رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ابتسامة واحدة تكفى

يالهو بالى على ما يُقال عن ابتسامة المرء دينًا وسردًا وشعرًا وفنًا ونحتًا وموسيقى، فاتحتها أنها فى وجه أخيك صدقة، فما أن تجعلها إحدى سمات وجهك فالثواب الدائم عائد إليك ومعك وفى رِكابك، وفى انتقالها عدوى محمودة للآخرين، فحبوب لقاحها فى الأجواء تُنبت مسارات زنابق وعباد شمس وياسمين، فمُحال أن تلقانى بإطلالة ابتسامة فأجاوبك بعقد الجبين.. ومن هنا تنقشع سحابات الغيوم، وتتفتح مغاليق النفوس، وتتواصل فراشات التفاؤل.. من هنا جواز سفر للقلوب.. من هنا تهدهدك فى محنتك أذرع الابتسامة.. من هنا يربت على كتفك الواهن صداها.. من هنا يرتق جراح قلبك فحواها.. من هنا تهمس الابتسامة فى أذن قوقعتك: لست وحدك، فالابتسامة لا تشترى خبزًا لكنها تشترى أرواحًا عطشى لإطلالة مودّة على شفا غبطة دفينة، وسرور خفى، بعدما شبعت من ملامح الإحباط والنكد واليأس حول جدوى المصير..!!

تبتسمين فيفقد الليل وعيه

ويكتم القمر تنهده

ويسقط من السماء نجم

أرهقه إعجابه

..

يا حبى عندما يأتى المساء

انظرى إلى السماء وابتسمى

فالقمر يشتهى أن يجد نصفه الآخر

..

وسط الحديث هى ابتسمت

وأنا نسيت ما أقول

الموناليزا أو الچيوكاندا بالإيطالية La Gioconda وبالإنجليزية The MonaLisa صاحبة أشهر ابتسامة فى التاريخ لم يفلت من إسارها ملايين المعجبين إلى جانب الحاقدين المغلولين المثارين.. بالأمس القريب فى ٣٠ مايو تطاول على محرابها فى متحف اللوفر أحد الموتورين متنكرًا فى زى سيدة عجوز بشعر مستعار فوق مقعد متحرك ليقذفها بقطعة حلوى لم تستطع بلوغها، فقد قام بصد العدوان الحلوانى الصندوق الزجاجى المصفح المصمم خصيصًا لحمايتها من الاعتداءات المماثلة، وتأثيرات عوامل الرطوبة والحرارة، ولم تكن المرة الأولى فى محاولات تكدير صاحبة الابتسامة، فقد سبقها اعتداء جنونى قامت به سائحة روسية عام ٢٠٠٩ بإلقاء فنجان من الخزف فى اتجاه العازل الزجاجى فتحطَّم الفنجان ولم تصب اللوحة بضرر.. وهذا منذ دخلت عرينها الزجاجى فى عام ٢٠٠٥ حيث لم تغادر موقعها فى اللوفر إلا فيما سبق عام ١٩٧٤ عندما تم عرضها فى اليابان بعد مرور سريع على موسكو، وقبلها بعشر سنوات عبرت تحفة ليوناردو دافنشى المحيط الأطلسى ليشاهدها ١.٦ مليون شخص على مدى ثلاثة أشهر فى متحف «ناشيونال جاليرى أوف آرت» فى واشنطن، وبعدها فى متحف الفن المعاصر فى نيويورك.. وفى عام ٢٠١٨ أعلنت وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة «فرانسواز نيسين» عن موافقتها على إعارة اللوحة العالمية لمدة شهرين لملحق متحف اللوفر فى مدينة «لنس» فى شمال فرنسا، لكن الموافقة الرسمية واجهت تحفظات شديدة انتهت بالرفض القاطع الذى لم يكن أبدًا ماثلا فى عام ١٩١١ عندما سُرقت اللوحة على يد لص إيطالى تم القبض عليه عند محاولته بيعها لأحد هواة جمع التحف فى مدينة فلورنسا.


حين ولد صاحب الچيوكاندا «ليوناردو» كان اسمه بالكامل بالإيطالية Leonardo di ser piero da vincin ويعنى ابن بييرو من فينشى.. فى طفولته بدلا من طلاء درع لأحد زبائن والده كاتب العدل «سربييرودافينش» قام برسم لوحة مرعبة لوحش ينفث النار فاضطر الوالد لشراء درع آخر للزبون وقام ببيع الدرع المرسوم لتاجر فن من فلورنسا مقابل ١٠٠ دوكان، وقام التاجر المتذوِّق بدوره ببيع الدرع لدوق ميلان، ومنذ تلك اللوحة الأولى فى حياته (١٤٥٢ - ١٥١٩) تجلت عبقرية الرسام والمعمارى والنحات والعالم والرياضى والمهندس والمخترع والموسيقى والكاتب وعالم النبات ليغدو فى أحدث استطلاع رأى شارك فيه أكثر من ١٣٠ ألفا واستمر على مدى ثمانية أشهر فى العام الماضى أن ليوناردو فنان عصر النهضة هو الشخصية الأشد تأثيرًا فى الثقافة الأوروبية بين خمسين شخصية يتلوه شكسبير وموتسارت ثم أينشتاين وسقراط وجوتة وعالم الفلك جاليليو وشارلمان ودستوفسكى وبعدهم مايكل أنجلو وبيتهوفن واسحق نيوتن وبيكاسو ومارى كورى.

فى عام ١٥٠٣ قام ليوناردو برسم الچيوكاندا وانتهى منها بعد أربعة أعوام لتظل شخصيتها الحقيقية مثارا للجدل والخلاف والظنون ونظريات العلم الحديث، فمن القائل بأن صاحبتها سيدة إيطالية تدعى «ليزا» كانت زوجة للتاجر الفلورنسى «فرنشيسكو چيوكوندو» صديق دافنشى، وأن صانعها من أجل دوام ابتسامتها على الشفاة كان يدعو لها الموسيقيين والمهرجين إلى مرسمه ليبعثوا البهجة الدائمة فى محيطها، وقيل إن اللوحة التاريخية بطلتها والدة ليوناردو وتدعى «كاترينا»، وكتب أكثر من مصدر تاريخى أن اللوحة لإيزابيلا أميرة نابلى، ويذكر النقاد أن دافنشى عندما انتهى من وضع اللمسات الأخيرة فى اللوحة تناول القلم ليكتب فى مذكراته سطورًا حفظها التاريخ يقول فيها: «إن صاحبة الابتسامة ستظل أسطورة للجمال على المدى البعيد».. هذا وقد ظهرت حديثًا نظرية تؤكد أن دافنشى فى لوحته التاريخية قد قام بالمزج بين ملامح وجهه ووجه إحدى نساء عصره، وما دعَّم تلك النظرية أنه عندما أدخلت كـل من صورة الموناليزا ودافنشى إلى الكمبيوتر ظهرت النتيجة بأن هناك العديد من نقاط التشابه المذهلة بين الصورتين بغض النظر عن لحية الرسام، وما كان من الخبراء إلا أن قالوا إن الموناليزا ما هى إلا وجه ليوناردو نفسه وقد عَمَد إلى التمويه عن حقيقتها وذلك لشغفه الشديد بالأحجية والألغاز!!.. وظهرت نظرية أخرى ترجع تسمية اللوحة بـ«الموناليزا» إلى الفراعنة الذين كان لديهم إله اسمه «آمون» يلفظ بالإيطالية ALMona ويعبِّر لدى الفراعنة عن الذكور، وبالمقابل هناك الإلهة الأنثى «إيزيس» وتلفظ بالإيطالية LESA ومن هنا أتى الاسم «موناليزا»!! وتوصلت دراسة دولية إلى أن أشهر ابتسامة كانت بالتأكيد «إجبارية» وذلك لأن جانبى فم الموناليزا غير متماثلين فى التبسُّم ومن هنا جاء تقرير علماء الجامعات فى كل من «سينسيناتى» بولاية أوهايو الأمريكية، وجامعة «سابينزا» فى روما، وجامعة «سانت چورچ» الأمريكية إلى أن الابتسامة غير حقيقية أو عفوية وإلا كانت قد أظهرت الأسنان، وجاء فى التقرير أن الابتسامة بهذا الشكل الإجبارى تأتى من إخضاع شخص لعدة ساعات من أجل القيام برسمه، مما يؤدى إلى تعبير قسرى لا يعكس حقيقة مشاعره الداخلية!!.. ومن التحليلات العلمية للوحة الشهيرة جاء بأن صاحبتها كانت فى شهور الحمل الأخيرة وعلى وشك الإنجاب ويظهر ذلك واضحًا فى انتفاخ الجفون وأصابع اليدين مع ضخامة الصدر فى انتظار إدراره لرضاعة الوليد القادم، وبالفعل كانت زوجة التاجر الفلورنسى فرنشيسكو حاملا وقت رسم اللوحة وأراد زوجها صنع لوحة لها احتفالا بقرب ولادة أول طفل له.. وقد استخدم ليوناردو تقنية التظليل المكثف للتمويه على مظاهر الحمل وإظهار الوجه كما لو كانت صاحبته تجلس وادعة مُبتسمة غير مشغولة البال بما فى رحمها من انتفاضات!!

وهناك فريق من الخبراء وعلماء الأنثروبولوچى الإيطاليين أعضاء اللجنة الوطنية للتراث التاريخى والفنى المكوَّنة من مائة خبير يسعون الآن للحصول على تصريح من السلطات الفرنسية لاستخراج رفات ليوناردو دافنشى لإجراء العديد من التحليلات، وللحصول على عينة من الحمض النووى للفنان، وفيما إذا كانت الجمجمة سليمة، فالإجابة ستكون جاهزة حول هوية الموناليزا الحقيقية وذلك من خلال إعادة تركيب وجه ليوناردو للمقارنة بينه وبين الوجه المبتسم الذى تصوِّره اللوحة، وفى حال حصول اللجنة على تصريح الدخول إلى مقبرة الفنان فسيتم من خلال استخدام كاميرا إلكترونية دقيقة تخترق طبقات الأرض للتأكد من وجود أى عظام أو بقايا داخل المقبرة، وفيما إذا ما كانت تعود بالفعل إلى ليوناردو حيث إنه قد ثبت قطعيًا عدم وجود أى نسل مباشر للفنان فى أى مقابر أخرى تضم أقارب له من الدرجة الأولى، وعندما وقع العلماء فى ظلمات الدائرة المفرغة التى لا تصل إلى أى مصدر يصلح للحمض النووى تفتق ذهن العالم «جروبيونى» إلى الاعتقاد بأن ليوناردو قام بمزج الألوان فوق قماش القنب المستخدم فى لوحة الموناليزا مستخدمًا إصبعه وربما استعان بلعابه لتخفيف المزيج اللونى بما يعنى إمكانية العثور على الحمض النووى التائه فى متاهات القرون.


والچيوكاندا أصبحت وحدها مدرسة مستقلة فى عالم الرسم مثل التأثيرية والتكعيبية والسريالية والتجريدية، وقد أطلق على منهجها اسم «سفو ماتو» أو «دخان ليوناردو» وأسلوبها يعتمد على التلوين الشاعرى الخافت الذى لا يميل للزخرفة ويستخدم المناظر الطبيعية فى الخلفية بسلاسة لا توحى بالتفاصيل مع مزج الألوان الزيتية بطبقات تدريجية على سطح اللوحة بحيث لا يمكن تمييز ضربات الفرشاة مثل اللوحات الزيتية الأخرى، مع مسحة روحانية تبدو على شخصيات لوحات تلك المدرسة ترفعهم عن مصاف البشر العاديين إلى درجة أعلى سموًا، مع تغير تعابير الوجوه اعتمادا على الزاوية التى ينظر بها إلى شخوص اللوحات التى تظن للوهلة الأولى أنك قد استوعبتها بجميع مفرداتها لكن سرعان ما تجدها قد انفلتت من ناظريك نائية داخل غلالة من الغموض بعيدًا عنك فى البر التانى!

المُتتبع لمسيرة الفنان صاحب صاحبة الابتسامة الذى كان يحمل لوحتها أينما سافر وارتحل ــ يجد مولده فى مدينة فينشى البلدة التوسكانية الصغيرة التى تبعد مسافة ١٧ ميلا فقط إلى الغرب من فلورنسا والتى شهدت مولده فى ١٥ ابريل ١٤٥٢، وقد ولدته أمه «كاترينا» القروية البسيطة نتيجة ارتباط غير شرعى من أحد كُتَّاب العدل الموسرين الذى تزوَّج أربع مرات توفيت الأولى والثانية دون أن تنجبا أما الثالثة مارجريتا فقد أنجبت له ستة أطفال وأنجبت الرابعة ستة آخرين فكانوا عشرة ذكور وابنتين، حيث ولد شقيقه الأخير بينما كان فى السادسة والأربعين من عمره، وعبثا كافح ليوناردو لا ليتقاسم مع إخوته ثروة أبيه بعد موته، بل ليُعترف به كابن شرعى يكون له نسب كبقية الأبناء، وخلال منتصف حياته غادر دافنشى ميلانو عام ١٤٩٩ ليعود إليها مرة أخرى عام ١٥٠٦ مع رحلاته المتعددة إلى بارما وفلورنسا ومانتوا وفينيسيا قبل التوجه إلى روما عام ١٥١٣ بعد انتخاب چيوفانى دى ميدتش ليحتل منصب البابا فى الفاتيكان، وفى روما يحصل دافنشى على سكن فى فيلا بليفيدير المقر الصيفى البابوى، حيث رسم لوحة «القديس جيروم» ورسم لوحة «العشاء الأخير» بأمر من الأمير «لودوفيكوسفورزا» فى قاعة الطعام الكبرى فى دير «سانتا ماريا»، وقام برسم جدارية ضخمة من القلعة التى كانت بمثابة مقر إقامة العائلات الحاكمة فى ميلانو والتى تحولت اليوم إلى متحف، وتلك الجداريات هى الوحيدة الباقية من أعمال دافنشى إلى جانب الخالدة «الچيوكاندا»..

فى حياته الثرية بالعطاء التى لم تظهر له فيها أى علاقات وثيقة مع النساء باستثناء صداقته بالأختين «بياتشريتى وإيزابيلا دى استى» ــ وكان قد رسَمَ الأخيرة فى لوحة شخصية ــ انكب ليوناردو على العلم لكشف غوامضه، وعلى المشروعات يخطط لها، فكان أول من فكر فى توصيل نهر «الأرنو» بقناة تخرج من مدينة «بيزا» وتحويل مجرى النهر لاستغلاله فى استصلاح الأراضى، وكانت غرفته مليئة بالسحالى والأفاعى والفراشات والأجهزة التى يجرى عليها أبحاثه، ويعد من أوائل من وضعوا أسس علم التشريح، فقد كان يتردد على مستشفى «فيلارينى» القديم بميلانو ليقوم بتشريح الجثث لمعرفة أبعاد وتكوينات الجسد البشرى الذى يصوِّره فى لوحاته حتى أنه قام بتشريح ٣٠ جثة، وكان أول من رسم جسم الإنسان من الداخل فى مئات من الاسكتشات المحفوظة اليوم فى قلعة وندسور المملوكة لملكة انجلترا، وأكثر ما يُثير الإعجاب بين رسومه التشريحية شبكة الأوردة والشرايين التى تتجمع بداخل القلب وصورة الجنين داخل الرحم، ويعود إليه اكتشاف شبكية العين والعصب البصرى.

ورغم أنه كان أيسر أى يكتب باليد اليُسرى بخط لا يُقرأ إلا بطريقة النظر للمرآة لتنعكس الأحرف واضحة، فقد كان حجة فى الفلسفة واللغة اللاتينية حتى أن أحد المتاحف التى احتفلت بذكراه الـ٥٠٠ على وفاته فى عام 2019 اقتصرت معروضاته على كتب دافنشى التى بلغت ٢٠٠ مجلد احتوت على الكثير من اسكتشات مخترعاته ومنها الطائرة والإنسان الآلى والدبابة والبندقية والغواصة والباراشوت فى محاولة جدية للوصول إلى ابتكار عتاد حربى يُحقق الانتصارات العسكرية بمفهوم متقدم بأن الحروب المقبلة لن تكون حروب شجاعة فردية وقوة جنود مبنية على تخطيطات عبقرية لقادة متميزين، بل كان يرى أن الإنسانية فى عهده قد دخلت عصرًا يجب أن تعتمد فيه الحروب أكثر وأكثر على التقنيات والأعتدة المعقدة.


صاحب الچيوكاندا كان محبا للعزلة، يقضى الساعات فى التأمل، ومن أقواله: «الخلوة أم الحرية، فإذا ما كنت وحيدًا فأنت ملك نفسك، أما إذا كنت برفقة أحدهم فلن تملك سوى نصفك فقط»، وكان ينصح بالإنصات للنقد حتى ولو جاء من جانب الخصوم قائلا: «عليك بالاهتمام بما يقوله خصومك عنك أكثر من اهتمامك بأقوال الأصدقاء، فالحقد أعظم أثرًا من الحب».. «الدراسة بدون رغبة تفسد الذاكرة ولا تحتفظ بأى شيء منها».. «المقاومة فى البداية أسهل من المقاومة فى النهاية».. «معرفة كل الأشياء ممكنة».. «أعشق الذين لا تغيب ابتسامتهم وهم فى ورطة».. فى الخلاء كان يقضى أياما كاملة يعيش مع الطبيعة وظواهرها، يتسلق الجبال معرضا نفسه للأخطار، مراقبًا الطيور فى تحليقها حتى أنه وضع تصميما لجناحين يثبتان حول الوسط للتحليق فى الفضاء بعدما رصد ديناميكية الهواء وعلاقته بالجاذبية الأرضية على أجنحة الخفافيش وقام بتجربة يتيمة للطيران فوق قمة جبل صغير يدعى «تشيتشيرى» بالقرب من ميلانو لم يكتب لها النجاح.. ورغم كل هذا العلم والفن لم يكن دافنشى راغبًا فى الثراء بل كان متقشفًا بطبعه، وكثيرا ما بلغت به الحاجة ليلجأ إلى أقاربه وتلامذته ليقرضوه بضعة دراهم للإنفاق منها على مأكله وأبحاثه، ولقد بلغ من زهده فى المال أن قبل بكمية من الأخشاب كأجر له مقابل قيامه بنقش ساعة كبيرة فى دير القديس «دوناتو»، وكان يقول عن المال: «كل ما تنفقه على نفسك ملك لك، وكل ما تجمعه ولا ينفعك فى حياتك ملك لغيرك على الرغم منك»، وعندما وجد أن الفن لا يفى بحاجته المادية كان يضطر إلى عرض خبرته العسكرية على الأمراء مثل استعمال الدخان الكثيف للتمويه، وإقامة الحصون والقناطر المتحرِّكة والعربات المصفحة ومدافع الهاون، وعندما التحق عام ١٤٨٢ بخدمة دوق ميلانو «لودوفيكو سفورزا» صرح له عبر رسالة بأنه قادر على صنع تماثيل من المرمر والطين والبرونز وبناء جسور متنقلة ومعرفته بتقنية صنع قاذفات القنابل والمنجنيق الخ.. وبعد مرور ثلاث سنوات فى خدمة سفورزا كتب ليوناردو التماسًا لرفع أجره الذى لم يبلغ خلالها كلها خمسين دوقًا فقط لا تكفى لسد جوع ستة أفواه، فإلى جانبه هناك ثلاثة طلاب ورجل مريض وخادمة تدعى «كاترينا» والتى قد تكون والدة ليوناردو التى تعيش فى كنفه.. وكان من أعمال ليوناردو فى تلك الفترة تصميم حفل زفاف الدوق «سفورزا» من «إيزابيلا أراجونا» فى قلعة «سفورزا» ليكتب الشاعر برناردو بيللونشونى: «تم تصميم الحفل من قِبل العبقرى الكبير والمعلم ليوناردو دافنشى، حيث صمم سماء من جميع الكواكب السبعة تدور فى السماء بما فيها القمر وعلى الأرض كانت مهرجانات التمثيليات المقدسة».

ليوناردو النباتى المعذَّب من رؤية الطيور حبيسة أقفاصها، فيعمد إلى إطلاقها بعد أن يدفع ثمنها لأصحابها، وبلا شك أن فِكر الفنان المشتت بين فنه وأبحاثه ومخترعاته وسعيه الدائم لتحقيق الكمال كان سببًا فى أنه لم يكن يكمِّل عملا يبدؤه فسرعان ما يفكر فى غيره وهو وسط المرحلة، مما كان يُسبب له الكثير من الحرج والدخول فى أزمات طاحنة خاصة مع حكام ميلانو وفلورنسا الذين كانوا يتنافسون للحصول على شىء من إبداعاته.. وبسبب أرقه الدائم لم يذق طعم الاستقرار والراحة ليظل هائما ما بين ميلانو والبندقية وفلورنسا ولومبارديا وروما، وأخيرا يحط الرحال عند فرانسوا الأول ملك فرنسا الذى خصص من أجله مع تلاميذه قصرا رحبًا ومعاشا سنويا قدره ٣٥٠٠٠ فرنك ليظل يعمل وينتج إلى أن أصيبت يده اليمنى بالشلل وهو فى السادسة والخمسين ليقوم برسمه فى صورة نادرة عام ١٥١٧ الفنان «چيوفانى أمبروجيو» وذراعه اليمنى مغطاة بالقماش ومن الصعب عليه تحريكها ولعل إصابته المبكرة تلك كانت سببًا فى تركه للكثير من أعماله غير مكتملة حتى رقد فى نهاية المطاف طريح الفراش لعدة أشهر ليضع وصيته لدى كاتب العدل «وليام بوريو» بحضور خمسة شهود، حيث أوضح رغبته فى أن يدفن فى كنيسة سانت فلورنسا ويقوم بتشييع جنازته ستون من الفقراء يحمل كل منهم مصباحا يدويًا، وطالب وهو على فراش الاحتضار بحضور قسيس ليعترف أمامه بذنوبه قائلا إنه قد أساء إلى اللـه والبشر بفشله فى ممارسة فنه كما كان يرتجى منه، وتبعًا للوصية كان تلميذه «فرانشيسكو ميلزى» وريثه الشرعى الذى ترك له لوحاته وأدواته ومكتبته وأمتعته الشخصية، وقد ذكر أن فرانسيس الأول قد أطلق صرخة مدوية بمجرد علمه بمرض دافنشى الأخير ليمكث إلى جواره يضم رأسه إلى صدره حتى لفظ أنفاسه الأخيرة قائلا عنه: «لم يولد رجل فى العالم حاز معرفة بقدر ما حاز ليوناردو، ولا أقصد هنا معرفة الرسم والنحت والعمارة وإنما المعرفة التى جعلته فيلسوفًا عظيمًا جدًا».

و..إذا ما كانت چيوكاندا دافنشى قد تعرضت للسرقة فى أوائل القرن العشرين ١٩١١ فإنها فى القرن السادس عشر كانت مِلكًا للرسام «سالاى» من بعد وفاة صانعها، فلم يكتف بحيازته للأصل ليقوم برسم نسخة عارية منها أطلق عليها اسم «المونافانا» التى أصبح لها الأخرى تاريخ معروف ومتداول فى عالم الاقتناء، وقد أوصى «سالاى» قبل وفاته عام ١٥٢٤ بألا تباع النسخة الأصلية بأقل من ٥٠٤ ليرات وكان وقتها مبلغا ضخما لقاء لوحة صغيرة داخل إطار تعدى سعرها الآن الـ٩٢ مليون دولار.. ورغم تحمل دافنشى لأخطاء تلميذه بسالاى على مدى ثلاثين عاما قام فيها برسم ملامح «سالاى» فى لوحة القديس يوحنا المعمدان، لكنه كتب عنه فى مذكراته: «لص وكاذب وعنيد وشره وسرق أموالا وتحفا ثمينة من العائلة خمس مرات على الأقل وأنفق ثروة ضخمة على ملابسه ليبدو فى مظهر الأثرياء» إلا أنه أبدًا لم يكن سيورِّثه الچيوكاندا لوحته المفضلة المصاحبة له أينما حلّ أو ارتحل والتى كانت ابتسامتها آخر ما وقعت عليه عيناه!.. الچيوكاندا التى مكثت فى العام الماضى شهورًا تعانى الوحدة ــ من بعد ٤٠ ألف زائر يوميًا ــ فى قاعة اللوفر المهجورة فى ظل إجراءات الإغلاق العام فى فرنسا لمواجهة تفشى جائحة «كورونا»، والتى تعد أطول فترة إغلاق له منذ الحرب العالمية الأولى.. الموناليزا التى وجدوا فى ملامحها تشابهًا بملامح والدة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين.. صاحبة الابتسامة الخالدة التى تم الاعتداء عليها فى الشهر الماضى.. رائعة دافنشى التى أصبحت مادة خصبة لخيالات الاقتباس!!


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: