رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

اجتهادات
الإنصاف

أحد أهم فضائل كتاب الراحل الكبير صلاح عيسى الصادر للمرة الأولى قبل أيامٍ أنه أنصف من رفض معظم الباحثين اعتباره مؤرخًا بحق، واعتبروه مجرد جامع وقائع دون ترتيب أو تنسيق، أو على الأكثر كاتب مذكرات. فهو عندهم بلا منهج أو موقف.

وهذا ما يناقشه عيسى بطريقة منهجية وموضوعية فى كتابه «عبدالرحمن الجبرتى-الأنتلجنسيا المصرية فى عصر القومية»، الذى يعود الفضل إلى الأستاذة أمينة النقاش فى إعداده للنشر. وتأتى هذه المناقشة المُمتعة فى سياق دراسةٍ عميقة للجبرتى وموقعه فى الخريطة الاجتماعية المصرية فى النصف الثانى من القرن 18 وأوائل القرن التالى، وإطلالة دقيقة على كتابيه عجائب الآثار فى التراجم والأخبار، ومظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس. دراسةُ يشعر قارئُها بأنها لوحةُ تاريخيةُ رسمها الراحل العزيز بريشةٍ ساحرةٍ كعادته فى هذا النوع من كتاباته التى تتميز بالسعى إلى التدقيق وبذل جهد كبير فى تحقيق تفاصيل ما يتناوله.

دراسةُ عن الجبرتى، ولكنها تُقدِّم رؤيةً تحليليةً جديدةً للأوضاع فى فترةٍ شهدت تطوراتٍ كبرى، وكان الجبرتى شاهدًا خلالها على ما يسميه عيسى ثلاثة انقلابات خطيرة هى ثورة على بك الكبير 1769، والحملة الفرنسية 1798، وتولى محمد على الحكم 1805. ويرى المؤلف، هنا، أن فى كتابى الجبرتى ما يُعبِّر عن فكر الأنتلجنسيا أو المتعلمين والمثقفين فى عصره. وتمكن عيسى، بمعرفته وخبرته، من التعامل مع أدغال لغة الجبرتى المرتبطة بزمنه، وأسلوبه الذى لا تتسلسل فيه الأفكار.

ولهذا يُعدُ هذا العملُ البديع أهم ما كُتب فى إنصاف مؤرخٍ يكفيه فضلاً أنه ترك لنا ما أتاح توثيق أحداث الحملة الفرنسية وما قبلها، ثم ما تلاها وصولاً إلى السنوات الأولى فى عهد محمد على. فربما باستثناء كتاب محمود الشرقاوى دراسات فى تاريخ الجبرتى الصادر 1955، اقتصر ما كُتب عن الجبرتى على التقليل من شأنه كمؤرخٍ بطريقة لم تخل من سخريةٍ أحيانًا كما نلاحظُ فى كتاب أحمد حافظ عوض فتح مصر الحديث الصادر 1925. إنصافُ فى زمنٍ ضمرت فيه قيمةُ الإنصاف مع كثيرٍ من القيم النبيلة0 فسلامُ لروح صلاح عيسى، وشكرُ مستحقُ لأمينة النقاش.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: