رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إدوارد مانيه.. فنان الضوء والحب والطبيعة

النور النور.. سيطر النور عليه.. تابعته عيناه لينقل تأثيراته وتدرجاته من فوق أسطح الحياة إلى سطح اللوحة.. ولأن لكل رسام مبدع نورًا خاصًا به، نورًا يتفق مع حياته الانفعالية ومسار إلهامه، فهناك رسامون للصباح مثل نجمنا اليوم «إدوارد مانيه» و«كورو» فى فرنسا و«بوتشللي» و«أنجليكو» فى إيطاليا وغيرهم، التى كانت الحساسية على درجة من الرقة عندهم بحيث لا تجد موقعها فى أعمالهم إلا فى الفروق الطفيفة لساعات انسلاخ النهار من عتمة الليل، بينما فنان مثل روبنس «Rubens» على سبيل المثال كان يُفضل ضوء الظهيرة والحرارة الشديدة ومنتصف النهار، ويأتى مثيله «رينوار Renoir» ليستخدم الألوان الزاهية وشمس الظهيرة التى تصب على الأجساد البضّة العارية أشعة براّقة من ضوء الشمس فى كامل عنفوانه.. وكانت نقطة بدايات صراع النور فى اللوحات خلال القرن الثامن عشر عند الفنان الإيطالى «الكارفادجو» الذى لم يستطع التعبير عن حضور النور والإضاءة تعبيرًا قويًا إلا بالفتك بالشكل وجرحه وتشويهه.. إنه يشوِّه الشكل ابتغاء إبراز عنف الإضاءة، ويتخطى الذاكرة الكـلاسيكية فى جميع مراحلها، فيجعل الظل يأكل أجزاء كاملة من الأجسام وأعضائها بحيث تتطلب مجهودًا عنيفًا للتعرف عليها بعد تمزقها فى غابات النور على هذا النحو، حتى ليُخيل للمشاهد أنه يرى جزيرة صغيرة من النور تنبثق فى محيط الظل ولا يطفو أو يبرز سوى المناطق المضيئة كأنها جزر فى البحر، والباقى يمتصه الليل ويغوص فيه، ومن هذا الصراع الذى يخوضه النور مع الظلمات استخلص الفنان «الكارفادجو» رسمًا جديدًا بعيد المدى والأثر، واستمر النور من بعده فى التهام الشكل حتى كاد فى بعض اللوحات أن يبتلعه تمامًا.. وتأتى دفعة فنانى النور التى تنحاز إلى رسم الخلاء والمناظر الطبيعية بشرط أن يكون الخلاء والطبيعة غارقين فى بحور من نور مع انعكاسات زُرقة محيطة وهواء تسبح فيه وتطفو الأجساد.. وحقيقة لقد أُرهق الشكل بل ومُزِّق إربًا وانتصر الخلاء المضىء وبدأت تباشيره تتبدى فى لوحات «فرنيه» رسام البحار الذى قرض الضباب عنده تمامًا عالم المجسَّمات ولم يبق على سطح لوحاته غير تنويعات النور، ومن بعده يأتى الفنان «تيرنر» الذى بخَّر الشكل لصالح النور وصنع لوحته الخالدة التى تُمثل بيتًا فى النور وليس فيها غير أشعة شمس يتلاعب بها ضباب لندن الكثيف.. الشكل والكُتلة والخطوط المحيطة والشخوص جميعها اختفت.. انتهت.. تلاشت.. وأصبح الطريق مُعبَّدا لميلاد الانطباعية «التأثيرية» بسيدها ومُبدعها «إدوارد مانيه» الذى خرج بلوحاته للنور.. للهواء الطلق، لحضن الطبيعة.. للاغتسال فى بحور الضياء.. صاحب أشهر لوحات التاريخ التشكيلى «الغداء على العُشب» التى رسمها عام 1863، و«الشرفة» عام 1868.. رسام الحب الذى لعبت ثنائيات الغرام دورًا رئيسيًا فى لوحاته الربيعية المغسولة بالضوء..


وإذا ما كان هناك رسامو الصباح مثل «إدوارد مانيه»، فهناك أيضًا رسامو المساء ولوحات الأصيل عندما تسقط الشمس عند المغيب فتسارع ريشتهم بتسجيل صعود الليل مع قدوم أجنحة المساء.. الساعة التى يُهدد فيها الظل الحياة، حيث الألوان فى ساعة الاحتضار.. رسامو البرد الليلى ومنهم «ليوناردو دافنشي» صاحب الجيوكاندا الساكن فى ضوء بدايات الليل، الفنان الذى قال ناصحًا: «إذا رسمت صورة فاختر لها وقتًا كافيًا خاصة فى المغيب، ولاحظ الطريق عند هبوط الليل، حيث تتشابه وجوه النساء والرجال فى إطار من الجمال الرقيق الشفيف الذى يتكشف بالعذوبة والغموض والشاعرية».. لقد استمتع «ليوناردو» بتلك الساعة التى ينتهى عندها المغيب، حيث لا يبقى سوى الضوء الذى يكاد يكفى فقط لتمييز الأشكال العابرة.. وهناك من الرسامين مثل العظيم «جويا» فى إسبانيا من توصل إلى التعبير بخذلان النور فى توقيت أبلغ للإثارة، فقد رسم شخصًا يموت فى الوقت نفسه الذى ينطفئ فيه المصباح، وفى ظلال اللوحة المتراقصة الظلال تتجلى أشكال الهلوسات من دواب متواثبة وكائنات خيالية مطرودة من العالم الواقعى تُحركها تهويمات النور فى رحيله!..

أما مشاعر الأرق التى تغزو فنانًا فى حجم «فان جوخ» فيعكسها برسم اللون الأحمر الشبيه بتأجج النيران وفوقه طيور سود تطير فى سماء معتمة ذات لون أزرق داكن رهيب فى طريق يضيئه نور مختنق يَشيع فى النفس القلق الذى شعر به الفنان فى هذا العالم حتى أقدم يومًا على الانتحار.. وإلى جانب مثل تلك النماذج من استخدام النور والظلمة فى أعمال الرسامين، فهناك «النور الصوفي» الذى نزع إليه العديد من مصورى الغرب ومنهم «رمبرانت» رسام الظلمة، و«جورج ديلاكروا» الذى يرسم أشخاصًا عيونهم مغمضة على سر باطن، والرسام «الجريكو Elgreco» الذى زاره فى مرسمه الناقد التشكيلى «جلوفيو» ليكتب: «زرت الجريكو بالأمس للقيام معه للتجول فى مدينة روما وكان الإطار جميلا كل الجمال والشمس المشرقة فى فصل الربيع، بديعة للغاية تَشيع الحبور والمرح فى كل إنسان، وكانت روما بأسرها ترفل فى ثياب البهجة وأجواء العيد، وكان من أشد دهشتى حين دخلت مرسم الجريكو أن وجدت الستائر جميعها مسدلة تمامًا بحيث لا يكاد المرء يميز فى المرسم شيئا، وكان هناك فى نقطة العتمة الكاملة الجريكو شخصيًا جالسًا كالتمثال لا يعمل ولا ينبس ببنت شفة كالتمثال.. ولم يشأ أن يخرج معى رغم إلحاحى قائلا: إن نور النهار يشوّش على النور الباطن بداخله».. وكان الأمر مُشابهًا عند «رمبرانت» الذى رسم فلاسفته معتزلين فى صومعة الفكر داخل جماجمهم تخترقها نوافذ العيون التى تُفتح على العالم الخارجي، وأحيانًا كان «رمبرانت» يرسم عميانًا ابتغاء المزيد من التأمل، كما كان الشاعر «هوميروس» الأعمى الذى تقول الأسطورة إنه يحيا بنور الباطن.. وعندما وصل الجريكو إلى إسبانيا ليرسم مدينة «طليطلة» العائمة فى نور البحر المتوسط الصارخ الجاف القاسي، رسمها غارقة فى سحابات الليل الباطنى الذى لايفتح نوافذه المغلقة سوى للصواعق والبرق.. وفى هذا يتغنى الشاعر الصوفى الهندى «شانديداس» قائلا: «إن ليل العالم يبدو لى وكأنه النهار.. أيها الحب إن نهار العالم ليلي.. إنه نور الباطن نور القلب، وليس نور العيون نور الحب كما لا تعلمون، إن كل واحد منا يملك قبسًا من نور، فإذا ما كان المرء مبدعاً بالكتابة أو بالفرشاة، بالموسيقى أو حتى بالأفعال، فعليه أن يوصل إلى الغير ما فى باطنه من النور»..


من مدخل النور جاء عِشق «إدوارد مانيه» للفن اليابانى مُعجبًا بعفويته الزخرفية وطريقته الساحرة فى تشطير العالم المرئى وفق التناغم اللوني، وفى تحولاته المفاجئة التى تعكس التناقضات بين قيم النو والعتمة.. مانيه الذى وُلد فى الخامس والعشرين من يناير 1832 لأب ثرى يعمل فى المحاماة، فى وزارة العدل وحفيدًا من ناحية أمه لدبلوماسى فرنسى كبير فى السويد.. وبهذا نشأ «إدوارد» فى أسرة برجوازية ميسورة أعدته نفسيًا ليغدو ضابطًا فى البحرية ليرتدى الثياب المزركشة ويضع على أكتافه وصدره الرتب والنياشين، لكن حلم غزو البحّار لمحيطات الأرض لم يتحقق ورسب إدوارد فى الاختبار عام 1848 ليرحل للعمل كمرشد على ظهر باخرة قاصدة ريو دى جانيرو لينتكس ثانية فى الاختبار البحرى فأُغلق بذلك فى وجهه عالم البحر والبحرية، وذهب الفتى ليسجل نفسه فى مرسم «توماس كويتر» ويدرس فى «اللوفر» معجبًا بالجورجيين والهولنديين فنانى القرن السابع عشر، ويقع فى غرام «جويا»، وفى تلك الفترة قام بنسخ أعمال سكويز وديلا كروا، وفيما بين عامى 1853 و1855 تُتاح له فرصة زيارة كل من إيطاليا وهولندا وألمانيا والنمسا.. ويلقى «مانيه» أولى صفعات الإحباط عندما رُفضت لوحته «شارب الإفسنتين» فى صالون عام 1859 رغم تأييد «أوجين ديلا كروا» الشديد له، وبعدها بعامين تلقى لوحته «عازف الجيتار الإسباني» نجاحًا كبيرًا ليقرِّظه صديقه المقرب الشاعر شارل بودلير بقوله: «إن مانيه هو المصور الحقيقي، وسوف يجعلنا نرى كم نحن عظماء فى أربطة أعناقنا وأحذيتنا اللامعة» مُستشهدًا بلوحتى «الغداء على العُشب» و«أوليمبيا» اللتين أثارتا جدلا شهيرًا، وكثيرًا ما اصطحب بودلير صديقه فى طرقات باريس يتأملان معًا مدينة الشِّعر ليسرى فى أفكارهما القلق من جمود العواطف الإنسانية وفقدان الروحانية والتخوف من الهجوم الصناعى القادم لا محالة الذى سيحيل الإنسان إلى آلة صمّاء، وينصت «مانيه» لـ«بودلير» فى قصيدته «حلم باريس Reve Parisien» التى كتبها الشاعر متأملا لوحة الرسام «الغداء على العُشب» متخوفًا على الطبيعة الفاتنة الخضراء التى تتحول على أيدى الآلة إلى جماد:

«عندما فتحت عينيّ المفعمتين بالضياء

شاهدتُ قبح كوخى البائس..

وأحسستُ وأنا أعود إلى نفسى بشوكة الأحزان

كانت الساعة بدقاتها الناقمة

تُعلن بشراسة عن شمس الظهيرة

بينما الأجواء تصب الظلمات

فوق هذا العالم المخدّر التعيس»

وتعتبر فترة السنوات السبع الفاصلة بين عامى 1868 و1874 فترة خصبة فى حياة الفنان الفرنسى «إدوارد مانيه»، لكنها لم تكن خصبة بالمعنى الكمى فقط، إذ حقق فيها عددًا لا بأس به من اللوحات، بل بالمعنى النوعى أيضًا، إذ بدت أعماله فيها منفتحة على الحياة والسعادة والتفاؤل، وقد عبَّر عن ذلك كله فى شكل خاص من خلال التقليل الملموس من استخدام اللون الأسود والاهتمام بترك مساحات مضيئة سخيّة لألوان حيوية راح يميل إليها أكثر وأكثر ولاسيما فى اللوحات التى راح يصوّر فيها نساء يبدون وكأنهن منحوتات حيّة ملونة تفيض بالحبور والحياة والحيوية، ولكن ما بدا أكثر لفتًا للنظر فى هذا كله، إنما كان انصراف «مانيه» إلى تحقيق عدد لا يُستهان به من اللوحات العائلية واللوحات التى يصوّر فيها أصدقاءه المقربين، ويمكن حصر هذا الاهتمام زمنيًا، بين إنجازه لوحة «الفطور» 1868 التى تعتبر إحدى روائعه ــ وفيها صوَّر مشهدًا عائليًا يضمه مع ابنه غير الشرعى الذى لم يعترف بأبوته له إلاّ لاحقًا، وزوجته التى سوف يعود ويخلدها فى لوحات عديدة ــ وتلك اللوحة التى لا تقل عن هذه قوة وجمالا والتى صوَّر فيها صديقه «إميل زولا» جالسًا إلى مكتبه، وتعد لوحة «القراءة» التى رسمها لزوجته من أجمل البورتريهات التى قام برسمها فى الفترة ما بين «1865 - 1873» وحول التساؤل عن سر الاهتمام الزوجى المباشر الذى دعا «مانيه» لرسم زوجته عازفة البيانو الهولندية سوزان لينهوف فى العديد من اللوحات وفى نفس الوقت كان يرسم صديقته الرسامة الانطباعية «بيرت موريزو» فى لوحات أخرى؟! فقد أجاب النقاد بأنه كان يرسم الزوجة فى لقطات «برانية» أو وهى منهمكة فى فعل شىء ما بدون أى تعبير، بينما فى اللوحات التى صوَّر فيها «بيرت موريزو» كان حريصًا على تصوير روحها الداخلية فى تأمل وجدانى مكثف، أى واحدة من على السطح وأخرى من الأعماق!

وفى عام 1872 يقترب «إدوارد مانيه» من الفنان «كلود مونيه» والفنان «أوجست رينوار» ليشجعهما حينما كان التأثيريون يبحثون عن قائد لجماعتهم، وكان أوج ازدهار المدرسة التأثيرية فى الرسم ما بين عامى 1870 و1880 الحقبة التى ساهم فيها كل التشكيليين العباقرة فى التعبير عنها أو على الأقل تأثروا بها حتى أكثر المعارضين وهو الفنان «ديجا».. ومع أن هذا التيار الفنى العاتى الذى كانت بوادره قد ظهرت من زمن بعيد، فإنه لا أحد من الفنانين كان يُشار إليه بالبنان على أنه القائد.. ولقد كان مقهى «جيربوا» ملتقى هؤلاء التأثيريين وعلى رأسهم «مانيه» و«مونيه» و«رينوار».. شباب من الفنانين التشكيليين جمعتهم مثالية مشتركة رغم التباين الشديد فى الطباع.. لم يكن القاسم المشترك بينهم هو الخضوع لمبدأ ما أو لمثال ما جديد، وإنما هو بالتحديد لتحطيم المفاهيم الرسمية وكل القيود الأكاديمية.. ولم تكن التأثيرية تيارًا مدرسيًا طبقًا لبرنامج معين وعلاقات بين أستاذ وتلامذته، وإنما كانت عبارة عن توافق فى الذوق وحالة انسجام وسلام مع الفن التشكيلى والتجربة الحية.. التأثيرية التى كانت تكمن فى لحظات أخوية بين الفنانين الشباب الذين لا يهتمون بالأفكار ولكنهم أثرياء بالأحاسيس، والذين يكتشفون العالم فجأة ويجدونه رحيبًا ثريًا معطاءً وجديدًا لينهل منه كل واحد منهم بدون قيود فلا ينضب المعين، ولأنهم كانوا يدخرون الفن فى أعماقهم فياضًا هادرًا دون أن يستمدوه من نظرية أو قانون.. لقد ثاروا ضد القوانين التقليدية. وكانت التلقائية الغريزية نفسها هى التى ميزت التأثيرية الوليدة حتى وُصِفَتْ بأنها «ربيع الفن التشكيلي».

وفى ظل عدم وجود نظام أو أسلوب معين لم يكن هناك مجال يستند إليه الفنان سوى صدقه، لهذا فكل لوحة تعتمد على عملية خلق وابتكار جديد.. كل نظرة تسقط من الفنان على العالم من حوله تكتشف جديدًا ليشارك بعمله فى ثورة الجمال الزاحف المتحرك، وبدلا من «الموضوع» الذى تحدده الأسطورة أو التاريخ أو الحياة، فإن الأولوية أصبحت فى تأمل الشجرة والكوخ والأفق تأملا منفصلا عن الزمان والمكان.. وهكذا أصبحت معالجة الموضوع تكمن عن طريق تدرج الضوء على الأسطح، وهذا ما يميز التأثيريين عن باقى التشكيليين.. ومن هنا أيضا يتجول مانيه ومونيه ورينوار على شاطئ السين ليلتقطوا انتشار الضوء على صفحة المياه الجارية ويعملوا على أن يترجموا فى لوحاتهم الفنية ذبذبات الضوء ولعبة الألوان مع الأضواء، ومن رؤيتهم الجديدة تولدت لغة فنية جديدة، ومن خلال هذه الرؤية وُلدت أيضا لغة جديدة للضوء الذى أصبح الموضوع الرئيسى وجذوة إيمان الفنانين التأثيريين، ومع هؤلاء أصبح الضوء صافيًا ونقيًا بعد أن تخلص من الظلال..

عاش «مانيه» يرسم الطبيعة فى جميع تجلياتها ليهمس له الشاعر «بودلير» الذى يشاركه عشقها بقوله:

«الطبيعة معبد ذو أعمدة حيّة

تصدر عنها أحيانًا غمغمات لا تبين

يتجول الإنسان فيها عبر غابات من الرموز

تلحظه بنظرات أليفة

مثل أصداء ممتدة تختلط من بعيد

فى وحدة غامضة وعميقة

تتجاوب فيها العطور والضياء والألوان والأنغام

هناك عطور ناعمة كبشرة الأطفال،

عذبة كالمزامير، خضراء كالسهول

لها انتشار الأشياء اللامتناهية،

كالعنبر والمسك ولبان جاوة والبخور

تُعظم نشوة الفكر والحواس والعين»

ويرفع الصديقان الشاعر والرسام عيونهما للسماء فى رحلاتهما إلى الطبيعة الغنّاء ليهمس «بودلير» لـ«مانيه» برؤية تشكيلية محضة تبدو وكأنها شرايين الحياة للوحاته الخالدة: «أترى معى الوجوه الهندسية فى السحب كأنها بلورات ثلجية مسطحة توخز صوف السماء من الخلف، أو كأن أرجل عصافير منتظمة الحركة تقف عليها.. تتوالد البلورات، تغدو فسفورية.. كل شىء يزدهر على هيئة منشور كبير متلألئ بواجهات متعددة: إنها الثريا المعلقة بسِهام إشعاعاتها.. إنها غابة الأضواء»..

ويأتى المرض لـ«إدوارد مانيه» ليرسم ما بين 1879 لوحته الشهيرة «ركن فى مقهى الموسيقى»، وفى 1882 آخر لوحاته الكبرى تحفته الأشهر «فى حانة الفولى برجير».. ويتمشى العجز فى الأوصال ويضطر الأطباء إلى بتر القدم اليُسرى التى تمكنت منها الغرغرينة ولا تغدو فى الأصابع الملهمة قدرة إلا على رسم باقات الزهور بعد عجزها عن رسم الزائرات الحسناوات. ويرحل «إدوارد مانيه» فنان الضوء والحب والطبيعة فى نهاية ابريل بباريس ليقول زميله الرسام «إدجار ديجا» فى تأبينه: «لقد كان أكبر كثيرًا مما كنا نعتقد»، ويودعه الصديق الشاعر بودلير بأشعار تقول:

«تحملنى الموسيقى مثل بحرٍ

نحو نجمتى الشاحبة،

أرفع الشراع تحت سقف

ضباب أو فى أثير واسع..

أحس فى نفسى ارتعاش كلِّ آدم

يرحل على سطح مركب تائه.. يبتلعه النور»


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: