رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نعيش من أجل الحقيقة

هناك من يسعون إلى طمس الحقائق أو تشويهها أو إنكارها، لأنهم اعتادوا على الأكاذيب والأوهام والخداع، والحقيقة تكشف تشوهاتهم وضعفهم، وهؤلاء لا يمكنهم التعايش مع الحقيقة، لا يرون الواقع، وينكرون حتى نور الشمس، ولا يجدون فرصة لهم إلا فى مكائد الظلام، وإلقاء التهم على الأنوار التى تشع وتجهر بالحقيقة.. لا يرون العاصمة الإدارية الجديدة، لا يريدون حتى مجرد رؤيتها، لا يريدون رؤية شبكة الطرق العملاقة، التى ربطت لأول مرة أرض مصر، ووسعت من مساحتها أضعافا مضاعفة، ولا يريدون رؤية التحديث الذى يتمدد إلى كل جوانب حياتنا، لأنه بالنسبة لهم نهاية مؤلمة للظلام الكامن فى نفوسهم، والذى لا يمكن أن يتعايش مع الحداثة والتطوير، ويتمسكون بكل قبيح ومتهالك، سواء من مبانى العشوائيات التى تعكس الأفكار العشوائية التى ظهرت واتسعت وأفسدت الأذواق والأخلاق والقدرة على الفهم والتفكير والإبداع والتطوير، إنهم لا يريدون سوى الجمود الذى اعتادوه، ولا يستطيعون إلا الاستمرار فيه، ويكرهون الخروج إلى النور.

إن حفل تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسى رغم بساطته أثار أحقادهم، لأنه كان بمثابة الإعلان عن تحول الجمهورية الجديدة إلى واقع وحقيقة لا يمكن إنكارها، وأن قطار التطور والتحديث قد انطلق، ولا سبيل لإيقافه أو حرفه عن مساره، وأن مسيرة التطوير والتحديث سوف تزيل كل الظلام المتراكم، وإرثا من التظليل الذى طال مختلف جوانب الحياة، لكنه لا يستطيع الصمود أمام نور الحقيقة الذى يصدم عيونهم كل يوم، ولن يعجزوا عن إخفاء تلك الحقائق الجلية من مشروعاتنا القومية الكبرى مهما أطلقوا من شائعات أو أغشوا العيون ببقايا أتربتهم المتراكمة فى عقولهم.


ومن أجل الحقيقة والدور التنويرى الكبير الذى تلعبه جريدة الأهرام منذ ما يقرب من قرن ونصف قرن من الزمان، للوقوف مع الدولة المصرية والمصريين فى الجمهورية الجديدة كحائط صد منيع ضد الشائعات وطيور الظلام وأهل الشر، عندما كنا نناقش تطوير جريدة الأهرام، سواء من ناحية المحتوى أو التقنية، اتفقنا على ضرورة إعلاء قيمة الصدق والدقة، وأن يصبح شعار الجريدة «نعيش من أجل الحقيقة»، وهذا يعنى «الصدق قبل السبق»، وهو ما تبناه مؤسسا جريدة الأهرام سليم وبشارة تقلا فى أثناء وضعهم اللبنات الأولى لهذه الجريدة العريقة، لكن هذا المبدا أصبح أكثر ضرورة فى مرحلتنا الراهنة، فى ظل الانتشار الواسع للأخبار والمعلومات المغلوطة، والتى أصبحت لها مؤسسات تصطنعها وتروجها، وإحدى أسلحة الحروب الحديثة، والقادرة على التلاعب بالأفكار والتوجهات عن طريق الدعايات الكاذبة، وحملات الشيطنة، وإثارة القلاقل، وإضعاف الدول من خلال بث الفرقة بين مكوناتها، حتى لو كانت دولة متجانسة متماسكة تسير فى قطار التنمية بخطى ثابتة مثل مصر، التى تعد أقدم دولة فى التاريخ، وحضارتها السامية تنبعث من جذور عميقة، وتتأصل بثبات لتكون واحدة من اعظم الحضارات البشرية التى عرفتها الأرض، بل وأقلها تغيرا فى حدودها، فقد كان النيل مولدًا للحضارة ومدرسة للتوحيد والتلاحم بين المصريين، فكما ارتوت أراضيه من مياهه النقية، ارتوى قلب المصريين من قيم الصمود والعزم، وانطلقوا بفكرة البناء والتميز على أساس العمل المشترك والإيمان العميق.

اليوم رأينا ما تصنعه الكلمة، ودورها فيما يسمى الثورات الملونة، وكيف أنها يمكن أن تهدم دولا وتهلك شعوبا، وعشنا تأثير الكلمة على الأسواق، فقد كانت شائعة أو جملة واحدة عن المركز المالى لإحدى الشركات يمكن أن تخسف بأسهمها الأرض، وكلمة أخرى يمكن أن ترفع سعر أسهم شركة أخرى إلى عنان السماء، ولا يفطن الناس إلى الخدعة إلا بعد فوات الأوان!. وجدنا أن مجرد شائعة عن اختفاء سلعة يضاعف سعرها مرات ومرات، ولأن البعض يصدقون، ويتسابقون على شراء أكبر كمية ممكنة من تلك السلعة، فإنها تختفى بالفعل، وتتحول الشائعة إلى واقعة يصعب تغييرها، وتحتاج إلى إجراءات طويلة، منها لجوء الدولة إلى استيراد وطرح المزيد من تلك السلعة، وإعادة طرحها، وخوض سباق ومعركة مع التجار ومحتكرى السلعة والمضاربين عليها، لكن المشكلة تكون أكبر عندما يشترك جميع المستهلكين فى تخزين السلع، وتتحول المشكلة الطارئة إلى أزمة.

رأينا دور الكلمة فى الحرب الأوكرانية، وكيف استخدمت دول أوروبا الأكثر ترويجا لحماية حرية الرأى وهى تمنع منصات الإعلام الروسية، وتغلق مكاتبها، لأنها لا تريد أن تسمع وترى شعوبها رأياً مخالفاً، أو معلومات مغايرة لما تدعيه وتنشره من آراء وأخبار.

ومن المفارقات الكبيرة أن الغرب الذى يحتكر معظم وسائل الإعلام ومصادر الأخبار والمعلومات، والذى أنشأ منصات التواصل الاجتماعى يعانى الآن من تلك المنصات، ويبذل جهودا كبيرة لمنع المنصات التى لا تروق له، ويمنع تداولها أو يحاول ذلك بشتى الطرق.

ومع ظهور الحروب السيبرانية، وقدرة جهات وأجهزة على اختراق بيانات أشخاص ومؤسسات دخلت الكلمة مرحلة أكثر خطورة، بعد أن تتمكن برامج التجسس والاختراق من معرفة كل ما يدور داخل المؤسسة المستهدفة أو الأشخاص، وتتتبع مكالماتهم ورسائلهم الإلكترونية، وماذا يقرأون أو يكتبون، والأماكن التى يوجدون فيها أو زاروها، فأصبح كل ما يفعله الشخص مكشوفا طوال الوقت، وأصبح من الصعب حماية الخصوصيات، ومع المقدرة الواسعة على معرفة المعلومات وكثافتها، جاء إمكان التلاعب فيها، إما عن طريق اجتزائها من السياقات، أو اختيار أجزاء متناثرة لصياغة سردية مختلفة عن الواقع، حتى جاء الكذب العميق «الذكاء الاصطناعي» الذى يختلق صوراً وكلمات لم يكن لها وجود أساساً، ويمكن لهذه التقنية أن تصنع حوارا لم يحدث، وصورا مختلقة تماما، وهذا التطور التقنى وضع أمامنا تحديا جديداً وخطيراً، وعقبة كبيرة أمام الحقيقة، بعد أن أصبح بإمكان شخص أو مجموعة أو مؤسسة أن تتلاعب بالمعلومات والصوت والصورة.

ما أحوجنا فى مثل هذه المرحلة أن نسعى إلى الحقيقة، وأن نقول الصدق، وليس هذا بالأمر اليسير، فالكلمة الصادقة إذا قيلت وسط ضجيج من الأكاذيب لا يمكن سماعها، وحتى فى حالة سماعها فقد تتوه وسط زحام الروايات الكثيرة، وأصبح من الشائع أن كل شخص سيجد ما يتوافق مع ما يعتقده، وهنا تضيع معانى الصدق والحقيقة، طالما لا توجد أى مرجعية يمكن الاستناد إليها. وهنا يأتى دورنا فى ابراز الحقيقة كنبض للعقل والروح، وأنها الأقوى والأجدر من هذا الغثاء من الأكاذيب، فالحقيقة تبقى قادرة على الصمود، وستظهر وتقنع المزيد والمزيد من الناس بمضى الوقت، بينما الأكاذيب ستتبدد مهما كان عددها ومهما نالت من انتشار يذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث فى الأرض، فالصمود يبقى أحد السمات الأساسية للحقيقة.

لكن الخطر الأكبر يبقى فى تبنى أعداد كبيرة من الناس رواية كاذبة، وأن يدافعوا عنها حتى بعد أن يعرفوا الحقيقة، لأنهم تورطوا فى تبنى تلك المعلومات، ودافعوا عنها وكأنها من بنات أفكارهم، هنا تصبح الحقيقة فى تحديات أكبر، وأن علينا أن نعمل على تحرير أنفسنا من معلومات كنا نعتقد أنها حقيقية، ولا نخجل من القول أننا وقعنا فى خدعة، فمن الصعب فى هذا الزمن المليء بالمعلومات والأخبار والروايات الخاطئة أو المحرفة ألا نقع أحيانا فى حبائلها، وعلينا التحلى بالشجاعة الكافية لأن نتراجع عنها.

هناك صحف ووكالات أنباء تتبنى سرعة نشر الخبر حتى لو لم يكن دقيقا، أو التحرى عن صدقه، وترى أن السبق هو الأهم، لأن الناس تريد أن تعرف الجديد والصادم والمفاجئ، وأن تكون أول من يعلم، وأن السبق يظل منتشرا حتى لو لم يكن دقيقا، وأن الحقيقة المتأخرة تجد صعوبة فى التصديق من المعلومة الكاذبة السباقة، وتحتاج الحقيقة المتأخرة إلى جهد كبير لكى تزيح الأخرى الكاذبة، واختارت جريدة الأهرام منذ صدورها قبل نحو 149 عاما أن تتحرى الصدق قبل السبق، وهذا التحرى هو ما جعل الأهرام تتمتع بمصداقية كبيرة وتعيش عبر السنين، حتى كان يعرف الخبر الصادق بأنه المنشور فى الأهرام.

إننا نسعى بكل جهد وقوة إلى أن نحافظ على تلك المصداقية، والتى لدينا رصيد كبير فيها، بالتوازى مع السرعة فى آن واحد فى عصر الرقمنة، وهو ما يجعلنا أصحاب السبق الأكثر دقة وصدقا، فالجمع بين الحسنيين هو أفضل ما نبتغيه، وأن نسعى من أجله، وديننا الحنيف يحثنا على الصدق، ويجرم الكذب ويعده من أكبر الرذائل والخطايا، حتى أمرنا بقول الحق حتى لو كان ضد مصلحتنا أو يضعنا فى دائرة العقاب، لكن من يقول الصدق ولو على نفسه فإنه يتمتع بشجاعة وقوة تمنحه قدرا كبيرا من فرص المغفرة، وتخفف من آثامه، ويكون متصالحا مع نفسه، أما من يكذب فإنه لا يستمتع ولا يستريح مهما حقق من مكاسب، لأن الحقيقة أقرب الطرق إلى القلوب الحية والعقول الواعية، لذا يبقى سعى كل كتيبة صحفيى جريدة الأهرام وراء الحقيقة رحلةً مستمرة، ورحلة الحقيقة لا تنتهى بل تتجدد مع كل استنارة، فلنتجاوز حدود الظاهر ونتوجه نحو العمق، ولنظل مخلصين لمبدأ البحث عن الحقيقة وراء كل غموض وكل ستار، ولتعيش الأهرام من أجل الحقيقة.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: