رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تحية حليم.. عاشقة النوبة

نطرق الباب فيُلبينا صوتها من الأعالي قادمًا من جوف الصندوق الكهربائى الممتص لثلاثة أرباع الصدى والوقع والتون، للتأكد ممن تجاسر وأتى قاصدًا مع سبق الإصرار خدش سيمفونية الهدوء، وعندما نعلن عن الاسم الذى يلقى لديها حُسن رد الفعل نسمع التكتكة، فإذا بالمغلق ينفتح أمامنا على درجات خشبية تئن رغم أقدام بلا وطأة تأخذ فى حساباتها أن لا غير مجرد الملامسة ببوز الحذاء حرصًا على هشاشة الوضع الرومانسى بأكمله.. و..يقودنا سلمها الموسيقى للمنصة السامية الدافئة الناعمة المتشوِّقة لرؤيانا وكأنما زائرها بمثابة هدية أتتها من السماء!! و..أبدًا لن تكون وحدها في شرف وشوق استقبالك، فهناك جوقة تحفها وتحف بك من بعدها فى موكب اختراق صومعتها بأعلى أحد بيوتات زمالك الخمسينيات.. جوقة قطط الاستقبال من كل حجم ونوع المتمسحة المتداخلة بين السيقان، القافزة فوق الأكتاف، السابقة لاعتلاء المقاعد، المتجوّلة برعونة أينما قادتك الفنانة تحية حليم للتجول في مملكتها الصغيرة التى يحتل مرسمها أكبر مساحاتها للخروج منه إلى شرفة مربعة صغيرة تتمنى ألا تفارق أنس جلساتها التى تجمع فى سهراتها نخبة من الفنانين والأدباء ومريدى تحية حليم مغدقة الكرم فيّاضة الترحيب حلوة المعشر مجيدة فن الاستماع.

.. ومن بعد طرقة طويلة يقودك سرب ذوات الشوارب إلى غرفة نوم الفنانة دافئة العبارة، خجولة الخطى، معتذرة مسبقًا عما يكون قد أزعجك، وليس هناك سوى ما يسر ويُبهج في حرملك تحية بما فيه من غطاء السرير المزركش بتجاعيد ذهبية القصب، والدولاب الأثرى المتوارث المُطعَّم بمراياه الأندلسية، ونافذتين ملونتين بفنون الزجاج المعشق، ومقعد هزاز ترقد فوق وسادته المخملية قطة وسنانة تبدو على وشك الوضع، وإلى يمين السرير المطرز ــ فى لقاءات النوم والصحو وغفوة الضحى ــ يطل عليك بناظريه من تحت الحاجبين الكثيفين الفنان الفارس والحبيب الغادر والمغادر داخل إطار ذهبى عتيق، وفي المواجهة لوحة لتحية رسمها لها أيام ما كانت النظرات تُشيد معبرًا لأحاديث الهوى والجوى.. الفنان حامد عبداللـه الذى قال لها فى سنة أولى زواج عام 1947 عندما همست فى أذنه ساعة الصفا الحميمة بالخبر المتوَّج لقصة الحب الفريد التى جمعت بين بنت القصور ــ من يشغل والدها الأميرالاى محمد أحمد حليم منصب الياور الأول للملك فؤاد وكاتم الأسرار ــ وحبيبها ابن المزارع البسيط في منيل الروضة.. زفّت للحبيب أنه من بعد شهور قليلة سيغدو أبًا.. هنا سقطت الأجنحة وبرزت المخالب.. ساعتها تمزَّق نسيج الحلم الوردى وصعدت صخور الواقع الأليم من الأغوار.. لحظتها ضاقت الدنيا كخرم إبرة.. يومها كان أسوأ أيام حياتها عندما قال لها حامد آخر لم تعرفه من قبل: «لا داعى لذلك الطفل الآن.. الأفضل لنا هو الإجهاض وعلى وجه السرعة حتى لا يتشبث الجنين بجدار الرحم وندخل معًا فى متاهة الحرج.. أمامنا سكة سفر إلي باريس ولا ممكن بحال من الأحوال تحمُّل نفقات ومتطلبات مخلوق ثالث معنا يعيش عالة علينا».. طاوعته و..ذهبت مُنكسرة الخاطر للطبيب الذى قال لها قبل خروجها نازفة مهيضة الجناح من عيادته بأنها لن تحمل في مستقبلها مرة أخرى بعدما انتهك المشرط رحم الاحتواء.. خرجت تواجه عالمًا يسوده الخواء والجفاف لن تحمل فيه مولودها لينمو علي صدرها وترعاه عيناها وتمنحه خبرتها وتدللـه بشغفها وتزوّده بزاد حنانها الطاغى.. شلال تلك المشاعر الجياشة لم ينقطع طوال حياتها تجاه الجميع.. الكبير والصغير.. تمنحه للطير للطفل للقط للنمل السارح صفوفًا يحمل مؤنة أكبر من حجمه لمخازن الشقوق فتحنو تحية على كفاحه وتقرظ بأجمل التعبيرات عمله البطولي.. ومع كل طلعة شمس تخرج بزادها تنثره حبوبًا على جانبى سور الشرفة وقواعد النوافذ، حيث اعتاد منقار الطير ألا يختلج فى وجودها أثناء التقاطه للحب وعندما يتداخل بالعشرات ليطفئ ظمأه في الإناء الذى لا تغفل يومًا عن نسبة امتلائه.. الطير يحبها ويحط على كفها وكتفها ويغرّد بلبله وكروانه وعصفوره وعندليبه وهدهده فى أذنها ويشكر اليمام اللـه له ولها بترنيمته الأزلية: اشكروا ربكم.. اشكروا ربكم..


وفى موعد وجبات القطط تمسك تحية حليم بآلة الهارمونيكا الموسيقية تعزف لحن النداء لجيش ذوات الشوارب المسترخيات بكسل فوق المساند في بقع شمس الشتاء، وعلى بلاطات ظلال التكعيبة الباردة صيفًا، ليفتحن ستائر عيونهن الغافية ويتثاءبن بملل ظاهر، ويتمطين بظهور مقوسة تعيد لفقرات العظام استقامتها، وتمشط بألسنتها طبقة الفراء لتتساقط شعرات تلتصق بالنسيج أينما كان، وذلك قبل السير المتراخى بمخالب الهوينى فى هيئة المجبرة المكرَهة علي إيتاء الطعام الذى يأخذ نصف ميزانية صاحبة المكان.. ومازلت أذكر نداء الفنان الكبير حسين بيكار لتحية حليم رغم تقدمه عنها في العمر.. كان يُناديها «ماما» ويكتب أنها قدمت له إحدى قطيطاتها هدية في عيد مولده لمعرفتها قدر مشاركته لها فى حب ذلك الكائن الكسول الذى كرهه بشدة الدكتور لويس عوض صديق الفنانة الذى رسمته فى إحدى لوحاتها المميزة بالروب الجامعى الأسود، وربما أتت كراهية الدكتور عوض من جراء هواية الزوجة الإنجليزية الشاطحة فى اقتناء عشرات القطط بما فيها قطط الشوارع لتُشاركه معيشته فى الشقة الضيقة في مدخل إحدى عمارات شارع قصر العينى، حيث ذهبنا مرة لقضاء السهرة معه، فإذا بالزوجة المستنفرة دومًا تغلق عليها باب غرفتها بعدما أطلقت علينا جيوش قططها بتنويعات بقع وبصمات فرائها لتغزو أمامنا أطباق الطعام وكأنه حِلّ لها من قبلنا، وترتع فوق المساند وتقفز من الأعالى وتشمشم ياقاتنا وحقائبنا وجيوبنا وفتحات آذاننا، وغادرنا الدكتور وعائلته غير آسفين، ومن بعدها سمعت بنفاد صبره ورحيله إلى بيت ريفى فى ضواحى حلوان يدخله الهواء يختلى فيه مع نفسه وأوراقه بلا مواء أو اختناق!!..


ويصحبها عشقها للقطط حتى النهاية لتكتب تحية حليم في مذكراتها كوصية: «أتمنى أن تساعدنى يدى كى أرسم، وأن تساعدنى ساقى علي الوقوف لأرسم لوحة أرى فيها نهايتى، سوف أرسم القطط تحمل جثمانى لتسير به إلى القبر.. أنا أحب القطط ولىّ معها صداقة تفوق الصداقات بين البشر وبعضهم البعض».. ويقوم الفنان وليد عونى مؤسس فرقة الرقص الحديث بأوبرا القاهرة فى عام 2005 أى بعد وفاة الفنانة بعامين بتصميم عرض مسرحى راقص أطلق عليه اسم «تحية حليم.. المقابلة الأخيرة» أبرز فيه ذلك المشهد الذى داعب حلم تحية، حيث قدم فى نهاية سرد تاريخ حياتها الحافل بالعطاء والمعاناة والهجر والصبر والفن مشهدًا لوداعها، كما تمنت: القطط تحملها الهوينى تسير بصاحبتها الحنون لمثواها الأخير..


عازفة الفرشاة والهارمونيكا التى حفلت أعمالها بموسيقى تأتى من تكرار وجود آلات عزف كموضوع رئيس للوحة أو نغم سائل بين الخطوط والألوان.. موسيقارة اللوحة أتاها عشق الفن ذى النغم المتفرِّد عن طريق چيناتها المتوارثة لترسم العازفات في العديد من لوحاتها خاصة لوحات النوبة، المنبع الذى استقت منه شريان فنها التاجى ــ ربما لأنها الأرض التى اقتربت من محل ميلادها فى مدينة دنقلة بالجنوب الذى كان يُعرف باسم «سلطنة مصر»  وهى الدولة المصرية تحت الحماية البريطانية بين عامى 1914 و1921 ــ لتسمع فى لوحاتها صدى الألحان عبر الربابة والكمان والماندولين والناى والعود.. وهنا يتبدى الچين المتوارث ممثلا ببلاغته وسطوته عبر الجدّة القوقازية «جولتار» إحدى صفقات الجوارى المخطوفة من أعالى جبال القوقاز علي الحدود ما بين آسيا وأوروبا، لتُحدد مصيرها فى حرملك قصر الخديوى إسماعيل كعازفة ماهرة على الكمان، لترفعها موهبتها بعدما أنصت الخديوى لعزفها إلى مرتبة قيادة الفرقة الموسيقية الخديوية التى تنتقل لساحة السلاملك، حيث يقلدها صاحب النعم في ليلة طرب تجمع قيادات السلطنة لقب «اليوزباشي»، وكان على الدوام من بين الضيوف المستمعين المستمتعين إسماعيل باشا المفتش وزير مالية الخديوى الذى وقع فى غرام عزف ملامح وأصابع اليوزباشى على أوتار قلبه، فرفع أمنيته فى حيازة الجوهرة لمقام الخديوى العالى الذى لبى طلب وزيره المفضل وأهداه اليوزباشي جولتار هبة لا نظير لها، وكان أمل المفتش بعدما أصبحت جولتار مِلك يمينه أن ينام ويصحو على أوتارها، لكن أحلامه تبخرت فصاحبته قد خاصمت النغم منذ قدومها لقصره وباتت صماء بكماء مضربة عن الطعام ليالى وأياما، فحاول واستمات، وهدد وتوعد، ثم طبق وعاقب لتُلقى جولتار مكبلة بالأغلال فى الجب العميق، وعندما شارفت على الموت أُسقط فى يده وفضّل إعادة الهدية الخرساء التى غدت عارية الموهبة لقصر صاحبها.. وما أن.. ما أن تنفست اليوزباشى الجدران الخديوية حتى أينعت وأزهرت وانسابت الأنغام تشنف الآذان وتشرح الصدور، ليعزِّف الحب ألحانه علي هُدى وقع خطى الفارس الشركسى عبدالوهاب حلمى  ــ وربما كان للصمت مسبقًا والهديل حاليًا والحال الذى تبدل أسبابه الخافية ــ فأمر الخديوى إسماعيل ـ وهو المراقب لمراحل الانجذاب على أرض البلاط ــ بعقد القران مع تأثيث عش الزوجية على نفقة القصر ــ وكان من بين قطع الأثاث ذلك الدولاب المحفور بوحدات الزهور المطعم بالمرايا الأندلسية الذى توارثته الابنة ومن بعدها الحفيدة ــ ويُنجب ارتباط غرام الشركسى بالعازفة اليوزباشى ابنة تغدو  فيما بعد والدة الفنانة التشكيلية تحية حليم وإخوتها.. وقصة الجدّة تلك سمعتها شخصيًا من الفنانة التى كانت لى بمثابة الأم الثانية التى رافقت قصة زواجى بعناية ورعاية وشهامة وحنان بالفنان منير كنعان وإنجابى لابنى هشام من كانت تُدللـه كجدة فى شوق بالغ للحفيد، وعلي الدوام كانت تلاقيه برقية تحفظها درءًا للحسد الذي تؤمن به لتروى لى عن شدّة وقعه عندما نظر الحاسد إلى يدها ليقول بدهشة حاقدة: هذه يد تكسب الذهب، فانقطع على الفور العصب الذي يحرّك الإصبع البنصر بدون سبب مباشر إلا العين التي تفلق الحجر!

فى زمن طفولتها تستلقى تحية علي ظهرها سارحة في رسوم السقف وتجاعيد الطلاء فتنسج فى خيالها قصصًا لملائكة تسكن أعالى الجبال وأعماق الكهوف، وزرقة تمخر فيها أشرع المراكب بين عرائس البحر، وفرسان تعتلى الخيل وتقفز فوق السدود، وعوالم شتى تحاول بقلمها الساذج ترجمتها فوق الأسطح القريبة لتثير دهشة واستياء القائمين على عمليات التنظيف، وتظل هواية الرسم مسيطرة حتى تتخرج تحية حاملة الشهادة الابتدائية في مدرسة بنات الأشراف التى أسستها نبوية موسى، لتغدو قعدة البيت نهاية المطاف مثل غيرها من بنات الأسر الكبيرة.. لكن الفن يبقى بين الجوانح غالبًا ومسيطرًا وصعب على الأهل الوقوف فى تياره فيصحب الأب المتفهِّم لنزعات الابنة الفنية إلي الراهبة مس مارى لتعلِّمها كيفية نقل الصور وتكبيرها بالفانوس، لكن تلقائية الفن في مخيلتها لا تستوعب تعاليم الراهبة التي تنحصر فى مربعات القياس بالسنتيمترات، فيصحبها الأميرالاى من جديد إلي مرسم يوسف الطرابلسى أشهر مصورى المناظر الطبيعية والوجوه فى عهده، وتحت إشرافه استطاعت ــ أول فنانة عربية تحصل على الجائزة الأولى على مستوى 36 دولة مشاركة فى معرض «جونجاهيم الدولى» عن لوحتها «حنان» فى نيويورك عام 1958 ــ أن تمسك بخيط أول طريقها فى عبور رحلة الفن الأصيل، وتظل في رفقة الوالد الحريص علي تحقيق رغباتها، المتجوّل بها بين المعارض التشكيلية إلي أن تلتقى فى صالون القاهرة السنوي عام 1941 بفارسها وقدرها وزوجها وطليقها وحارق مهجتها الفنان حامد عبداللـه (1917 - 1985) ــ مساعد الفنان اليونانى القعيد «إليكوجيره» الذى يقوم بتعليم الهواة، وكانت تحية فى مرسمه تلميذة نجيبة ــ وقد بدأ حامد مشواره بالفن التأثيرى ثم الفطرى كما يرسم الطفل، ثم اتجه إلى الحرف العربي وتشكيلاته ــ ويتم الارتباط ليسافر العروسان للإسكندرية لبداية جديدة سرعان ما تنتهى بعد عام واحد بالطلاق، وتنهار مقاومة المحبة لشلال طلب السماح من الحبيب فيعود حبل الوصال ليسافر زوجا الإعادة إلي باريس معتمدين علي خمسة وعشرين جنيها منحة الأم لابنتها شهريًا، ورغم عدم بساطة المبلغ وقتها فإنه لم يكن يغطى مصاريف الإقامة والدراسة اليومية من الثامنة صباحًا حتى الخامسة مساء فى أكاديمية جوليان للفن، مما اضطرهما أحيانًا إلى تناول وجبة واحدة يكتفيان فيها بتناول الخبز وحده ــ حسب ما جاء فى مذكراتها ــ ولا يستمر المدد طويلا بعد مرض الأم ليلاقيا فى باريس حقيقة وقع شظف العيش حيث لا تساوى لوحة الفنان ــ غير المعروف ــ المعتمد على عمله سوى ثمن وجبة واحدة، ويعود الثنائى المغامر تحية حامد للقاهرة ليفتتحا مرسمًا للفنانين، ولا تمر أربع سنوات إلا ويغادر حامد مسافرًا للدانمارك ليقيم معرضًا، وينتهى المعرض ولا يعود صاحبه لصاحبتنا فتحصل علي تذكرة الطائرة مقابل إحدى لوحاتها لمدير شركة الطيران الاسكندنافية لتجد الغائب بحجج تملأ المجلدات قد تزوَّج فى الغربة من فرنسية كانت تقف أمامه فى وضع الموديل.. وتعود تحية بعدما وصلت العلاقة إلى طريق مسدود حاملة لقب المطلقة للمرة الثانية عام 1959 لتبدأ مشوارها الفنى المستقل ليقودها دأبها وفنها وتفرُّغها لموهبة ريشتها لتغدو إحدى رائدات الفن التشكيلى المصرى الذى يضم ــ من بعدها ــ من الفنانات جاذبية سري وعفت ناجى وخديجة رياض وزينب السجينى ونازلى مدكور وسوسن عامر وليلي عزت ووسام فهمى وأبكار وضياء السقاف وأزميرالدا حداد والنحاتة عايدة شحاتة وأفلاطون..الخ..

في رحلة الفن والهجر تمرض عيون تحية، عماد ثروتها فيأمر جمال عبدالناصر في عام 1960 بعلاجها فى لندن على نفقة الدولة ليستمر العلاج على مدى تسعة أشهر عادت بعدها لرحلتها فى النوبة لترسم أفراح السد العالى عام 1965 فى عمل ذهبى ضخم يقترب من الرسوم الحائطية عند الفراعنة رسمت فيه مركبين وسط النيل يتلاقيان يوم الاحتفال بافتتاح السد في إحداهما عبدالناصر مرتديًا جلبابًا أبيض مع أربعة من صحبه يقدم لأهالى النوبة الذين خرجوا مبتهجين فى المركب الآخر لاستقبال سنابل القمح رمز الخير والنماء التى يهديها لهم بطل السد..

ولمن لا يعرف أجواء وعوالم الفنانين التشكيليين واهتماماتهم وحواراتهم في سهراتهم فوق جبل الأولمب كأنصاف آلهة، فأنا قد عرفت بحكم وجودى بينهم زوجة لأحدهم.. الأنا غالبًا ما تحكم الواحد منهم وفى قرارة النفس المغلفة بقناع المجاملة أنه الأهم والأسبق والأصل والنص، وغالبيتهم ــ إلا هو ــ لا يعرفون ولا يُدركون نقطة الانطلاق الحقيقى فى أعمالهم والتى ستصنع نجاحا كبيرا فيما بعد، والتى قد يشير إليها ناقد محايد أو يتغافلها ناقد مجامل.. وقد يكون في الرأى المحايد قمة الصواب لكن أن تتعدى الأنا أنا، فقد جاوز المدى ولن يكون الرأى بمثابة النصيحة إذا ما امتد النُصح ليحرّك اليد لإصلاح الخطأ الذى تلتقطه عين الأنا الناقدة.. ومثل ذلك كان سببًا فى غضبة تحية حليم علي «حامد عبداللـه» التى انتهت بالطلاق الأول بينهما، وذلك عندما ثارت وفارت لأنه تمادى وتدخَّل بريشته ليُصحح تبعًا لرؤيته أحد أركان لوحتها فاعتبرته تدخلا واعتداء على قيمتها كفنانة، ومكث حامد طويلا يطلب الصفح مقسمًا علي عدم التدخل بعدها في أى من أعمالها التي تعتز بكل منها كأحد أبنائها، وقد لمست ذلك وأسفت فيما بعد لعدم إدراكى كنه ذلك الغرام والارتباط الوثيق بين الفنان ولوحته، وأن تنازله عنها بالإهداء أو البيع بمثابة انتزاع أحد أطرافه عنوة بكماشة أو خطف ابنه من حضنه رغمًا عنه.. أمامى شاورت الفنانة تحية الفنان كنعان في صفقة يريد أحد معجبيها عقدها معها بتبادل إحدى لوحاتها بجهاز تسجيل من عنده ــ وقتها كان مثل هذا الجهاز النادر في مصر بقيمة عربة مرسيدس الآن ــ وتعجبت للغاية من ترددها الذى يلجئها للاستشارة ــ بتسأل عن إيه؟!! ونقلت اشمئناطى لزوجى الفنان الذى وجدته لدهشتى يشجعها علي الرفض، مشيرًا لى على الجانب الآخر بأن الكاتب كمثال يستطيع إهداء نسخة من كتابه عن طيب خاطر معتمدًا على حيازته لعشرات النسخ الأخرى، أما لوحة الفنان فهى واحدة لا غير وسوف تختفى من حياته تمامًا بكل مصاحبتها ومعاناتها وأيامها ومذاقها وتذوقها وأحاسيسها وعناق ألوانها ورفضها وقبولها ومؤانستها وملامستها... إن جزءًا منه.. من كيانه.. من صحوه ونومه.. من غبطته وألمه. من قبوله ورفضه.. من دمه وأعصابه سيأخذها الآخر مقابل أوراق نقدية متبخِّرة.. و..دعتنا تحية لرؤية إنتاجها الجديد، فسارعت عينى إلى حامل الرسم فى مرسمها لأجده عاطلا فارغا، وهنا أشارت الفنانة إلى هرم خشبى ضخم انتهت من رسم جدرانه بطوابير من النمل تكاد تخفى لون الأرضية، ومكثت تشرح لنا الفكرة وراء عملها الفنى الذى يعكس ملحمة بناء المصريين للأهرامات.. تأملت وسكت ودرت بسأم حول الهرم أحصى طابورًا جانبيًا للنمل لتقودنى أقدامى للشرفة سارحة فى ملكوت الداخل والخارج، وعُدت لأجد الزوج الفنان لم يزل يُبدى إعجابه ويطرى عمل صديقته الفنانة.. وبعد سنوات طويلة طويلة رحلت معها ملكة الهرم والنمل التقيت في متحف الفن الحديث في قطر بهرم تحية حليم إيّاه يتوسط شامخًا إحدى القاعات الكبرى!


تحية حليم  الفنانة التى حرص الأستاذ هيكل علي أن يقتنى الأهرام في عهده أجمل لوحاتها لتتصدر قاعات مؤتمراته.. الفنانة لا تعتمد على الظل والضوء والبعد الثالث بل تكاد تقترب من الرسوم الحائطية التى رسمت فى القرون الوسطى أقامت نحو 45 معرضا فى الفترة ما بين 1942 و1996 وحدها إلى جانب عشرات المعارض الفردية والمشتركة في مصر وخارجها كانت تستخرج ألوانها من سحق صخور مصرية قديمة ملونة مثل تلك التى رسم بها القدماء المصريون علي جدران مقابرهم، ولكنها لم تترك تلك الألوان صمّاء على طبيعتها بل مزجتها بخبرة تكنيكية استخدمت فيها اللون بطريقة  غير تقليدية، فليس بالضرورة فى لوحتها أن يغدو اللون الأسود رديفًا للحزن ووطأة  الزمان وإنما للكمال والوقار، أما اللون الأحمر الطوبى فعندها هو لون طمى النيل وسمرة البشر الكادحين، واللون الذهبى عندما تنثره فى لوحاتها فهى المتفهِّمة لقدر قيمته لتضعه بحرص وحكمة بالغة كمصاغ العروس من بعد اكتمال زيها، وفي استخدامها للأخضر المنتشر على سطوح أعمالها فعندها يساوى نبض الحياة ليقول عنها وعنه الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين: «عجيبة هذه الفنانة وكأنها ترسم بتراب الحقل حتى ليُخيَّل إلىّ أننا لو وضعنا بذورًا فى أرضية لوحاتها لنبتت عيدانا خضراء»..

ويصف د. بشر فارس أثر ألوان تحية على عين المشاهد: «تخرج الألوان من تحت ريشتها وكأن المرئيات قد مرّت بمصفاة هذبت الأجسام وخففت الخطوط وتناولت العناصر بالتحريف والتبديل لتجعل المشاهدة تستجلى وتتوهم فى آن واحد حسب رفات العين»..

ويقدم عماد أبوغازى «وزير الثقافة الأسبق» شرحه لألوان تحية فى لوحاتها بقوله: «اللون عندها يبدو كنتيجة لتشرب الأشياء والكائنات لأشعة الشمس وحرارتها. لون مُحلى بالمعنى الدقيق للكلمة، لون نلقاه فيما حولنا من طمى النيل والفخار المحروق وسطوح التلال المحيطة بشريط الوادى الأخضر والوجوه السمراء وجدران البيوت الطينية المندسة فى ثنايا الجبال الصفر»..

وفى قراءة عن أسلوب تحية حليم للناقد عزالدين نجيب: «الرائى للوحاتها في أى بقعة من العالم يُدرك للوهلة الأولى عمق مصريتها وكأن لوحاتها قد اكتشفت حديثًا داخل أثر فرعونى، أو كأنما صاغتها أصابع فنان فطرى من أعماق الريف، حيث لا تنم عن مهارات ولا قواعد أكاديمية أو استعراض لمهارات أسلوبية مبهرة، لكنها محملة بحس قوي بالبيئة.. بلون الطمى.. بملمس الجدران المتآكلة.. بملامح الوجوه المصرية السمراء.. بوهج العيون فى أقنعة مقابر الفيوم.. بروح الرسوم الشعبية.. بلوحات كتب التراث، حيث يتضاءل الاهتمام بالتسجيل الحرفي للطبيعة ليحل محله الاهتمام بالتعبير عن المعنى الكلى للموضوع.


مذكراتها الخاصة التى كتبتها في دفتر صغير داخل حقيبة يدها وتضم مسودة أولى لفيلم سينمائى عن حياتها  ــ لم يتم ــ من إخراج صلاح أبوسيف.. الحقيبة قدمتها أسرتها كأحد كنوزها النفيسة إلى جانب مقعدها المفضل و61 اسكتشًا من إبداعات الأربعينيات حتى السبعينيات و20 لوحة زيتية ومائية من مقتنيات بعض الأسر المصرية.. جميعها كانت فى معرض لأعمالها بمناسبة مئويتها عام 2019 بعنوان «حكاية تحية» فى قاعة بيكاسو التي واكبت تاريخها الفنى منذ أول لوحة رسمتها عام 1940 فى الاسكندرية للبحر الممتد إلي ما لا نهاية بزرقته الداكنة وأمواجه المتدفقة، وذلك لإدراك مديرها إبراهيم بيكاسو بقيمة الفنانة وتفرُّدها، حيث أقام لأعمالها مسبقًا أكثر من معرض فى أعوام 1910 و1912 و1913 و1914 وأخيرًا فى ذكرى ميلادها 9 سبتمبر 1919.

تحية إلى تحية عاشقة النوبة من توهجت بالحنين والحنان وتداعت أمامها حدود الأزمان لتلتقى لقاء الأحفاد بالفراعنة الأجداد الأمجاد لتتعلم منهم سر روائعهم وتداخل ألوانهم فى خامة الجدران مما ينتج عنه ملمسا ووهجًا خاص يعطى انطباعًا بأن الرسوم تتنفس وتنبض، لتسير تحية علي خطى الأوائل بأن يظل النبض فى لوحاتها ملموسًا لتغدو شخوصها الملحمية كمن على قيد الحياة فى عيون تحية وعشاق فن تحية..


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث: