رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

كيف نحول المحنة إلى منحة؟

مصر كانت السباقة إلى التنبيه بأن جذور وأسباب الحرب فى غزة هى عدم إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، وتبعها العالم كله، بدءا من أوروبا التى كانت تؤيد بلا تحفظ العدوان الإسرائيلي، وكذلك الولايات المتحدة التى كانت تقدم الدعم العسكرى والسياسى والاقتصادى لإسرائيل، وبدأ تحولهما خطوة خطوة نحو الطرح المصري، الذى بدأ يثمر وقف الحرب قريبا، وهذه الجهود المصرية، التى قادها الرئيس عبد الفتاح السيسى نجحت فى حلحلة وتحويل المواقف الغربية، لتعالج جذور الأزمة وليس أعراضها فقط، وكانت الدبلوماسية المصرية تعرف كيف تخاطب الغرب، انطلاقا من فهم دقيق وعميق لأولوياته وأهدافه ولغته، ولم يكن بالإمكان تجاوز الغرب أو تجاهله، والارتكان فقط إلى اللغة التصعيدية، وإنما وضع الدول الأوروبية والولايات المتحدة أمام مسئولياتها، وأن تتحمل النتائج الخطيرة التى يمكن أن تنشأ عن تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولهذا عليها الذهاب بشكل واضح وبلا أى لبس نحو جوهر الصراع، والتوصل إلى حل يقضى بإنشاء دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا ما تحقق مؤخرا، ووضع إسرائيل أمام مأزق، وأنها ستواجه العالم كله إذا استمرت فى عنادها، واعتمدت على لغة القوة.

إن ما أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال احتفال ذوى الهمم السنوى شديد الأهمية، وإن كان لم يستغرق إلا بضع دقائق، لكنه حمل الكثير فى طياته، مؤكدا الدعم المتواصل لسكان غزة، ومشيرا إلى التعقيدات التى قد لا يعرفها كثيرون، فالبعض منهم أساء فهمها، ومنهم من فسرها بطريقة خاطئة، بعيدة عن الحقيقة، لكن الرئيس عبدالفتاح السيسى أكد قيم الصدق والعدالة والاستقامة، وأن الموقف المصرى لا يعرف التآمر ولا الخطاب المزدوج.

إن الصعوبات أو التحديات التى واجهتها مصر خلال حرب غزة سوف تتكشف فى يوم من الأيام، وتؤكد الدور المصرى الذى تصدى لكل محاولات إقصاء القضية الفلسطينية، مثلما تصدى لمخطط التهجير بكل قوة ووضوح، وسعى مصر للتخفيف عن شعب غزة – ما أمكن – وهنا يشير الرئيس السيسى بكل وضوح إلى عاملين، أولهما الإرادة المصرية قيادة وشعبا للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطينى، وتقديم يد العون والمساعدات الغذائية والطبية وغيرها من مواد الإغاثة الإنسانية، والعامل الثانى يتعلق بالتحديات والخلافات والضغوط التى تصدت لها مصر فى الحدود التى تحتوى الأزمة، دون تفجيرها، والرهان على إقناع الدول المؤثرة عالميا وإقليميا فى العمل معا من أجل إنهاء الحرب، وفتح المسار السياسى والتفاوضي، الذى يؤدى إلى نزع فتيل الحرب، وإيجاد الحل العادل والدائم على أسس القانون الدولى والإنساني.


أما فيما يخص الجهود المصرية من أجل مواجهة التحديات الاقتصادية، التى بدأت بانتشار جائحة كورونا، ثم امتدت إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، واستمرت إلى اندلاع الحرب فى غزة، والتى بدأت التوسع، وكان يمكن أن تصل إلى مرحلة الانفجار، فقد لعبت مصر دورا مهما فى عدم توسع الحرب، وكانت صاحبة أول الأصوات وأعلاها فى التنبيه إلى مخاطر توسع الصراع، وهو ما تنبهت له باقى دول العالم، وتأثر الاقتصاد المصرى بكل تلك العوامل والتحديات التى واجهت المسيرة الاقتصادية الواعدة، والتى تعرضت خلال السنوات الأربع الأخيرة إلى مشكلات كبيرة، لكننا بعون الله، ومساعدة الأشقاء قادرون على تحويل المحنة إلى منحة، بأن نتوحد ونعمل بكل جدية، ونستثمر قدراتنا، وأهمها السواعد المصرية القوية والكُفْأة، وأن نشحذ طاقاتنا، ونستثمر ثرواتنا، وأن نتوسع فى إقامة المشروعات المتنوعة، التى تصب فى زيادة عوائدنا وإنتاجنا القومي، وتوفر فرص العمل، واحتياجاتنا الزراعية والصناعية.

وكان مشروع رأس الحكمة نموذجا إيجابيا لدور أصدقاء مصر فى مواجهة أزماتنا، بما يحقق الفائدة المشتركة، ويوفر لنا ما نحتاجه من العملات الصعبة، والقضاء على معدلات التضخم، ونحمى عملتنا الوطنية من خلال توفير ما يكفى من العملات الصعبة، وهذا ما حققه المشروع الإماراتى الواعد فى رأس الحكمة، ليكون نموذجا للتعاون بين الأشقاء. لكن المطلوب منا أن نواصل العمل الجاد من أجل إكمال مشروعاتنا القومية، لكى تصل إلى مرحلة الإثمار، لتكون قاطرة للإنتاج المتطور فى الصناعة والزراعة والطاقة وغيرها من المجالات.

إن المحنة التى تحدث عنها الرئيس عبد الفتاح السيسى تجسدت فى ارتفاع أسعار الكثير من السلع، وتراجع سعر الجنيه المصرى مقابل الدولار الأمريكى وباقى العملات الصعبة، ومع ذلك تحمل الشعب المصرى بكل قوة وثبات هذه الموجة من ارتفاع الأسعار، وصمد بكل بسالة، وقدم التضحيات، وتحمل الصعاب، وهذا الجانب الإيجابى دليل على قوة الشعب المصرى وقدرته على مواجهة أى محنة، و على الانتقال من التحمل إلى العمل الجاد وبذل الجهد والعرق من أجل زيادة الإنتاج والتصدير، والتخلى قدر الإمكان عن بعض الواردات التى يمكن إنتاجها فى مصر، وبذلك تتحول المحنة إلى منحة، بفضل السواعد المصرية، وقوة وثبات ووحدة الشعب المصري، الذى أثبت قدرة فائقة على مواجهة التحديات والأزمات مهما كانت الصعاب، لكى يمكن تجاوزها بخطوات ثابتة ومدروسة من أجل تحقيق الهدف الأسمى، والاستمرار فى بذل الجهد والعرق، ليحقق الازدهار والتقدم الذى يبتغيه.

لقد نجح الشعب المصرى فى معركته الصعبة، وأثبت القدرة على الصمود فى مواجهة أعتى الأزمات، وأنه يستحق وقادر على تحقيق المنحة التى سيجنيها الشعب المصرى نتيجة نجاحه فى هذا الاختبار الصعب، وأن يجنى ثمار صبره وتحمله، من خلال نتاج عرقه وإنجازه المشروعات القومية الكبرى، واستكماله مسيرة العمل والتقدم والتحديث التى مازالت تتقدم إلى الأمام، ولم تتوقف لحظة، واقترب موعد إثمارها، وأن نحصد ما زرعناه وما بنيناه وما عمرناه بسواعدنا، تحت قيادة لا تعرف إلا المضى نحو النجاح والتقدم.

إن الاحتفال بذوى الهمم كان مناسبة لتأكيد القدرة على التحمل، وشحذ الطاقات الكامنة فينا، وأن يكون تحدى ذوى الهمم نبراسا نقتدى به، يحمل معانى القدرة على التحدي، والقدرة على البناء والتقدم والنبوغ رغم أى تحديات أو معوقات، وأن نجتاز أى محنة، وأن نعرف الطريق نحو المنحة الكبرى، وهى أن تصبح مصر قوة اقتصادية كبيرة بفضل سواعد أبنائها.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: