رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثورة يناير الأمريكية

لم تعد الثورات تحدث كما كانت تاريخيا في شهر يوليو في قلب الصيف القائظ، وأصبحت تحدث في شهر يناير حيث الشتاء القارس والزمهرير الذي يلفح الوجوه.

والغريب أن ذلك لم يحدث في الشرق الأوسط، حيث ازدهرت هذه النوعية من الثورات، حتى سميت الربيع العربي؛ ولكنها جرت في الولايات المتحدة، وفي واشنطن العاصمة، ولم يكن أحد ساعتها في ٦ يناير من العام الماضي يدعو إلي إسقاط النظام وإنما كان نوعا آخر منه وهو إلغاء نتيجة الانتخابات.

لم تكن الثورة من الجماهير وحدها، ولكنها كانت تحالفا بين جماهير، ورئيس الدولة شخصيا دونالد ترامب، وكم هائل من المنظمات اليمينية والعنصرية.

وكما هي العادة فإنه في مثل هذه الأحداث الكبرى فإن هناك ما هو أكثر من قصة واحدة، رغم أن الأحداث كلها جرت أمام عدسات التليفزيون، وجري إعادتها على مدار الساعة لمدة طويلة.

ويبدو أن الثورات مثل الجمال لها قصة خاصة بأعين الناظرين، ولكنها في المجال السياسي يصبح لها فائدة تعبوية للمعركة السياسية المقبلة، فهي ليست قصة من قصص الماضي، وإنما هي حاضرة بإلحاح علي أحداث اليوم، والمستقبل القريب عندما يذهب الناخبون الأمريكيون إلي صناديق الاقتراع في نوفمبر المقبل في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

هناك بالطبع قصتان علي أقصي اليمين واليسار، اليمين يراها ثورة مشروعة للاحتجاج علي تزوير الانتخابات التي أدت إلي فوز مرشح الحزب الديمقراطي جوزيف بايدن علي الرئيس الشرعي دونالد ترامب. هنا فإن القصة تصل إلى أكثر أشكالها تطرفا، وتحضر إلي الذاكرة الانتخابات التي تجري في العالم الثالث حيث يبدأ الخاسر معركته السياسية التالية بالطعن في نتيجة الانتخابات.

علي الجانب الآخر من التطرف فإن القصة تبدأ من تصور ما حدث انقلابا علي الديمقراطية كلها، واستخدام العنف في مبني الكابيتول من أجل منع الكونجرس من التصديق علي نتيجة الانتخابات. في الصياغة فإنها الجريمة الكاملة التي جري تسجيلها بالصوت والصورة.

ما بين القصتين توجد قصص أخري منها أقل حدة، واحدة منها تري أن الأمر كله مجرد حدث مؤسف، ما كان واجبا له أن يحدث، ولكن بعد حدوثه لا ينبغي الوقوف عنده طويلا. عضو مجلس الشيوخ لندسي جراهام يصيغ القصة علي الوجه التالي:

جاء عدد كبير من الناس إلى واشنطن للمشاركة في مسيرة أوقفوا السرقة التي روج لها الرئيس آنذاك دونالد ترامب لدعم زعمه الكاذب بأن انتخابات ٢٠٢٠ قد سُرقت منه.

قال ترامب أمام الحشد في ذلك اليوم: نحن نقاتل مثل الجحيم. وإذا لم تقاتل مثل الجحيم، فلن يكون لديك بلد بعد الآن.

سار جزء من هذا الحشد إلى مبنى الكابيتول الأمريكي، واقتحموا المبنى وقاموا بالتخريب والترويع أثناء ذهابهم.

في اليوم التالي، أقر جراهام بأن ترامب يتحمل مسئولية الفوضى في مبنى الكابيتول. لكن الآن، بعد مرور عام، فجأة يهاجم جراهام بايدن لأنه جعل السادس من يناير سياسيًا؟ وهنا تحديدا توجد القصة الرابعة وهي أن الواقعة التي لا يمكن وصفها بالانقلاب، ولا يمكن تركها معلقة في مدار النظام السياسي، فالحديث عنها كثيرا يؤدي إلي المزيد من انقسام الرأي العام الأمريكي، وتعميق الاستقطاب بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، والأخطر أنها تلقي الزيت علي النار المشتعلة في البلاد الأمريكية بالفعل.

ولكن محاولة إطفاء حريق الحدث يواكب قصة بالغة الأهمية، وهي الخامسة في قائمة التعداد، وهي أن القصة لها محتوي قانوني، ولا بأس أن يكون سياسيا هو الآخر، يجري بين أروقة مجلس النواب حيث يجري التحقيق مع المسئولين عن جرائم محددة مثل الاعتداء علي المال العام، وعلي إثارة الذعر بين مواطنين، وعلي التسبب في مقتل عدد من الأشخاص منهم رجال شرطة، إلي آخر القائمة الطويلة من الجرائم التي تخص تدمير مبني فيدرالي، والاعتداء علي موظفين عموميين وقت قيامهم بوظائفهم العامة.

القصة المنبثقة عن التحقيقات تولد قصصا فرعية بعضها حدث، وبعضها الآخر لا يزال طور تتابع الإجراءات القانونية لاستدعاء المتهمين، والشهود، والبحث عن القرائن.

وفي داخل ذلك فإن الحصانة القانونية تلعب دورا فهل يجوز علي سبيل المثال استدعاء نائب الرئيس مايك بنس الذي كان عليه وفق منصبه قيادة عمليات التصديق علي نتائج الانتخابات. الأمر كله ينطبق علي الرئيس السابق الذي لديه قدرات زئبقية كبيرة للتعامل مع المتطلبات العامة من أول تقديم أوراق الضرائب الخاصة به، والاستعداد للشهادة في الدور الذي كان له بامتياز ساعة تتالي الأحداث.

القصة القانونية لما جري تختلف قليلا عما يماثلها في بلدان العالم الثالث التي أحيانا يجري استخدام الحجج القانونية ولكنها لا تبقي مجرد حجج وإنما تؤدي إلي وقف العملية الانتخابية كلها كما جري مؤخرا في ليبيا.

ولذلك فإنها تأتي في مسار عملية سياسية استخدم فيها العنف نعم، ولكنها تبقي علي إمكانية الاستئناف في عملية سياسية أخري.

يجري بعضها داخل الحزبين الرئيسيين (ليز شيني التي تؤكد جريمة دونالد ترامب وما جاءت به من عار للحزب والمحتجين علي جو بايدن لأنه وهو الذي وعد خلال الحملة الانتخابية بتوحيد الأمة الأمريكية فإنه في الواقع زادها انقساما بالتأكيد علي الواقعة)، وبعضها الآخر وهو أكثر عمقا يفتح الأبواب لتعديلات في النظام السياسي ذاته من خلال مراجعة عدد قضاة المحكمة الدستورية العليا، وتغيير لائحة الممارسات ساعة إقرار القوانين، بحيث ينتهي الأمر لإلغاء أو وضع القيود علي المماطلة Filibuster التي تستخدم لتعويق إصدار القوانين الذي يعني عمليا منع الرئيس من تنفيذ برنامجه الانتخابي الذي انتخب علي أساسه. وأيا كانت قصة الثورة فإنها لم تنته بعد.


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: