رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تحالف الخير.. نموذج لمواجهة الأزمات

الأزمة الاقتصادية تضرب العالم كله من أقصاه إلى أقصاه، فلم تترك دولة عظمى أو اقتصادا ناشئا إلا عانى ارتفاع الأسعار وشح العديد من المواد الغذائية والطاقة، ولا يمكن أن نتغلب فى مصر على تلك الأزمة العالمية بلطم الخدود والشكوى وإلقاء كل فرد اللوم على الآخرين، فجميعنا فى قارب واحد، وجميعنا نواجه تبعات تلك الأزمات العالمية، ولا سبيل إلى تخفيف أو التغلب على تلك الأزمات إلا بالسير فى طريق واحد هو التنمية، من خلال العلم والعمل واكتساب المهارات والخبرات، واستكشاف الوسائل المناسبة من خلال خوض التجارب المستندة إلى العلم، والاطلاع على خبرات البلدان الأخرى، ونختار منها ما يناسبنا، أو التعرف على نقاط الضعف فيها وتجنبها، بما يقصر الطريق نحو الوصول إلى أعلى معدلات التنمية، واستغلال الطاقات المحلية، وخفض الهدر، سواء كان فى استهلاك المياه الصالحة للزراعة، أو المواد الخام أو المنتجات المصنعة.

ونستطيع رفع الإنتاجية وخفض الهدر عندما ننتج بضائع وخدمات ذات مواصفات عالية الجودة، ومع ارتفاع تكلفة الاستيراد فالفرصة مواتية أمام المنتج المحلى لكى يحل محل المستورد العالى التكلفة، خاصة مع ارتفاع قيمة العملة الصعبة، وعندئذ لن نتأثر بارتفاع قيمة العملات الأجنبية أو شحها.

إن الطريق الشاق نحو التنمية المستدامة ورفع الإنتاجية لتحقيق مستويات معيشة أفضل يحتاج عملا وجهدا وصبرا حتى يؤتى ثماره المرجوة، ويمكن أن نتغلب على تلك المشقة بالتعاون والتكافل، وأن يخفف بعضنا عن بعض، وألا يستغل المنتج أو التاجر الأزمة فيرفع السعر، أو يخزن بعض السلع ليرتفع سعرها، طمعا فى تحقيق ربح أعلى، وقد يحقق مكسبا بالفعل من تخزين سلعة ما، لكن إذا تخيلنا أن كل شخص لجأ إلى هذا الأسلوب فى الخروج الفردى من الأزمة، فسنجد أن الأزمة تفاقمت، وما حققه فرد من تربح بإخفاء أو تخزين سلعة واحدة سوف يدفع أضعاف ما ربحه عندما يشترى السلع الأخرى، مادامت الأنانية قد استشرت واشتعلت الرغبة فى الكسب على حساب معاناة الآخرين، أما إذا تكاتفنا وتعاونّا، فإن الشعور بالأمان سوف يخفف عنا، وسنجد من يساعدنا على تخطى الأزمة، مادام يجمعنا شعور واحد وتحديات واحدة، ستخف الأزمة وتقل الشكوى، ونتجاوز تلك المرحلة الصعبة، وقد رأيت الأمل الواعد فى مؤتمر التحالف الوطنى للعمل الأهلي، ورأيت فيه طاقة متجددة من الحب والعطاء، طاقة لا تنضب، لأنها نابعة من تاريخنا الطويل فى التعاون والتآزر ومواجهة المحن.

فقد مرت مصر طوال تاريخها الطويل بفترات شحّت فيها مياه النيل، فانخفض إنتاج الغذاء، وتعلمنا من تلك التجارب المريرة أن طوق النجاة فى التضامن والتكافل، والعمل بأقصى جهد، مع خفض الاستهلاك إلى أقل حد ممكن، والشعور بحاجة الآخرين ومساعدتهم، حتى تسود تلك الروح الجماعية، ونستطيع معا تجاوز فترة الجفاف، وكذلك واجه أجدادنا الفيضانات التى جرفت ودمرت المدن والقرى، وتمكنوا من النجاة عبر التعاون والتكاتف والتحمل وشد أزر بعضهم بعضا، فأعادوا البناء بأفضل مما كان، وتعلموا فضيلة العمل الجماعي، والتعاون على البر والتقوى.


وهذا ما يفعله التحالف الوطنى الذى يضم عددا كبيرا من الجمعيات الأهلية، المنتشرة فى ربوع مصر، فلدينا أكثر من 50 ألف جمعية، سيؤدى تحالفها وعملها بالتنسيق مع الحكومة ورجال الأعمال إلى نقلة نوعية وطفرة هائلة فى مجالات كثيرة، من إعانة غير القادر إلى تقديم أدوات إنتاج لبعض الأسر لتنتشلها من العوز أو قلة الدخل، إلى تقديم خدمات صحية، وكل هذا عن طريق متبرعين بالمال أو الجهد، فهناك من يتبرع، وهناك من يقدم خدمة أو خبرة أو يسهل إقامة مشروع منتج، وكان دخول تلك الجمعيات مجال التعاون الزراعى فى وقته المناسب، ويسهل استغلال كل شبر من أرض مصر لكى ينمو فيه الخير، فالجمعيات توفر التقاوى بأسعار مناسبة، لا يدخل فيها وسطاء كثيرون يرفعون أسعارها، فتصل إلى المزارع بسعر مناسب، وتقدم المشورة باستخدام أساليب الزراعة الحديثة التى تقلل الهدر فى مياه الري، وترفع إنتاجية الأرض، ويزيد العائد للمزارع، وتتوافر لقمة العيش وينخفض سعرها.

وقدمت تلك الجمعيات تجارب عملية لما أنجزه تحالفها الذى ظهر فى مارس الماضي، واستطاع خلال هذه المدة الوجيزة التى لا تزيد على عشرة أشهر أن يقدم الكثير من الخدمات، منها الفحص الطبى والعلاج، وتوصيل الخدمات وتقديم سلال الغذاء لغير القادرين، ودخل مجال إقامة المشروعات الصغيرة فى الصناعة والزراعة، وساعد مئات الآلاف من الأسر على إقامة مشروعات، لتتحول إلى طاقة إنتاج وخير، بدلا من تلقى المساعدات، وانتظار الإعانات.

رأيت المجتمع المدنى فى أبهى صورة من الوطنية والإيثار والعمل الجماعى ونشر بذور الخير، وتقديم النموذج الإيجابى للمجتمع المدنى الذى يبنى ويرسخ مبادئ التعاون على الخير وإغاثة المنكوب، ومساعدة غير القادر، والاستفادة من الطاقات العاطلة، وتحويلها من مد الأيدى طلبا للصدقات إلى أيادٍ منتجة للخير، قادرة على العطاء.

هذا النموذج من العمل المدنى هو ما نحتاجه بشدة هذه الأيام، وعلينا أن نمد له يد العون، إما بالتشجيع أو التطوع أو التبرع حسب مقدرة كل منا، ليستمر ويتسع هذا النموذج المشرق للعمل الأهلى المستند إلى إرثنا وخبراتنا التى ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، خاصة أمهاتنا، فقد كنت أجد أمى تمر على الجيران وتتفق معهم على الدخول فى «جمعية»، تدفع فيها كل سيدة مبلغا محددا من مدخراتها البسيطة كل شهر، ويجرى ترتيب من يحصل عليها أولا وفقا لحاجته، فكانت تلك «الجمعية» طاقة أمان بين الجيران، كذلك كان «النقوط» فى الأفراح، وسيلة لتوفير بعض نفقات الزواج، ومنه تسدد الأسرة التى تزوج أحد أبنائها أو بناتها بعض احتياجات الزواج، فيخفف عنهم وطأة الديون من خلال هذا العمل التكافلى البسيط، الذى يتم رده عندما يمر به من قدموا «النقوط» فتدور عجلة الحياة بالتعاون والتكافل.

هذه العلامات المضيئة علينا أن نحرص عليها ونطورها ونوسعها، والتحالف الوطنى للعمل الأهلى نموذج لهذا التطور لتراثنا النبيل والإيجابي، الذى يؤكد لنا أن مصر عامرة بالخير ما دامت تنجب تلك الأجيال التى يشغلها وطنها وشعبها، وتعمل بدأب وصمت على نشر الخير.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابـت

رابط دائم: