإناث كليةً بحجة أن ثرورة العيلة ستذهب لأيدى الغرباء بحكم زواج الإناث منهم.. وتتزعم أمى مع بداية ثورة يوليو بشعارها ارفع رأسك يا أخى جمعية تطالب بحل الوقف تبعًا للشرع الذى يُقرر فى قرآنه «للذكر مثل حظ الانثيين» لا أن يحرمها من الأساس، وتذهب فى مشوار كفاحها العنترى للقاء عبدالناصر فى منزله، والباقورى فى وزارته، وأحمد الصاوى فى الأهرام، يعاونها فى مسيرة محو الظلم الكاتب الشاب فتحى غانم عندما كان متدربا فى مكتب المحامى الكبير مويس أرقش والد زوجته.. وأذكر اجتماعا بهذا الشأن رأسته والدتى فى بيتنا وحضره النبيل عباس حليم.. وينحل الوقف ليبقى الحال فيه كما هو عليه من ظلم وعنت يحرم المرأة تماما ويكيل للرجل بمئات الألوف، ومن يومها ورثت عبارة أمى بأننا نعيش فى مجتمع ذكورى مهما يكن الطلاء الخارجى زاهيًا براقًا خادعًا.


فى هذا الإطار وتبعًا لنظرية الركن المستمر للمرأة علي جنب، والاستخدام على خفيف، وحجج تقديم الرجال على نساء إجازات الحمل والرضاعة قطعت رؤوس حان قطافها، وصدأت التروس التى شحذت يومًا، وخمدت الهِمم، وانزوى معين الابتكار، وتربع الكسل، وتمطأ الاتكال، وتثاءب العزم، وانحسر النقد، ورحلت المقارنة، وانفض المولد، وانكسرت عصا السبق، وتمجلس الكل فى موضعه، وتسيدت السهولة وانطمس التميز، واختنق الجنين الجديد فى باطن الرحم ليرتفع مؤشر التقليد الأعمى، والأخذ على الجاهز، وطرح المطروح، وتغفيل كـل من الغافل والمصحصح ليتكرر كمثال اسم برنامج المرأة «الستات مايعرفوش يكدبوا» ليحمل الجديد الثانى اسم «الستات» وبس، وهو وهى، وهو من غير هى وهى والرجال.. الخ.. وتتراجع الصحافة النسائية فى مصر التى بدأت قبل دول العالم أجمع فى عام ١٩٠٥ بالمجلة الأسبوعية «فتاة الشرق» لصاحبتها لبيبة هانم باشتراك سنوى قدره ٦٠ قرشا ورقم التليفون لمراسلة المجلة المدوَّن على غلافها «٤٢ - ١٧» ليأتى عام ٢٠٢٤ مع التغيير الأخير للقيادات الصحفية لتنضم مجلة «حواء» الرائدة المخضرمة فى رحاب مجلة «الكواكب» ومعها«طبيبك الخاص» تحت قيادة واحدة، وستنضم مجلة «نصف الدنيا» الأسبوعية للصدور شهريًا فى رحاب مجلة «البيت» أيضًا تحت قيادة واحدة، وكأنه ما فى مطبوعة لا تأتى بالأرباح المرجوة اللـهم سوى تلك المجلتين النسائيتين الوحيدتين.

وتتشابه الآن كافة الوجوه النسائية فى جميع الأعمار بإجماع الشاشات فى كل البرامج اللـهم إلا فيما ندر، وكأن خراّط الصبايا قد صبهن كسلا وتملقا داخل قالب واحد بباروكة مهدلة تصل خصلاتها لمنتصف الظهر لا تصلح سوى لغرف النوم ــ مما يجعلنى الآن مستوحشة وبشدة لواحدة غاسلة وشها وقصة شعرها ــ مع إطلالة شفا زنجية وارمة لزوم الإغراء تشوّه البروفيل الذى يبدو فى حالة اشمئناط دائم خاصة إذا ما اصطحب المسألة لعب فى الوجنات بالفيللر والدوبار، أما الحاجبين فحدث عنهما ولا حرج بعدما استدعتهما حقن البوتكس للصعود لأعلى الجبهات إثر تسطيح التجاعيد ليغدو موقعهما الجديد بالقرب من منابت الشعر، ليتم طبع مكانهما بماكينة وشم داكنة تسحب كل فردة بغلظتها لجانب كالنظارة السوداء، بلا شعرة طبيعية واحدة شاردة فى السياق الآدمى، وفى هذا المجال بالذات أسجل إعجابى باحتفاظ النجمة نيللى كريم بمظهرها الطبيعى وامتنانى للفنانة القديرة يسرا التى تظهر على الدوام برونقها الطبيعى وأصل حاجبيها الدقيقين الإنسانيين بعيدًا عن ختم الحدأة!


ويعلن الرئيس السيسى قراره بإنشاء متحف خاص للمرأة المصرية فى العاصمة الجديدة ليغدو المتحف رقم ١٠١ للمرأة على مستوى العالم.. ساعتها شعرت بأننا نحن نسوة قارة أتلانتس الغارقة بفعل فاعل فى طور صحوة حضارية تنادى للارتفاع من جديد لمستوى السطح كما لو كان النداء بصوت هدى شعراوى وصفية زغلول وملك حفنى ناصف ونبوية موسى ومى زيادة وسهير القلماوى وروزااليوسف وأم كلثوم ودرية شفيق وأمينة السعيد وسيزا نبراوى ومفيدة عبدالرحمن وسميحة أيوب وليلى دوس وراوية عطية ونعيمة الأيوبى ولطيفة الزيات وعائشة التيمورية وقوت القلوب الدمرداشية وعزيزة حسين وعائشة عبدالرحمن وأسماء فهمى.. ومثلما ينفض الصاعد عن حلكة القاع رذاذ الماء، وينضو عنه ثوب الغفلة المبتل مصوبًا خطواته تجاه شمس الوضوح، وجدتنى أتجول فى زيارة مسبقة يرسمها خيال الذكاء الاصطناعى لمتحف المرأة المصرية فلاقيت فاطمة فى الصدارة لكونها المرأة الجوهرة التى تخلت عن جواهرها من أجل نور العلم والتى شكرها الرئيس السيسى فى حفل جامعة القاهرة، حيث كان لها فضل إنشائها بقوله: «فى هذه اللحظة لا يفوتنا التوجه بالتقدير والإجلال إلى روح الأميرة فاطمة اسماعيل التى استحقت الخلود فى قلوب المصريين ليبقى اسمها قرينا بالعلم والمعرفة».


فاطمة إسماعيل (١٨٥٣ ــ ١٩٢٠) إحدى بنات الخديو إسماعيل من زوجته «شهرت فزا هانم» فى حفل زفافها الأول عام ١٨٧١ من الأمير طوسون بن محمد سعيد باشا والى مصر ارتدت تاجًا من الماس ثمنه ٤٠ ألف جنيه، وكان ثوب الزفاف مرصعًا بأغلى أنواع اللؤلؤ والماس وبلغ طول ذيله ١٥ مترًا، وأنجبت له الأمير جميل والأميرة عصمت، وبعد وفاته تزوجت من الأمير محمود سرى باشا لتنجب له ثلاثة أولاد وابنة.. فى إحدى زيارات طبيب الأسرة الدكتور محمد علوى باشا رائد طب الرمد فى مصر حدثها عن مدى الصعوبات المادية التى تقف حائلا فى طريق إنشاء جامعة أهلية لتكون مقرًا ثابتًا لتلقى العلوم بعيدا عن المقر المتأرجح فى قصر الخواجة نستور جاناكليس ــ المبنى الذى تشغله حاليا الجامعة الأمريكية بميدان التحرير بالقاهرة - الذى قبل على مضض تأجير المبنى بـ٤٠٠ جنيه سنويا على ألا يمتد عقد الايجار أكثر من أربع سنوات تبعا لاتفاقه مع الأمير أحمد فؤاد بعد مداولات مرهقة.. فقامت فاطمة بتخصيص ٦ أفدنة أوقفتها للبناء، إلى جانب ٦٦١ فدانا من أجود الأراضى الزراعية بالدقهلية، مضافًا إليها ٤٠٪ من صافى أرباح ٣٣٥٧ فدانا و١٤ قيراطا و١٤ سهمًا بما يساوى ٤٠٠٠ جنيه سنويا، وتحملت الأميرة مصاريف حفل وضع حجر الأساس الذى لم تحضره بنفسها تبعا لتقاليد المجتمع ليتولى المهمة الخديو عباس حلمى الثانى بصحبة الأمير أحمد فؤاد، حيث أودع الحجر فى باطن الأرض ومعه أصناف من العملة المصرية المتداولة، ومجموعة من الجرائد التى صدرت فى يوم الاحتفال، ونسخة من محضر وضع الحجر الذى توِّج بتوقيع الخديو وصاحبة الدولة والعصمة المحسنة الكبيرة الأميرة فاطمة وتلاهما فى التوقيع دولة الأمير أحمد فؤاد باشا رئيس شرف الجامعة ورئيس مجلس إدارتها.. الجامعة المصرية التى تغيَّر اسمها لجامعة فؤاد الأول عام ١٩٤٠ وأخيرا اسمها الحالى جامعة القاهرة منذ عام ١٩٥٣ والتحقت بها الفتاة المصرية للمرة الأولى عام ١٩٢٩ لتدرس ثلاث طالبات بكلية الآداب وواحدة بكلية الحقوق.. وفى حفل وضع حجر الأساس فى ٣١ مارس ١٩١٤ لم يحضر قائد جيش الاحتلال كرومر واللورد كتشن لإدراكهما أن بناء الجامعة معناه إيجاد طبقة من المثقفين المصريين الذين يعرفون أن الاستقلال هو تحرير الشخصية المصرية وليس تحرير الأرض.. وبصوت رخيم أنشد زكى أفندى عكاشة فى حضرة جناب الخديو عباس حلمى الثانى قصيدة من بدائع أمير الشعراء أحمد شوقى بك جاء فى أبياتها تقريظا لفاطمة:
بارك اللـه فى أساس جامعة
لولا الأميرة لم تصبح بأساس
شمائل كان اسماعيل معدنها
قد يخرج الفرع شبه الأصل للناس
ماالخيرزان وما أبناها وما وهبها
وما زبيدة بنت الجود والباس
سكينة العلم فى الفردوس ضاحكة
إليك تخطر بين الورد والآس
تقول مصر من الزهراء مشرقة
كأن أيامها أيام أعراس

ويتطلب إنشاء كلية للآداب بالجامعة المزيد من الأموال فتعهد الأميرة للدكتور محمد علوى بمهمة بيع مجوهراتها ليبلغ إجمالى البيع ٧٠ ألف جنيه من القطع النادرة التى منها كما هو مدون فى السجلات الرسمية «عُقد من الزمرد يشمل العديد من الفصوص حول كل قطعة أحجار من الماس البرلنت وأصله هدية من السلطان عبدالعزيز إلى ساكن الجنان المغفور له اسماعيل باشا، وأربع قطع موروثة من ساكن الجنان المغفور له سعيد باشا وهى (سوار من الماس البرلنت يشتمل على جزء دائرى بوسطه حجر كريم وزنه تقريبا ٢٠ قيراطا ومن حوله ١٠ قطع ماسية كبيرة ومستديرة، والسلسلة التى تلتف حول المعصم مركب عليها ١٨ قطعة كبيرة من البرلنت و٥٦ قطعة أصغر منها وكلها مربعة الشكل، وريشة من الماس البرلنت على شكل قلب يخترقه سهم مركب عليها حجارة كريمة مختلفة الأحجام، وخاتم مُركب عليه فص هرمى من الماس المائل إلى الزُرقة)».

وليس هذا فقط ما تبرعت به فاطمة، فقد تنازلت عن سرايتها التى قدرت بحوالى ١٢٥ ألف مترمربع لتتحول بعدها فى عام ١٩٤٠ بأمر الملك فؤاد للمتحف الزراعى، ومنحت الحكومة ما تبقى من ممتلكاتها البالغة أكثر من ٣٠ فدانا لتتحول لمنطقة الدقى التى سميت أول الأمر شارع الأميرة فاطمة اسماعيل، هذا وكانت قد أوقفت فى عام ١٩١٣ حوالى ١٠٠ فدان لفعل الخير بمناطق متفرعة فى المنصورة والجيزة وبولاق الدكرور وشبرا ومركز أجا.

هنا ولابد أن يضم متحف المرأة مختارات موثقة لمسيرة المصرية الاجتماعية والأدبية والسياسية والأخيرة كانت بداية من مؤتمر بروكسل عام ١٩١٠ الذي دعى إليه الزعيم محمد فريد من أجل نصرة القضية المصرية ومناهضة الاحتلال الانجليزى، وقد ألقت السيدة انشراح شوقى فيه خطبة سياسية مهمة.. وتشارك نساء مصر فى عدة  مسيرات احتجاجية على الاحتلال فى ثورة ١٩١٩ وتسقط حميدة خليل من حى الجمالية لتغدو أول شهيدة برصاص الانجليز.. وتترأس صفية زغلول اجتماع حزب الوفد فى غياب زوجها سعد زغلول فى المنفى لتتخطى المصرية تقليدا عقيما ظل متبعا طويلا.. وفى ١٦ مارس ١٩٢٣ يتم إشهار أول منظمة نسائية رسمية باسم الاتحاد النسائى المصرى لتنتخب هدى شعراوى رئيسة له، وتؤسس فاطمة نعمت راشد أول حزب نسائى ليس فى مصر وحدها بل فى العالم العربى للمطالبة بحقوق المرأة السياسية، وفى أواخر عام ١٩٤٨ يتم اشهار اتحاد بنت النيل برئاسة درية شفيق حيث قامت أكثر من ألف سيدة ومئات من أنصار المرأة من الرجال بعقد مؤتمر نسائى فى أحد الفنادق القريبة من البرلمان فى ١٩فبراير ١٩٤٩ لتحاول أكثر من خمسمائة سيدة مشاركة فى المؤتمر دخول البرلمان من الباب الرئيس فلا يُسمح سوى لثلاث منهن بالدخول هن: درية شفيق وسيزا نبراوى، وزينب لبيب، ويتم اتصال تليفونى بين المندوبات الثلاث ورئيس المجلس فيؤكد لهن تبنى حقوق المرأة مقابل انسحاب النساء من بهو المجلس، ويؤكد لهن رئيس مجلس الشيوخ الدكتور على زكى العرابى أنه أول المؤمنين شخصيا بمطالب المرأة وحقها السياسى.. فى عام ١٩٥١ تقرر وزارة الهلالى فتح باب القيد فى الانتخابات العامة والسماح للنساء بالمشاركة تصويتا وترشيحا، إلا أن الحكومة عادت لتنكر من جديد هذا الحق للنساء، ويستمر كفاح المصرية للمساواة حتى صدور دستور ٥٦ الذى نص على حقوق المرأة فى الحياة السياسية.


ومن مختارات ما كتب حول هذا الموضوع ما كتبه الصحفى الكبير مصطفى أمين فى حلقات مذكراته التى نشرت تحت عنوان «مشاهير بلا أقنعة» فى عام ١٩٨٩ حيث تقول روايته إنه اقترح على عبدالناصر بعد منح المرأة حق الانتخاب والترشح تعيين وزيرة.. «وتصادف أنه دخل علينا فى ذلك اليوم عبدالحكيم عامر، فقال له عبدالناصر: إيه رأيك يا عبدالحكيم؟ مصطفى يقترح أن تعين وزيرة! وإذا بعبدالحكيم يخلع حزامه العسكرى ويشهره بيده مهددا بأنه لو واحدة ست دخلت الوزارة لأكون خارج منها!.. ولكن الفكرة ظلت فى ذهن عبدالناصر، وطلبنى ذات يوم ليقول: سيكون عبدالحكيم نائبا لرئيس الجمهورية، ويخرج من مجلس الوزراء وأريد منك أن ترشح لى عشرة أسماء لنساء يصلحن وزيرات فليس عندى مثل الأرشيف الذى عندكم فى أخبار اليوم.. وأذكر ــ والكـلام لايزال لمصطفى أمين ــ أننى فى اليوم التالى قدمت له بالفعل قائمة بأسماء عشر مرشحات أذكر منهن الآن أمينة السعيد، كريمة السعيد، سهير القلماوى، فاطمة عنان، عزيزة شكرى، عائشة راتب، أم كلثوم التى رشحتها وزيرة للثقافة وكتبت اسم الدكتورة حكمت أبوزيد فى آخر القائمة أى نمرة عشرة!! وأرسلت القائمة إلى عبدالناصر فى مظروف مغلق، وإذا به يعين المرشحة الأخيرة وعندما سألته لماذا فضلها؟ فقال: مش عايز يطلع علينا كـلام وشوشرة!».

ولابد ومن البديهيات أن يهتم متحف المرأة بجميع مؤلفات المرأة المصرية فى كل مجال ومنها كتاب «النسائيات» لباحثة البادية ملك حفنى ناصف، و«عائشة التيمورية» لمى زيادة، و«الفن من أجل الفن فى مصر القديمة» لدرية شفيق و«سيدات مصر» لبنت الشاطئ، و«الباب المفتوح» للطيفة الزيات و..«تاريخى بقلمى» لنبوية موسى التى كانت تكتب بعضا من ذكرياتها فى مجلتها «الفتاة» فى أكتوبر ١٩٣٧ فلما أقبل عليها القراء جمعتها فى كتاب قالت عنه «هو تحليل نفسى لفتاة قضت عمرها فى جهاد مستمر وهى نفسها لا تعرف إلى الآن أكان سبب هذا الجهاد والنضال المستمر خطأ صدر منها أو هو خطأ المقادير؟!».. فى إحدى الصفحات كانت زيارة ملكية للملك أحمد فؤاد لمدرستها جاء فى سطورها: «شرف جلالته المدرسة فاستقبلته الطالبات فى أول فصل بقصيدة استحسنها ومن معه وكانت من شِعرى، قدمتها إلي جلالته فى إطار على طراز عربى مزخرف بالصدف البراق، وأحطت القصيدة برسم بديع لبعض الأزهار فأعجب بها كل الإعجاب، وكان سعيد باشا ذو الفقار يميل إلى مساعدتى ويسير وراءنا فكنا إذا دخلنا فصلا وخرجنا منه تغير موقعى بالنسبة لجلالته فصرت على يمينه بعد أن كنت على يساره وهنا ينبهنى سعيد باشا: إنك على يمين عظمة السلطان وكان عظمته مسرورا باسمًا فشجعنى هذا فنظرت إلى عظمته مستفهمة: لقد تغير المركز دون أن أقصد، فهل ضايق هذا عظمتكم؟ فابتسم عظمته قائلا: لا أبدًا وكنا قد فرشنا لعظمته فى الممرات بساطا ضيقا وفجأة نظرت فإذا أنا أسير على البساط وجلالته يسير على الأرض، فقلت: عفوا، إن هذا البساط قد وضع لعظمتكم أما أنا فأسير كل يوم من هذا الطريق على الأرض، فضحك جلالته ثانية وقال: لا حرج عليك.. وقلت لجلالته: إنى قد أعددت لزيارة عظمتكم المدرسة الملحقة وهى أظرف بكثير من مدرسة المعلمات التى تزورها عظمتكم الآن، لأن تلميذاتها طفلات صغيرات ولكنهم يحاولون منعى من ذلك مع أنى أنفقت على زينة تلك المدرسة من جيبى الخاص، وكل حجتهم فى ذلك المنع أننا سنسير خطوات تحت الشمس، وأنا مستعدة ردا على هذا الاعتراض أن أحضر لعظمتكم مظلة. قال: أنا عسكرى يا سيدتى وسأذهب إليها رغم هذا وبدون مظلة. وقال عظمته بعدها إنها أحسن من مدرسة المعلمات.

قلت نعم بعدما أخفينا عيب عدم وجود مظلات أمام أبواب الفصول فوضعنا قماشا لستر هذا العيب فضحك جلالته ودفعنى عدلى باشا يكن فى ظهرى بقبضة يده قائلا: ألا تريدين السكوت؟ قلت: لا، ويجب أن يعرف عظمته كل شىء.. فضحك الجميع وسرنا إلى غرفتى وهناك شكرنى حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد وقال إنه لم يُسَّر من مدرسة مثل سروره من مدرستى، ووقف المفتش الانجليزى مشدوهًا لا يُبدى حراكًا، وخرج عظمة السلطان ومن معه ولم يبق أمامى غير حضرة المفتش فقال: لا أدرى ما الذى صنعت له حتى أعجب بك كل الإعجاب؟ قلت لقد سحرته ولكنى لسوء حظى لم يفلح سحرى فيك أنت فقط، فتركنى مقطب الجبين دون أن يجيبنى وانصرف..
    
عظمتكم يا نبوية محفورة على جدران تاريخ تعليم الفتاة فى مصر.. وعظمتكم يا فاطمة قـلادة من جوهر تطوق عنق المصريين جميعا، وصدق الكاتب الكبير أنيس منصور عندما كتب مسلسله الشهير «مين مايحبش فاطمة؟!» فاطمة إسماعيل.. الأميرة التى لم تبخل على مصر بأرضها وقصرها ومصاغها.


لمزيد من مقالات سناء البيسى

رابط دائم: