رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صاحب الجلالة

يقولون فى غزة الباسلة إن من بين ثوابتها الصامدة جبل من نوع فريد.. جبل بشرى راسخ شامخ صابر احتار فى مدى تحمله القاصى والدانى بعدما قام بتغيير معانى الصبر التى نلوكها بعفوية لنهدهد بها أوجاع ألم ما، فجبل الصبر لم يعتره ألم واحد بل جبلا موازيا من الآلام العضال، فأنزل اللـه على قلبه سكينته ليظل واقفا وسط الميدان بملابس الميدان مراسلا حربيا يمسك الميكروفون بذراع مضمدة إثر طلق نارى ناقلا على الهواء مباشرة سير الأحداث الجسام على أرض المقتلة التى لا يهدأ أوارها..

وائل الدحدوح.. أيقونة الصلابة والأمانة. القضية والإبادة.. الدموع الباطنية. النار الجوانية. الصرخة الصامتة. التعالى والتسامى.. الجراح المفتوحة.. أرض الإبادة والشهيد.. هدف الاعتداء والتسديد.. بركان غضبة لا تنفجر.. هدوء لا يسبق عاصفة.. خزينة رعود الصدر.. جلمود صخر وفى القلب مزهرية.. قارب الياسمين فى بحور الشياطين.. عنوان القضية.. كلمة حق فى النص الباطل.. جراح الكبرياء.. السؤال والجواب.. الجبل الذى سيهزم الهزيمة.. أفضل من قرأ كتاب الوطن.. شجرة أحزان تعطى وتُثمر.. منديل غزّة المطرز بالدمع والدعوات.. نور على نور.. الرضا والإيمان.. العمل والالتزام.. تفاصيل المشهد وأوجاع فقدان الابن الشهيد.. لا يتغيب الدحدوح عن منصته اللـهم إلا سويعات قاهرات متتابعات يقوم فيها بوداع أفراد عائلته الزوجة والابنة والحفيد والابن محمود وصديق الدرب سامر أبودقة.. و..حمزة الابن البِكرى من سار على درب أبيه فى نقل صور مأساة غزة لعالم شعوبه فى تظاهر، وحكامه فى شجب، مطلبهم ذو الصوت المرتفع عدم توسيع دوائر النار!

فى حنايا المشهد الأخير للشهيد حمزة تتعلق الابنة الباقية على قيد الحياة فى رقبة الأب تخوفًا من فقدانه هو الآخر.. أمانة ظل إلنا يابا.. يابا ملناش حدا غيرك الآن.. الأب الجبل من فوق قمة الشموخ يظل واعيًا لمهمته الأزلية فى توصيل المعلومة للمُشاهد فيجيب بعفوية اللحظة ــ التى يترك فيها وجه حمزة المُسجى المثخن بالجراح ليُقبل يديه المباركتين بالدماء ــ على أسئلة شراهة الإعلام حول آلامه الطازجة: «لا شىء أصعب من آلام الفقد.. عندما تتجرع هذه الآلام المرّة تلو المرة تكون الأمور أصعب وأشد.. حسبى اللـه ونعم الوكيل.. هذا خيارنا قدرنا يجب أن نرضى به مهما يكن.. خيار نأمل أن يكتبنا اللـه فيه مع الصابرين وأن يمدنا بأسباب القوة حتى نستطيع المواصلة.. لحمزة ولكل الشهداء نقول: إننا على العهد وعلى طريق اخترناه طواعية وسقيناه بالدماء ونحن ماضون وهذا هو التحدى الكبير، وليس أصعب من آلام ووجع الفقد فكيف إذا كان الفقد الولد البكر.. ليس حمزة بضعة منى بل كان كلى إنه روح الروح والرسول بكى وحزن.. دموعنا تفرقنا عن أعدائنا فنحن مشبعون بالإنسانية وهم مشبعون بالكره والحقد. نحن نسكب دموع الكرم والشهامة وليس دموع الخوف والجزع والاستكانة. نحن ماضون ونعمل على الهواء مباشرة وولدى حمزة كان يعمل معنا. بعد الأسرة وبعد حمزة نحن مستمرون وعلى العالم أن ينظر إلى قطاع غزة إلى شعب مدنى أعزل يناله ظلم بيّن استشهد فيه من الصحفيين حتى الآن مائة وعشرون سقطوا وسفحت دماؤهم ــ أحدثهم أحمد فطيمة مراسل قناة القاهرة الاخبارية ــ أتمنى أن تكون دماء حمزة آخر الدماء من بين الصحفيين ومن بين أبناء غزة أجمعين.. الرسول حزن وبكى على ابنه.. تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا لفراقك لمحزونون.. وإنا للـه وإنا إليه راجعون.


وائل الدحدوح .. قارب الياسمين فى بحور الشياطين

الدحدوح جبل الصمود من هزت صلابته تجاه أوجاعه العالم أجمع، حتى وزير خارجية أمريكا بلينكن توقفت كلمات المواساة على لسانه لا يستطيع لها جمعا.. أيقونة الاحتمال إلى أين يعود؟!.. إلى أين الموجوع يعود؟!.. إلى قريته التى دُمِّرت؟!.. إلى أحضان زوجة قتلت؟!.. إلى بيت دُكت قوائمه؟!.. إلى صغيرة أرديت؟!.. إلى حفيد كان يأمل فيه ماردًا فلسطينيًِا؟!.. إلى ابنة مكلومة مثله تتعلق بذراعه المصابة؟!.. إلى محمود البرعم النامى الذى سقط مجندلا؟!.. إلى رفقة حمزة الابن البكرى الذى أنجبه وكبّره وآخاه ليتكئ عليه فى المحن والكبر والمواقف والشدائد فغادره مستشهدًا تاركًا أباه عزيز القوم فى مهب الوحدة يظل ينقل سيل الأحداث الجسام بميكروفون فى يده بعدما خلت يداه وداره وأطفأ القاتل أنواره مع سبق الإصرار والترصد بدءا من الأسرة فالمنزل فالمكتب فالزميل المصور.. ثم حمزة.. يا صاحب الهم العظيم عظّم اللـه أجرك يا وائل الأعزّ كلنا فى مصر سباقون للاطمئنان على جرحك الجسدى فلا حول لنا ولا قوة لمداواة جراحك النفسية التى تتركها للخالق البارئ، فإذا ما كان جرحك يتطلب علاجا خارج نطاق غزة فنحن لها ولك، ولا تخشى بُعدًا عن منصتك فمعرفتنا بك أن فى منصتك الإعلامية حياتك.

صاحب الجلالة.. والجلالة هنا تأتى من فعل يجلّ الشىء أى يُعظِّمه، فإذا استولى ما يعظمه المرء على جميع المشاعر والأحاسيس تأخذنا الجلالة، ومن هنا أيضا أتى اسم صاحبة الجلالة الصحافة من أنها السلطة الرابعة والتى على بلاطها يتمرغ أصحاب القلم والميكروفون والكاميرا فوق المكاتب وعلى الشاشات ومراسلون خلف الأحداث، والجميع على عشقها فى التزام.. هذا الالتزام تجاه صاحبة الجلالة الذى دفع مصطفى أمين وهو وراء القضبان داخل المحكمة التى اتهمته زورًا لينهر المصوّر أحمد يوسف المتراجع بعدسته من هيبة موقف يضطر فيه لتصوير رئيس جريدته متهمًا: «صور يا ابنى أنا النهاردة خبر لازم ينزل فى الجرنال، هى دى الصحافة اللى علمتها لكم».. التزام جعل الكاتب الصحفى صلاح منتصر يكتب مقاله الأخير قبل لحظاته الأخيرة فالمطبعة فى انتظار، والذى جعل المراسلة الصحفية الراحلة مريم روبين تسافر على عجل لإيران لتغطى ثورة الخمينى ليلة وفاة شقيقها، والذى أودى بحياة المصوِّر الصحفى محمد رشوان عندما وقف بعدسته تحت منصة السادات ليصوِّر مواكب الاحتفال بالسادس من أكتوبر.. الالتزام الذى قاد إلى الأَسْر لمدة شهرين المصوِّر الصحفى الراحل أنطون ألبير الذى تعرَّض خلال مسيرته للعديد من المواقف التى أوشك خلالها أن يفقد حياته مثلما كاد يسقط من الطائرة أثناء تغطيته أحداث سيول منطقة أبوزنيمة، كما واجه قصف المدرعات الإسرائيلية فى سيناء فى نهاية الستينيات قبل أسره على يد الجيش الإسرائيلى ليعود إلى خطوط النيران الأمامية لتُسجل عدسته لحظة رفع علم مصر على عيون موسى وكما صوَّر أنطون بقايا المدرعات المصرية فى هزيمة ٦٧ صوّر العلم المرفرف فى نصر ١٩٧٣.. وعلى خط الالتزام استكمل المصور محمد لطفى مسيرة صديقه الأسير أنطون ألبير على خط القتال، وفى حرب أكتوبر عبر القناة فى قارب مطاطى مع الجنود وكانت دانات المدافع تتطاير حولهم من كل مكان حتى أن الأقمار الصناعية التقطت صورته ليفاجأ بعدها بأنها أصبحت كارت بوستال يُباع كذكرى لحرب أكتوبر، كما رسمت تلك الصورة كجدارية فى طريق مرسى مطروح، ومن لقطاته المهمة انفراده على أرض الجبهة بتصوير واقعة أسر العقيد الإسرائيلى عساف ياجورى قائد اللواء ١٩٠ الاسرائيلى، وقد وثق لطفى لحظة تعريف عساف نفسه للواء حسن أبوسعدة حيث تحدث بالعربية وطلب حُسن المعاملة، ولكنه طلب أيضًا أن يرى العسكرى الذى أسره وحينما رآه قدم له التحية العسكرية لأنه لم يكد يصدِّق أن لواء كاملا يدمر فى ٢٤ ساعة، كما تعد صورة «التوابيت الإسرائيلية» التى هزت تل أبيب وقتها من أنجح الصور بعدسة محمد لطفى التى خلدت بطولات جنود مصر البواسل، حتى أن الرئيس أنور السادات قال عنها «تلك الصورة كانت خير توثيق على إنهاء مقولة إن الجيش الإسرائيلى لا يُقهر».


الالتزام الذى جعل عبده مباشر المراسل الحربى للأهرام وعميد المحررين العسكريين يقوم بكتابة العديد من المؤلفات العسكرية المتفردة التى لا يستطيع غيره الإلمام بمحتواها وأهمية وثائقها وسير أحداثها خاصة وأن من بين سطورها سردًا لتجاربه الشخصية على أرض الميدان مثل دوره فى استعادة العديد من الجنود المصريين الأسرى فى حرب ٦٧، ومن أهم كتب مباشر مؤلفه عن القائد الملهم «إبراهيم الرفاعى» قائد سلاح العمليات الخاصة فى حرب أكتوبر الذى قام بتنفيذ ٧٢ عملية انتحارية خلف خطوط العدو ما بين ١٩٦٧ و١٩٧٣.. أسد الصاعقة الذى قام بالثأر لمقتل الفريق الشهيد عبدالمنعم رياض رئيس أركان حرب الجيش المصرى وقتها فقام البطل الرفاعى فى نفس العام ٦٩ بالتسلل إلى النقطة الاسرائيلية التى أصابت الفريق وقام بتدميرها وقتل من فيها من الإسرائيليين وكانوا ٤٤ ونسف مخازن الذخيرة ودمر مدرعتين وأنزل العلم الإسرائيلى ورفع العلم المصرى ومكث فى مكانه إلى أن صدرت الأوامر بالعودة إلى موقعه غرب القناة.. ومن كُتب مباشر «حرب الاستنزاف»، «إغراق إيلات»، «حوار مع أبوعمار»، «أسرار وحقائق الحروب المصرية الإسرائيلية من ٤٨ إلى ٧٣».. وعلى خط الالتزام الوطنى يكتب الأديب مجيد طوبيا تجربته على الجبهة فى روايته «ابناء الصمت» التى تروى قصة مجموعة من شباب المجندين أثناء حرب الاستنزاف التى أعقبت هزيمة يونيه ٦٧، حيث تتنازع الشباب أحلامهم الخاصة، وتصطدم خلفياتهم الاجتماعية ببعضها البعض وتعرض الأحداث صورة من الجبهة الداخلية وقت المعركة، وتنتهى بعبور القوات المسلحة قناة السويس وأسر عساف ياجورى، ويعد فيلم «أبناء الصمت» المأخوذ عن رواية طوبيا من أهم الأفلام ــ بل أهمها ــ التى توثِّق الحدث التاريخى، قام ببطولته نور الشريف وميرفت أمين ومحمود مرسى ومحمد صبحى ومديحة كامل وأحمد زكى وسيد زيان وإخراج محمد راضى، ومن روايات مجيد طوبيا «تغريبة بنى حتحوت» المختارة ضمن قائمة أفضل ١٠٠ رواية عربية فى القرن العشرين إلى جانب رواياته «عذراء الغروب» و«الهؤلاء» و«غرفة المصادفة الأرضية» و«حكاية ريم الجميلة».. ويمر على الفيلم اليتيم «أبناء الصمت» ١٩٧٤ أكثر من خمسين عاما ومازلنا حتى الآن نأمل أن يكون هناك فيلم آخر يروى لنا الحكاية بإمكانيات توازى الملحمة الوطنية المتفردة.

وليس أنبل على خط الالتزام من أن يقوم الأديب بلقاء أبطال الميدان.. التجربة الرائعة التى قام بها صاحب القلم المتفرّد محمد على السيد بلقاء أبطال العمليات الحربية فى حرب الاستنزاف على الطبيعة.. ١٧ عملية عسكرية يسافر إلى أماكنها ويستمع لجميع تفاصيلها على لسان أبطالها الذين تفرقوا بطول البلاد وعرضها ليضعهم على نشوة التذكر فتسقط دموعهم من حنين الذكريات مع الرفاق والشهداء، والعمل الأدبى التسجيلى المستنير كان هدفه اكتمال لوحات البطولة أمام عيون الأجيال القادمة درعًا وتاريخًا ومرجعًا.. ولاكتمال التجربة التى خرجت بين ضفتى كتاب «حكايات من حرب الاستنزاف» الذى صدق عليه المشير الراحل حسين طنطاوى وزير الدفاع والإنتاج الحربى الأسبق اتخذ صاحبه الكاتب جمال الغيطانى نموذجًا للمحرر الصحفى العسكرى الراوى، حيث وجده محتفظًا على مكتبه بذكرياته عن حربى الاستنزاف وأكتوبر ومن بينها شارة العبور أثمن ما يملك كما يقول..

الغيطانى المقيم والمقاتل على الجبهة فى فترة من أهم فترات التاريخ المصرى، إذ عمل مراسلا عسكريا على الجبهة لأخبار اليوم فى الفترة من ٦٩ حتى ٧٦ ليشهد ويُسجل بطولات الجندى المصرى خلال التدريبات الشاقة، وإعادة بناء القوات المسلحة وعمليات حرب الاستنزاف قبل سنوات من معجزة العبور فى ٧٣.. فى مواجهة متجددة يوميًا مع الموت مكث الغيطانى يدوّن حكايات الأبطال ليردد على مسامع أبنائه كلمات تحمل الكثير من الدلالات: «احنا دمنا كاكى».. كما عشت الحرب على الجبهة لا مجال هناك أبدًا للون الرمادى.. إما أن تكون شجاعا أو جبانا، لأنك دائما بين الحياة والموت والعلاقات فى الجبهة لها عمق إنسانى كبير.. زمالة حرب لا تُنسى مهما يتقدم العمر.. لولا حرب الاستنزاف ما قامت حرب أكتوبر.. فى الجبهة أشياء كثيرة لا يمكن أن تنسى.. مثلا.. اللواء أحمد سلامة غنيم قائد إحدى فرق الدفاع الجوى عندما سقطت قنبلة ألف رطل على موقع فرقته ولم تنفجر فإذا به يجلس عليها ويشعل سيجارة ليشجع رجاله.. اللون الأخضر لون الزراعة فى ريفنا يستفز اليهود فحياتهم صحراوية فكانوا يطلقون القنابل الفسفورية لحرق الزرع.. المصريون لم يعملوا أبدا كمرتزقة فى جيوش أخرى، إنما دائما يدافعون عن أرضهم.. من خلال المراقبة الدقيقة يعايش جنودنا العدو أكثر مما يعايش نفسه.. لو سودت آلاف الصفحات عن بسالة جنودنا على الجبهة فلن تكون إلا خدشا فوق سطح بالغ العمق.. فى الجبهة لا تتلون المشاعر.. لم نواجه عسكريا اسرائيليا بوجهه أبدًا.. لا شىء يعز على مصر.. بعض الجنود يقبلون الدانات قبل زجها فى المدفع ويهمسون لها بكلمات. لو أحصينا عدد من قتلوا دفاعا عن مصر نستمر فى الإذاعة مائة عام بلا توقف.. لا بهجة تعادل سماع أصوات البشر بعد القتال.. مات ميتة نتمناها كلنا، جاءت الشظية فى موقع القلب تماما..

وعلى طريق الالتزام فهو أمر واجب التنفيذ فى المعاهدات الدولية، وفى ديسمبر الماضى حلت الذكرى الـ٧٥ على صدور المعاهدة الدولية لمنع جرائم الإبادة الجماعية CPPCG التى وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة فى ٩ ديسمبر ١٩٤٨ ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ فى ١٢ يناير ١٩٥١ وبلغ عدد الدول الموقعة عليها ١٥٣ دولة، وتنص المعاهدة على تعريف الإبادة الجماعية باعتبارها أفعالا إجرامية دولية بقصد التدمير الكلى أو الجزئى لجماعة قومية أو عرقية أو دينية من خلال خمسة أفعال:

- القتل الجماعى

- إلحاق أذى جسدى أو نفسى أو عقلى جسيم بالجماعة ككل

- فرض ظروف معيشية تهدف إلى تدمير الجماعة

- منع الإنجاب سواء بالإجهاض أو تدمير أسس الحياة الآمنة التى توفّر الفرصة للإنجاب

- نقل الأطفال قسرا إلى خارج الجماعة.

المعاهدة جاءت ردا على الانتهاكات والفظائع التى ارتكبت فى الحرب العالمية الثانية، ومن المفارقات أن اليهود هم الذين دعوا إلى الاهتمام العالمى لتجريم الإبادة الجماعية، ومن المفارقات أيضًا أن تكون المعاهدة سببا فى الاعتراف بإسرائيل كدولة فى الأمم المتحدة فى ١٤ من مايو ١٩٤٨.. والآن تنظر محكمة العدل الدولية فى الدعوى التى قدمتها جمهورية جنوب افريقيا متهمة فيها إسرائيل بارتكاب حرب ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية كما عرفتها معاهدة جنيف ١٩٤٨ وكان من المهم فى دعوى جنوب افريقيا أنها تميّز بين جرائم الحرب والإبادة، وهذان أمران مختلفان، فمثلا الهجوم الأمريكى البريطانى على مدينة «دزردن» الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية كان جريمة حرب استهدفت المدنيين لكنها لم ترق لمستوى الإبادة الجماعية، ومع بداية الحرب الجوية الإسرائيلية على غزة يمكن القول بأنها تقع ضمن جرائم الحرب، ما جاء بعدها من غزو برى وتشريد قسرى لأهل غزة وكذلك التصريحات على لسان أعضاء الحكومة ونياتهم المبيتة بما فى ذلك الحديث عن حرب غزة بالسلاح النووى فيوحى بأننا أمام نيّة مبيتة آخذة فى التنفيذ الجهنمى العاجل دونما إنصات لأى صوت من خارج رأس الشيطان وزبانيته لإبادة جماعية متكاملة، وما نراه اليوم فى غزة مضافا إليه تراكم الخبرات والاحتراف فى القتل وسرعته مع تقدم تكنولوجيا الموت استعمار استيطانى واستيلاء على أراضى أهل البلاد الأصليين بالقوة، وتمرد طبيعى ومقاومة مشروعة من قبل أصحاب الحق، تماما كما حدث فى دولة ناميبيا تحت الاحتلال الألمانى الاستيطانى من بعد عام ١٨٨٤ عندما تمت إبادة جماعية لـ٦٠ ألف قتيل من قبائل الهيريرو وحدها، إلى جانب ما حدث مع قبائل الناما من وحشية الألمان الذين كانوا يربطون المواطنين بالسلاسل وقتلهم بالعشرات، أما عن الإبادة الجماعية على يد الاستعمار البريطانى فحدث ولا حرج بالمثال الدامى فى كينيا التى أبيد فيها عشرات الآلاف من قبائل «الماوماو» مع اعتقال مائة ألف كينى لمدد تصل إلى عشر سنوات دون محاكمة، ورغم الجهود الضخمة لكشف حقيقة الإبادة الجماعية وتوثيقها فإن بريطانيا لم تعترف لورثة «الماوماو» سوى بمبلغ ٩ ملايين جنيه فقط لا غير كتعويضات.. وتحتاج الإبادة الجماعية فى ليبيا على يد الفاشيون الطلاينة إلى ألف محكمة وجيش عرمرم من الشرفاء أمثال مندوبى جمهورية جنوب افريقيا، كما لم تسقط جميع جرائم فرنسا على درب الإبادة الجماعية لشعب الجزائر بلد المليون شهيد التى لم تزل مجزرة باريس فى 17 أكتوبر 1961 فى جادة سان ميشيل بوسط مدينة النور محفورة على جدران تاريخ الإرهاب عندما تظاهر أكثر من ٣٠٠ ألف جزائرى وسط المدينة احتجاجا على قوانين ظالمة تحظر عليهم التجوال، يومها قتل البوليس المئات وألقى بالكثير فى نهر السين مُطلقًا عليهم النار وهم فى الماء بأوامر من قائد البوليس الفرنسى موريس بابون مدير أمن العاصمة، ولم تعترف فرنسا بمجزرة باريس إلا بعدما يقرب من أربعين عاما من حدوثها إلا مع نهاية التسعينيات من القرن الماضى ١٩٩٩ أثناء زيارة الرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند للجزائر عندما أقر فيها بالمجزرة فى خطابه فى ديسمبر ٢٠١٢ ورغم الاعتراف لم يكن هناك أى اعتذار بل قالت السلطات الفرنسية إن عدد القتلى لم يتجاوز ثلاثة أشخاص.. وكانت حرب التحرير الجزائرية قد بدأت فى ١٩٥٤ وانتهت بالاستقلال من الاستعمار الفرنسى فى ٣ يوليو ١٩٦٢ بعدما قتل الاستعمار الفرنسى وحرق وهجّر إلى بقاع نائية الآلاف من أعيان وقادة مجموعات المقامة.. إبادات جماعية كاملة الأركان لم يُحاسب عليها الفرنسيون ولا الطلاينة ولا الألمان، فقد كانت جميعها من دون كاميرا ولا تصوير ولا إعلام ولا مراسلين لتوثيق ما حدث خلال القرن العشرين، فما بال ما حدث من الإبادة الأمريكية لقبائل أهل البلاد الأصليين فى أمريكا الشمالية فى نهاية القرن التاسع عشر.. أحداث انتقلت للشاشة الأمريكية على ظهور خيول الهنود الحمر وأفلام الكاوبوى!!

وقد رآه التزامًا الدكتور عبدالرحمن بدوى فى إبداء رأيه حول مسألة مذابح اليهود المسماة الهولوكوست فى ألمانيا واصفًا لها بالأكاذيب التى أذيعت فى شتى أنحاء العالم خاصة فى أمريكا وفرنسا وانجلترا، وأن حملات النازية على اليهود كانت جزءا من حملاتها على من كانوا خصومًا للنازية فى الفترة السابقة على توليها الحكم فى ٣٠ يناير ١٩٣٣.. إذن كانت عملا سياسيا محضا لا تفرق فيه بين يهودى وغير يهودى وتقول دائرة المعارف اليهودية الجزء (٧) العدد ٤٨٣ التى اطلع عليها الدكتور بدوى عن تلك الفترة: «إن مشاركة اليهود ونفوذهم فى الحياة السياسية لألمانيا وصلا إلى درجات لم يسبق لها مثيل، فكثير من زعماء الأحزاب الديمقراطية والاشتراكية كانوا يهودا، كما كان اثنان من (قوميسيرى الشعب) الستة الذين ألفوا الحكومة الألمانية التى قامت بعد الثورة يهوديين، وفى بافاريا لعب اليهود دورًا أكبر، فقد كان رئيس الحكومة الثورية يهوديا، كما كانت الحكومة التى شكلت من بعد مقتله من اليهود، ولجنة التحقيق المكلَّفة بتحرير مسئولية القيادة عن هزيمة ألمانيا كان من بين أعضائها (أوسكار كوهين) وهو ديمقراطى صهيونى، ودستور جمهورية نيمار قد وضع مسودته اليهودى (هيوجو برنس)، وهناك اليهودى الآخر (والتر روثنان) وزير التعمير الذى أصبح وزيرا للخارجية، إلى جانب عدد ضخم من اليهود الذين عُينوا فى مناصب رفيعة فى الخدمة المدنية، وكان لصعود اليهود إلى مواقع السلطة السياسية، بالإضافة إلى تفوقهم الاقتصادى قد نمىّ وزاد فى عداوة الشعب الألمانى لليهود الذين تغلغل نفوذهم بعد الحرب العالمية الأولى فى السياسة والاقتصاد والفنون، وغيرها من مرافق الحياة وكان واضحا استغلال اليهود للمصاعب الهائلة التى حلت بألمانيا غداة هزيمتها وسيطرتهم على مقاليد الحكم ومفاتيح الاقتصاد ووسائل الدعاية والإعلام، ويذهل المرء من العدد الهائل من التنظيمات اليهودية فى ألمانيا فى تلك الفترة (١٩٢٠ - ١٩٣٣) التى ذكرتها (دائرة المعارف اليهودية) بالتفصيل على نحو يكاد يجعل من ألمانيا مستعمرة يهودية وبؤرة لكل المؤسسات اليهودية والصهيونية العالمية، وكان عدد المواطنين فى ألمانيا عام 1920 ستين مليونا، وفى عام ١٩٣٥ ستا وستين مليونا، فبأى حق وفى أى شرع ــ كما يقول الدكتور عبدالرحمن بدوى ــ يجوز أن يتحكم نصف مليون يهودى فى أكثر من ستين مليونا؟!! إن أبسط قواعد العدالة والواجب كانت تقضى على كل ألمانى حُر الضمير أن يتخلص من سلطان هذا النصف مليون، وهذا ما فعلته النازية تدريجيا وبالطرق القانونية السليمة.. فتركت لهم الحرية التامة فى مغادرة ألمانيا مع ممتلكاتهم وسهل لهم ذلك كونهم يحملون جوازات سفر ألمانية تُخول لهم الحق فى دخول معظم دول أوروبا من دون تأشيرة، ولم يمنع الحكم النازى أى يهودى من الرحيل خارج البلاد طوال حكم النازية، ولم تشمل (قوانين نورمبرج) التى صدرت فى ١٥ سبتمبر ١٩٣٥ إلا على تحديد من هو اليهودى، ومنع الزواج بين اليهودى والمسيحى وهو أمر تفرضه الكنيسة الكاثوليكية نفسها فى قوانين الزواج المسيحى، مع منع استخدام اليهود لخادمات ألمانيات غير يهود.. فماذا فى هذه القواعد من شذوذ يجعل اليهود فى أنحاء العالم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها متهمين واضعيها بالجرائم ضد الجنس البشرى ولكنها الوقاحة والسيطرة على وسائل الإعلام هما السبب الرئيسى فى هذا الأمر العجب، وقد حاولت (دائرة المعارف اليهودية) فى ادعاءاتها حول مذابح اليهود أن تهول من الأمر لكنها لم تذكر سوى حادثين اثنين لا ثالث لهما: هما اغتيال تيودور لسنج (وهو مؤرخ فلسفة من الدرجة الرابعة، أو أقل) فى مارينباد عام ١٩٣٣، وتعذيب الشاعر والمسرحى (فريس موسهام) حتى الموت فى معسكر اعتقال عام ١٩٣٤، وفى اعتقادنا أن الأخبار الخاصة بموضوع الاضطهاد كلها مشوشة وأن ٩٩٪ منها مخترع، وماذا كان يستطيع أن يفعل شعب مهزوم مغلوب على أمره ضد ما يلفق ضده.

الصحيح أن هتلر كان يكره اليهود ويمقتهم، ولكنهم لم ينفردوا باضطهاده، فقد نال هذا الاضطهاد جميع المناوئين والمعارضين من ألمانيا وقادة الجيش وزملاءه فى قيام الحزب النازى، حتى يُقال إن هتلر قد قام بإعدام أكثر من خمسة آلاف ضابط ألمانى بشكل رسمى بعد محاكمة شكلية إثر مؤامرة ٢٠ يوليو ١٩٤٤ ولم ينج من الاضطهاد أحد من الذين عارضوه!!

....

وأقول لك إيه يا جبل غزة.. يا وائل.. يا مبتلى بالفراق.. يا الدحدوح.. إنا للـه وإنا إليه راجعون.. كلنا يا أبا حمزة راجعون راجعون راجعون.. ويبقى وجه اللـه.


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: