رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأقصر بلدنا.. أكبر متحف مفتوح يبهر العالم

كنت أتجول فى صباى بمعالم بلدتى الأقصر، مبهورا بتلك المعابد المهيبة التى وقفت فى شموخ تتحدى الزمن، من معبدالكرنك، أحد أقدم المعالم الأثرية فى العالم، إلى معبدالأقصر ووادى الملوك والدير البحرى ووادى الملكات، والمعبدالجنائزى، والكثير جدا من التماثيل والمعالم الأثرية على جانبى النيل، وكان يدهشنى أن أجد هذه الكنوز التى ليس لها مثيل فى العالم، والتى تحظى باهتمام كبير من الأجانب تعانى الإهمال، وتزحف عليها المبانى العشوائية، وتكاد تخنقها وتخفيها عن الأنظار، وكنت أرى فى كل حجر بالأقصر عبق تاريخ طويل، ممتد الجذور، يستغيث بالأحفاد من فرط الإهمال، كما أن رمال الأقصر لم تفصح عن كل ما فيها من كنوز، والمغامرون واللصوص كانوا يتسللون للبحث والتنقيب عما خبأه أجدادنا، وكنت أتحسر وأقول فى نفسى لو أن بلدا أوروبيا لديه القليل من تلك الكنوز لاحتفى بها، وجذب أنظار العالم ليأتى إليها كل سكان الأرض ليشاهدوا كم كانت هذه الحضارة متألقة وملهمة وغنية بالفنون والمهارة والعلوم.

سيكون يوم افتتاح طريق الكباش يوما مشهودا فى التاريخ، عندما يرى العالم، احتفالا أسطوريا مهيبا، ويشاهد كيف عادت كنوزنا الأثرية لتتألق، وتنفض غبار الإهمال، ويأتى إليها الزوار من كل أرجاء الأرض، ليروا معالم تلك الحضارة العريقة، ويشاهدوا «الأقصر الجديدة» بعد أن تحولت إلى أكبر وأغنى متحف مفتوح فى العالم.

أتوق إلى هذا اليوم الذى سيشاهد فيه العالم موكب آمون على طريق الكباش، و400 شاب وفتاة بالزى الفرعونى يصطفون على جانبى الموكب، والأوركسترا الضخمة تعزف نشيد آمون، والموكب يمضى على طريق آلهة القدماء، الذى أصبح معروفا بطريق الكباش، عندما تم العثورعلى تمثال لأحد الكباش، وتبين أنه الطريق القديم، الذى كان يزدان بمئات تماثيل الكباش على جانبيه، بامتداد 2700 متر، وهو أول طريق مُعَبَّد بالحجارة فى التاريخ، ويصل بين معبدى الكرنك والأقصر، وكان الموكب مرتبطا بأكبر الأعياد فى هذا الوقت، ويسمى عيد «الأوبت»، ويبدأ بمهرجان ضخم لموكب آمون، وكان يتوافق عادة مع فترة فيضان النيل، الذى اعتبره القدماء رمزا لبعث الحياة والخصب.

الاحتفال المهيب بافتتاح طريق الكباش سيكون افتتاحا للأقصر بوجهها الحضارى الجديد، فالجهود لم تتوقف عند إعادة طريق الكباش إلى سابق عهده، وإنما امتدت لتشمل تطوير الأقصر بكامل معالمها الأثرية، وإقامة مشروعات سياحية وعمرانية وخدمية رائعة، وكان الجهد ضخما، والتكاليف كبيرة والتعاون مع مختلف الجهات، خاصة أن المشروع الحضارى الضخم كان يتطلب إزالة الكثير من المبانى، منها المساكن التى أقيمت فوق الطريق وحوله والعديد من المساجد والكنائس، وعدد من الفنادق والمنشآت العامة، ووجد تفهما ورحابة من الجميع، لإدراكهم ووعيهم بأن المشروع سيعود بالخير على أهالى الأقصر، ويحولها إلى إحدى أهم مناطق الجذب السياحى فى العالم، بما يليق بها، وأنها ستعكس صورة مصر فى جميع أنحاء العالم، وتغير تلك الصورة النمطية التى كانت فيه كنوزنا الأثرية تعانى الإهمال، ولا تقدم للسائح ما يحتاجه.


كان طريق الكباش قد بنى فى عهد الأسرة الثامنة عشرة والتى تم فى عهدها إنشاء الجزء الأول من طريق الكباش وقامت الأسرة الثلاثون خاصة الملك نختنبو الأول بإنشاء الجزء الباقى من طريق الكباش حيث كان الهدف من إنشائه ربط معبدى الكرنك والأقصر، وبه ست مقصورات كاستراحة للمراكب المقدسة، وتم اكتشافه فى 18 مارس عام 1949عندما كان عالم الآثار المصرى الشهير زكريا غنيم يجرى عمليات حفر حول معبدالأقصر، وعثر على تمثال أول كبش، فأمر باستمرار التنقيب، ليجد الطريق الشهير، وفى عام 1958 استكمل الدكتور محمد عبدالقادر عمليات التنقيب ليكتشف 16 تمثالا، وجاء بعده الدكتور محمود عبدالرازق ليكتشف 55 تمثالا عام 1962، وتوقفت أعمال التنقيب لعشرين عاما، ليتم استئنافها عام 1984 على يد الدكتور محمد الصغير، وأنشأ وحدة متخصصة لاستكمال الكشف عن الطريق، واستمرت الوحدة حتى عام 2000، وجاء محافظ الأقصر الدكتور سمير فرج ليضع المشروع فى صدارة أولوياته، لقناعته بأنه سيغير وجه الأقصر، وإضافة كبيرة للسياحة المصرية، وتصدى لأعتى الصعوبات، والتى تمثلت فى إزالة عدد كبير من المبانى، لاستكمال أعمال التنقيب، ثم تلتها إعادة تنظيم المنطقة لتليق بهذه الصروح العالمية، وأكمل المشوار المحافظ محمد بدر منذ عام 2015، وواصل بكل دأب أعمال التنقيب التى انتهت بعد استكمالها عام 2017، لتتواصل عمليات الترميم، وإعادة تخطيط المناطق الأثرية، لتصبح بروعة ما تحتويها من كنوز.

عكف عدد من نخبة المهندسين والفنانين المصريين على وضع تصاميم الموقع الفريد الذى يجمع بين المعبدين وطريق الكباش وإطلالة النيل، ورسموا تحفة معمارية تليق بالمكان المهيب، تراعى تجانسها مع طبيعة المكان، وتزيده تألقا وهيبة، ولاقوا كل العون من القيادة السياسية الحريصة على تحويل الأقصر إلى أفخم المتاحف المفتوحة فى العالم وأكبرها، وفى القلب منها سيكون هذا المثلث الذهبى، الذى يحده من الشمال معبدالكرنك، ومن الجنوب معبدالأقصر، وخلفهما يمتد طريق الكباش بطول 2700 متر، ونهر النيل العظيم فى الواجهة، وتحويل الطريق الرئيسى بعيدا، وإقامة ممشى على النيل يلامس المياه، تظلله صنوف الأشجار والزهر والنوافير، ثم طريق مخصص لعربات الحنطور وتستخدمه سيارات الإسعاف والإطفاء فى حالات الطوارئ، ليكون رئة نقية لا تشوبها شائبة من التلوث البصرى أو السمعى مع الهواء النظيف والحدائق والمقاهى والمطاعم ومحال الخدمات والبازارات والفنادق، والتى تراعى الجمال والتناسق.

هذا المشروع الأثرى السياحى العملاق سيكون نقلة نوعية فى خدمات السياحة والتنمية الشاملة للأقصر، لتنافس بها مصر كبرى الدول السياحية فى العالم، فالأقصر بها ثلث آثار العالم القديم، ومن حقها أن تكون مركز الجذب الأول للسائحين، من خلال تقديم آثارنا وحضارتنا بالصورة اللائقة، لنرى أقصرا جديدة، تكون واجهة لجمهوريتنا الجديدة، ومثلما سعدت بأن أرى خطوات تنفيذ هذا الصرح الذى سيبهر العالم، فإننى أتمنى أن أرى معظم المدن المصرية قد أصبحت بهذا الجمال والجاذبية، فنحن لدينا الكثير من المقومات والثروات، وعلينا أن نقدمها بما يليق بها وبنا، لتكريس مفهوم تقديرنا لقيمة ما لدينا، وأن نحرص على الجودة والدقة والنظام والنظافة والمعاملة الحسنة، وعندئذ سنرى الكثير من الخير.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثــابت

رابط دائم: